(علي العمري في "ولا يدري أحد ")

عبدالله السفر
(السعودية)

علي العمري1 ـ فريسة في شباك الانتظار

علي العمري هذا الشاعر الجميل المكفهّر، دوماً. كان في (فأس على الرف) وما يزال في إصداره الجيد (ولا يدري أحد، دار الحوار، اللاذقية ـ 2001) يحمل الصخرة بين منكبيه، يعذّبه السؤال، يشيله الأرق من عتمة إلى عتمة، ويرضخه من جدارٍ إلى جدار؛ لا يبصر غير المهاوي، وما ينغل فيها من سوءةِ مصيرٍ لا يأتـي؛ يحمل الفريسةَ إلى خلاصها وإلى انفراج ملّمةٍ تغوص أسنانها في لحم الروح، ولا تتخلّى. تبقيه أبدا معلّقا؛ ينتظر مخلَباً لا يحطّ.. يتشهّى الموتَ ولا يطاله:

(لتهبِطْ
أيّها الدائخُ في الأعالي
فهاتِه الفريسة بقوائمها الأربع
ضارعةٌ إليك.
نص: نسر ـ ص 77)

.. ليكونَ النسرُ فعلَ العذاب وأداتَه، لكنه يظلّ أمضى حين لا يقترب حيث الفريسة تتخبّط في شِباك انتظارها.. متى يسيل دمُ خلاصها وتخرج من (النهار الطويل ـ ص 55).. من قبضةٍ يتخثّر فيها الزمن وينغلق، خثرة يابسة لا يبدّدها (سائلُ اللحظة الصامت في الكأس ـ ص 36).. لحظة تتمدّد، تكبر نواتُها بالترقب والانتظار، فتفرز الألمَ (تجرح العينَ من طولها اللحظةُ ـ ص 38) الذي لا يُقبَض عليه ولا يتعيّن. يمكن لك أن تقول أنّه حسّ الكائن بالكارثة المقبلة، الحزن، القلق، الخواء، العدم. هو فقط ما لا يُقال، ولا يُحال عليه إلا بكلمة " شيء " كأمرٍ محظور (لا يُحمل ـ ص 27)، ربما يفصح تحديدُه عن كشف قناع الوجه الشائه لأعطابٍ تتوقّاها حتى الأحلام:

(شيءٌ سيمسّ الليلةَ الجبين ـ ص 7)
(شيءٌ يهِمّ بالحجرة ـ ص 10)
(شيءٌ يربك السكتة ـ ص 10)
(وتحرّك شيءٌ جانب الصدر ـ ص 11)
(والشيءَ الذي سمعناه يئنّ ـ ص 13)
(شيءٌ اغتنم الهزيع الساكن ـ ص 27)
(عيناه على التلة/ على الشيء كالشفرة ـ ص 51)
(شيءٌ خالص كبُرادة الحديد ـ ص 59)

هذا الـ " الشيء " الذي ينسرب في الخفاء، ولا يُمسّ. نُقِعَ زمنا، تحلّلَ أخذ كلّ الأشكال المراوغة لكنها جميعا بأسهم ومسامير تبزغ، لا مرئيّةً، وقتَ تشاء، وبحبلٍ غليظ تشدّ إلى مثيلاتها وتحقن بما يجعل الدربَ ينسدّ (على البصيرة ـ ص 55) والروحَ تجف (ص 63) وبما يجعل الحياة محضَ نفايةٍ رديئة في (بركٍ جافّة) إنْ تبرق، آنَ تبرق،فلن يكون إلا بعماها:

(قليلا وتخر إلى باطن أمواتك/…/ غريقٌ ينتف القعر ـ ص 23)
(في السحيق اللازج تحت النأي هاملةً كدحت الإصبع ـ ص 61)
(تتعب الروح تحت الرحى/ وتبرق من برك جافّة الحياة ـ ص 41)

في الأسفل بنظرةٍ مشدودة إلى القاع (ص 14) تحت الثقل حيث الوحيد بمائه الخائف؛ يبحث، يفتش، يتلمّس، يتقرّى، فلا تقع اليدان على نداوة الحياة ولا على بهجتها، ولا على المعنى؛ يخفّف من الجهامة ويؤجّل، قليلا، إطباقة الشفرة التي تسحل النَّفَس كلّه. غير أنّ ما نزل الشاعر يبحث فيه لم يكن سوى بئرٍ منزوفة (ص 60) ومترعةٍ بأحجار (ص 23). ألم يقل من قبل الشاعر صلاح عبد الصبور كلمتَه القصيرةَ وهو يتدبّر زمنا جريحا: (أصبحنا مثلَ الطين بقاع البئر/ لا يملك أن يتأمّل وجهه).

2 ـ ليل المعدن والحجرات الضيقة

وجودٌ مسوّر، معزول، مُفرَد، مضغوط بين (ليلِ المعدن) و(الحجراتِ الضيقة) يفريه عذابُ الانحشار في دائرةٍ لا تفضي إلى مخرج. يظلٌ مطحونا داخل المغارة في جوف الصخرة تهمي عليه الظلمة من كل مكانٍ وما هو بناجٍ ولا ميّت. آلة العذاب تدور وتنخر وتذرّي ورقَ عمرٍ أيبسَه ما لا يجيء وما لا يحدث:
(يأوي/ إلى مغارةٍ/ يتنشّق العالمَ من جوف صخرة ـ ص 16)
(دخلتْ الفكرةُ مُنتبَذَ الصخر كادحةً تدور في المغلق ـ ص 32)
ولن يكون بغير فائدة أن ينتصب النمل هنا، إذ يفرد له الشاعر واحدةً من شذراته الدّالة والعميقة على جمراته التي لا تنطفئ.. يقول مالرميه إّن الشذرة هي علامة عرس الفكرة، ويكتب حسن نجمي في شعريّة الفضاء عن الشذرة بأنها من المحركات الداخلية للكتابة.. في نص/ شذرة " نمل " تتجسّد هشاشة الكائن إزاء سلطةٍ قاهرة تنبذه بعيدا تاركةً إياه ـ تحت أثقاله الرازحة بشبهة المؤن وأُلْهِيَتِهَا ـ يسعى في فلك العذاب؛ المقفول بصخرة، المُحْكَم الرِّتاج بانقطاع الرجاء:

(بطيئا على الصخرة
بالمؤن الثقيلة تسري
كأنما تحرّك مجرّة
ليدور العذاب.
نص: نمل ـ ص 63).

الآن تحت الرّحى، في المطحنة، تنكتب فصول حياة الكائن. ينقذف في الرّوْع أية هاوية، أية مكيدة تنتظر بقاعٍ يستطيل فيه العذاب ويستديم. الرِّقُ الذي لا تتبعه حريّة. النيْرُ الذي لا يليه اِنفتاحُ فضاء ولا انبلاجُ ضياء. ألهذا، للذي لا يُحمَل، للجالس لصقَ فأسه ينتظر، للفارد ذراعيه لرياحٍ لا تأتي، لمفتوح الجبين قدّامَ صحراء يقوم ويجلس ولا ثمّة من يَفِد أو يرسل إشارة.. ألهذا، إذن، تحلو الظلمة وينبُل شحُّ الفوانيس؛ فتغدو حاسة البصر فائضا يجْمُل معه أن تسكت العين وتُرَدّ عنها النظرة ويُطفَئ أخيرُها (ص: 15،69،10).. أحسبُ أن الدائرة اكتملت بانغلاق الحواس (يُنظَر نص: صحراء2، ص 53 وفيه أيضا إشارة إلى الانقطاع والإفراد بحادثة قتل الحصان). ذلك أنّ مرارة الرؤية طفحت كأسها وسالت بخيوط الفاجعة وانشطار الجسد بيقين الانكشاف؛ فها هو العابر يلقم نافذة الطين رسالتَه اللّهبَ للوحيد يقرأ في دهن كلماتها السائل، في رمادها ما يبهضه ويشقّه: (في أضيق النّفَس " … " في أضيق ليلةٍ، يُترك مدعوساً يئنّ على يقينه ـ ص 17) والسهرُ يأخذ حصّته، يشحذ المخلب ويشدّ سهم الرمي: (السهر أسفل الكلام، عند الرّحم/ قربَ الغصن الذي انهزّ/ وانشقّ من اليقين ـ ص 36).

3 ـ هباء المصير

في مفازة اليقين هل ينعقد برعمٌ للندى، هل يثمر الشجر الذّاوي، وهل ثمّة خيارٌ بين جدارين تعلو أحدهما الحبسة، والآخر الغراب يسهر لنذر الخراب (الآن على الحائط الغراب ـ غرابٌ على الحائط الآن، ص 37 ـ 38):

أ ـ جبالٌ تنأى بما اقتطفت من حياة
ب ـ ذبابٌ يلوح على هدأة المشهد (ص 34)

أثمّة خيارٌ ؟ هل بقي خيار لمن استوطن القعرَ والبريّة بإصبع السأم الذي يسلخ الحياةَ سلخاً.. بإصبعٍ لا ينجز إلا مُرَّ الحبر، كما تقول الشاعرة البحرينية فوزية السندي في إحدى ملاذات الروح. إنه أحد هؤلاء المقذوفين في الطريق (ليس لهم خيار، قُذِفَ بهم في طريقٍ ما، وفي آخر الطريق فعلٌ ينتظرهم، فعلهم أنهم يسيرون وأرجلهم العارية تطأ الأرض بشدّة وتتسلّخ جلودُها على الحصى ـ سارتر، مسرحية الذباب). الفعل الأخير أن يُنْبِتَ مخالب القسوة، أن يصقلها مرارا، لا ينفكُّ يربّيها لتحسن الفتكَ و " قطف المصائر " وقتَ يحين طقسُ الدم؛ الانتقام للعمر الذي (ينهال على الهضبة ـ ص 53) ولكتابٍ يحترق (ص 17) انعجمتْ كلماته وانعجنت حروفه: (آنَ خرّت الجثة وفاضت اللفظة المبهمة لصقَ التراب ـ ص 34).. فقد اتّحد المكتوب بالشخص في هباء المصير فـ : (قليلاً ويُلفح في الريح الذرورُ الغامق، سدىً تُكنَسُ الوردة ـ ص 61).