(مختارات شعرية سورية تضم اسماء رائدة وشعراء لم يطبعوا مجموعاتهم بعد)

صالح دياب
(سوريا/باريس)

مختارات شعرية سورية تضم اسماء رائدة وشعراء لم يطبعوا مجموعاتهم بعدتسعي هذه المختارات الشعرية إلي إلقاء الضوء علي الشعر السوري الحديث، وتقديم نماذج شعرية للأصوات الشعرية النثرية، الأكثر حضورا في راهن الشعر السوري، فضلا عن تلك التي كان لها دور رائد، ومبكر. ذلك الحضور الذي يتأتي من النص الشعري أولا وأخيرا. لذا، نجد قصائد لأسماء ما زالت تنتظر طباعة مجموعتها الشعرية الأولي، لكن قصيدتها تشير بقوة إلي قوة موهبتها الشعرية،كثافة نشرها في الصحف تشير إلي الأهمية الروحية التي توليها هذه الأسماء للشعر. كما تغيب أسماء كانت واعدة في بداياتها، إذ كتبت في الثمانينات بعض النصوص التي تحيل علي إدراكها الجمالي والفني، لكن هذه الأسماء توقفت عن الكتابة أو لم تتابع، أو تنهم بالشعر، كما لم توله أي أهمية في حياتها.

ككل المختارات الأدبية فإن هذه الانطولوجيا تخضع للتذوق الشخصي، الذي بناء عليه تم اختيار أسماء معينة وتجاوز أخري، الأمر الذي لا يقلل إطلاقا من أهمية أي اسم غائب، إلا من داخل هذا التذوق، لذا فهي لا تدعي الكمال، كما أنها لا تسعي إليه، كونها تتوسل تقديم نماذج للأصوات الأكثر طليعية في الشعر السوري عبر أسمائها الأساسية، ولا تهدف إلي إجراء عملية مسح شاملة له.

و الحال، هذه المختارات إذ تبدأ من فترة زمنية مبكرة، تسعي إلي الإشارة إلي بعض منابع القصيدة النثرية المبكرة في سورية، التي تجلت عبر شعراء رواد كتبوا قصيدة النثر كأورخان ميسر، الذي نظّر مستشرفا كتابة جديدة وكان علي علم تام بما كان يجترحه بالنسبة لعلاقة قصيدته بالعالم والذات من جهة، بالنسبة للجهاز التصويري والبلاغي الذي كان يتوسله باكرا من جهة أخري. نري ذلك بوضوح تام من خلال تقديمه لديوانه سريال بمقدمة طويلة عن علاقة الشعر بالأغوار الداخلية السحيقة، وحديثه عن السريالية وأهميتها في النص الشعري. كذلك الشأن بالنسبة للشاعر علي الناصر صاحب التجربة الرائدة، التي تميزت بالنزوع إلي الحداثة باكرا جدا قبل الشعراء العراقيين، وحتي قبل الأسماء المبكرة المصرية، فضلا عن خير الدين الأسدي الذي كان يجرب في الشعر انطلاقا من هواجس روحية صوفية شخصية،إذ كان ممتزجا كليا في نصه. ففي قصائده تتجلي الروحانية الصوفية نتاجا للتجربة الشخصية، وليس البعد المعرفي.إنه أحد آخر المتصوفين الذين انبثقت نصوصهم من تجربتهم الشخصية، من دون أي مكابدة لغوية أو تنكب معرفي يهدف إلي التجريب اللغوي الجاف.

تقدم المختارات قصائد لمحمد الماغوط، لتثمن قصيدته التأسيسية التي هي حلقة أساسية للانتقال من النثر الشعري إلي قصيدة النثر، قصيدته التي ما زالت تفلت من التصنيف الزمني لما تحمله من جماليات تعبيرية، جعلتها تبقي، فيما تم بالواقع الإعراض عن تجارب لها أهميتها التأسيسية اللغوية، فحسب من مجايلي الشاعر،ولم تؤد الورشات النقدية والصحفية في إبقائها حية كما قصيدة الماغوط. والسبب يعود برأيي إلي علاقة قصيدته بالعالم وأشيائه العادية. فمنذ البداية اختار الماغوط الكتابة عن أحاسيسه الذاتية والانطلاق منها إلي اللغة لا العكس، وقد استطاع رفع هذه الأحاسيس إلي مقامات شعرية عالية وجارحة، فيما كان مجايلوه يتحدثون عن أهمية اللاوعي في الأدب والشعر وعن الإمكانات الهائلة للنص الصوفي والهذيانات التي تتوسل السريالية أفقا، بينما كان هو منشغلا بما يعتمل في داخله كشخص ويعبر عما يلامس مباشرة حاجاته اليومية الملحة، والكتابة عنها بلغة ذهبت باتجاهين عميقين، عبر تحريرها للشكل الخارجي للقصيدة والداخلي أيضا.

صوره الحارة، النضرة، المشرقة والحادة التي تسقط سقوطا، وتذهب مباشرة إلي هدفها حزنا أو يأسا، رفضا، وعدم قبول، وتوقا إلي حياة كريمة، وكشفا للاعدل، للاانسانية، والبؤس الذي كان يصادفه في يومياته. تلك الصور ما زالت تصدمنا بعذريتها ولا نستطيع أن نردها إلي مرجعية، وتظل ترسل سيلا من الإيحاءات، وتنشر طيفا واسعا من روائح التمرد وعدم الرضا. الشعر هنا ليس سوي معبر للروحي الأعمق. لم يحتج الشاعر إلي الاتكاء لا علي الأسطورة، ولا علي النص الصوفي، ولا التاريخ، كان هدف الشعر لديه القبض علي هذه المشاعر البسيطة والمباشرة التي يعيشها كفرد، في يومياته النافلة والتي تشكل حياة كاملة، والتي هي عميقا قضايا هذا الفرد وشعاراته الحقيقية، كل هذه التيمات الجمالية الماغوطية، تجلت لاحقا بشكل أو بآخر في قصيدة السبعينات.

أيضا، تقدم المختارات نماذج من القصيدة النثرية التي كتبها أدونيس، التي ما زالت حاضرة، رغم مرور الزمن عليها. أدونيس الذي كتب كثيرا عن الشعر العربي، والذي تعتبر كتبه أحد المراجع التي لا غني عنها لأي دارس وقارئ للشعر العربي الحديث، كتب أيضا قصائد نثرية باكرا، وأول من كتبها في شكل واضح ومتبلور. نصوصه النثرية ما زالت حاضرة، وقد تأثر بلغته الشعرية جيل كامل من الشعراء، بما فيهم بعض الثمانينيين. إن النص الأدونيسي، نص رؤيوي، يذهب إلي لملمة شمل الرموز الأسطورية والتاريخية، أو صوغ رموز شخصية خاصة، تنفتح علي الكائن الأدونيسي الذي هو أشبه بالمخلص والقديس، فيما القوة الشاعرة تنبثق من الأعماق الداخلية بروقا وحدوسا، مؤكدة علي الحضور الكلي للفرد، والشاعر نظير النبي الذي يستطيع الكشف وقراءة المستقبل. تمر المختارات علي شعراء السبعينات، مقدمة نماذج تحيل علي الانجازات الجمالية والتعبيرية الكبيرة لقصيدة السبعينات التي ما زال ممثلوها يكتبون إلي جانب شعراء ظهروا في عقد الثمانينات. إن شعراء السبعينات: منذر مصري، ورياض الصالح حسين، وعادل محمود، وبندر عبد الحميد، ونزيه أبو عفش في نتاجه الأخير، عملوا علي إحداث نقلة نوعية، في الشعر السوري، وقد شكلوا افتراقا عن شعر الستينات.

رسخت هذه الأسماء، انفتاح القصيدة علي العالم والحياة، وخصوصا الشاعر منذر مصري أشدهم إخلاصا وقطيعة مع البني الجمالية والبلاغية لقصيدة الستينات. وبالتوازي مع نص الماغوط، لا بل فضاءاته المذكورة أعلاه، ذهبت قصيدتهم إلي تمجيد اليومي والاحتفاء به، فعبر نماذجها الأربعة المنشورة هنا، نجد توسلا للقبض علي جوهر الشعر في الحياة اليومية، وتأكيدا علي أهمية الكلام الشفوي العادي لما يحمله من حرارة شعورية داخل بنية الخطاب الشعري، بخلاف اللغة ومشاغلها العقلانية التي نجدها في نصوص الستينات.

يدخل الواقع في بنية شعر السبعينات بقوة عبر التفاصيل، حيث يذهب الشعراء إلي استقاء الشعر من الحياة وليس من الأفكار، مع الإعطاء أولوية كبيرة للنثر داخل الخطاب الشعري، والانسحاب كليا من البلاغة والفصاحة والجزالة اللتين تكادان أن تكونا موجودتين عند شاعر سبعيني وحيد هو سليم بركات، ولا تعنيان هنا أبدا استخدام الكلمات القديمة، بل طبيعة البناء العلائقي بين المفردات نفسها، الأمر الذي لا نجده عند شاعر ثمانيني هو عبد اللطيف خطاب مثلا حيث الجملة سلسة ومنسابة ورقيقة، رغم وجود مفردات قديمة تنتسج ضمن الخطاب الشعري الذي يتنكبه الشاعر. إن عبد اللطيف خطاب أحد رواد الشعر السوري في الثمانينات، جاءت تجريبيته من تجربته الشخصية، ومن الصعوبة العثورعلي منابع للغته الشعرية، سوي كبريات النصوص العربية التراثية فضلا عن لغته التي هي لغة شفوية بدوية تتقاطع كثيرا مع حياته الشخصية، بينما يكتب سليم بركات ضد الشفوية تماما، قصيدة رؤيا تمتح متحا من اللغة العقلانية التي تنحدر أشبه بجيشان عنيف، يصدر قعقعة وضجيجا يحيلان علي الفتنة باللغة وملحقاتها فيما الإحالات علي العالم تتبدي بصعوبة داخل جعجعة الكلمات تصويتيتها العالية، ومتانتها اللغوية الكبيرة، أما الوقع فهو لا يتجلي إلا كضباب يصعب شم رائحته داخل النص.

لم يعد أحد من الشعراء الآن الذين يكتبون القصيدة النثرية منذ السبعينات، يكتب قصيدة الرؤيا / الشبكية التي تحيل علي ما هو فوقي،تمتح من المستوي اللغوي، سوي أدونيس وسليم بركات، ومحمود السيد. النفور مما هو عقلاني رؤيوي هو ما حاولت الأصوات الشعرية التي جاءت بعد عقد السبعينات أن تذهب إليه.. إلي شعرية مختلفة، تنطلق من أسس جمالية وتعبيرية، تنزاح عن قصيدة السبعينات الشفوية المكتوبة في سورية، متقدمة نحو كتابة قصيدة مختلفة. و تشكل التجربة الرائدة للشاعر نوري الجراح، ذات السمات الفنية والجمالية المتميزة عن مجايليها، حلقة وصل بين السبعينات والثمانينات. فقصيدته تطل علي العالم من جهة وتسعي إلي الافتراق عن لغة السبعينات مؤسسة للغة أخري تتميز بسعيها الدائم نحو التجريب،الفضاءات الفانتاستيكية، الحلمية، مع الإبقاء علي أهمية العلاقة مع العالم الخارجي، الذي يتحول حينا إلي أخيلة تطل خلف ستائر البناء الحلمي، أو يظهر في شكل عادي. قصيدة نوري جعلته دائما، حاضرا ينتمي إلي الجيل الجديد، بسبب طبيعة بنيتها الجمالية، والاقتراحات الدائمة التي تقدمها.

تشترك الأصوات الشعرية التي نقدمها،والتي أتت في مطلع الثمانينات عموما، في تجريبيتها، والبحث الدائم في مفهوم القصيدة، بوصفه هوية متحركة، وعدم طمأنينتها إلي ستاتيكية لغوية، فهي تعيد النظر في أدواتها وبناها التعبيرية والأسلوبية، وفي وظيفة الشعر وعلاقاتها مع كل ما هو فصيح، منبري، خطابي، تحريضي، انفعالي، وهي تتمثل المنجز الشعري العربي منذ الرواد حتي السبعينات مرورا بالستينات وتجربة مجلة شعر، كما تتشرب بالشعر المترجم والتجارب الشعرية العربية المجاورة، ولا تحمل اللغة في الأصوات المقدمة هنا والمكتوبة منذ السبعينات أي هم كلي فوقي، فهي تضيء في قصيدتها كل ما هو شخصي حميمي، صغير، وخاص.

الأصوات الشعرية الجديدة، التي جاءت بعد السبعينات حسمت أمرها في نزوعها نحو قصيدة النثر بوصفها مجالا وحيدا للتعبير. هذا الانزياح عن الكتابة الموزونة له دلالاته العميقة في التحلل الكامل من الرؤي والتصورات البطولية المتعملقة للذات والعالم والتي لا تغادر محل الوهم.

إن جيل الثمانينات ينقسم إلي تيارين عريضين: أصوات التيار الأول ذهبت إلي السهر علي جماليات قصيدة السبعينات، مطمئنة إلي انجازات السبعينات بوصفها قابلة للعيش دائما، ولدي هذا التيار، نكاد لا نعثر علي أي توسيع جذري لجماليات القصيدة السبعينية، وهنا يمكن أن ندرج أسماء مثل لقمان ديركي ومحمد فؤاد، حكم البابا، خليل صويلح.
أما أصوات التيار الثاني كعمر قدور وحسين بن حمزة، وصالح دياب في مجموعتيه، أسماء أخري جاءت لاحقا تنتسب بشكل أو بآخر إلي هذا التيار كمحمد دريوس.هذه الأسماء لئن ظلت محافظة علي شفوية اللغة، وبساطتها، إلا أنها أعطت أهمية لعملية الاشتغال التصويري، وأولت أهمية إلي الدهشة المتولدة عن الصورة الشعرية، دون دفع القصيدة إلي الانهمام بالصورة، لكن هذا المسعي يهتز من وقت إلي آخر، ولا نجد إلا نادرا انفتاحا كاملا علي النثر واستخدام السرد الشعري في نصوصها، مقارنة مع أصحاب التيار الأول.

هذان التقسيمان عموميان ويمكن أن يهتزا، نظرا للقناعة بالهوية الجمالية المتحركة والمتغيرة للنص الشعري.

تحضر في هذه المختارات شاعرات أمثال: سنية صالح، دعد حداد، مرام المصري، لينا الطيبي، رولا حسن، هنادي زرقة. ما يميز هذه الأصوات هو الهجس بالشعر بعيدا عن كل اليافطات الوهمية لمحاربة الذكورية التي كان وما زال ينادي بها دجالو الحداثة ومرتزقوها كمدخل لكتابة نسائية حاضرة مثل تحطيم المكبوت،والكتابة عن الجسد، وغير ذلك من الترهات التي استخدمتها كثيرات وطفت أسماؤهن علي السطح بسرعة تحت اسم الجرأة، دون أي نظر في شعرية نصوصهن، التي لو قرأناها فسنجد نصوصا تجرد الواقعي، تغيب التجربة تغيبا مطلقا. حيث الكاتبة هنا منفصلة انفصالا عن قصيدتها التي لا تتجلي إلا كتجريد كلي مطلق.فيما أصحاب هذه التجارب هم من أشد المغلقين في شتي النواحي الأدبية وغيرها.نصوص الشاعرات المختارات تذهب إلي القبض علي الجوهري في تجربتهن الشخصية. والذهاب إلي الجسد في نصوصهن هو توسل إعلاء قيمة الحياة والأنوثة عبر الإشارة إلي ارتباط حرية المرأة بحرية التعبير عن جسدها، بعيدا عن كل ميكانيزمات الاستعراض. لذا تتبدي الذات في نصوصهن كذات، خارج التوصيف الجنسوي.وهي لئن أحالت علي ما هو أنثوي، فإنما تشير إلي ثنائية الحيف الواقع علي المرأة.ولعل الأمر الأهم هو توسلهن المغامرة في الكتابة الشعرية، لا الانهمام في التعبير عن مغامراتهن الحياتية مأساة وحيفاوكتابة استعراضية عن الجسد وغير ذلك.

الأصوات الشعرية التي ظهرت منذ مطلع الثمانينات، ذهبت إلي تفكيك القداسة المسبوغة علي البلاغة والبيان، كما أدارت ظهرها لكل ما هو بياني، وفصيح في عملية ارتداد حادة علي الشعرية الميتافيزيقية، وانسحبت من الشعرية التي تنغلق ضمن حدود التجريد إلي درجة تتحول فيها اللغة إلي سلطة مطلقة.

إن الغني والتنوع سمتان يتميز بهما هذا الشعر، فأينما توجهت في سورية تجد من يكتب وينشر كتبا يوصّفها علي أنها شعر، فيما تقتصر شعرية كل هذه التجارب علي تيار واحد هو: القصيدة النثرية، ومن المفاجأة أنه بخلاف الحماسيات واللغة الخطابية، التي كانت الثقافة الحماسية الرسمية تبثها في المجتمع، فإن الشعراء منذ السبعينات قد انسحبوا كليا من منظومة الوعي، الكلي، القومي، الديني، ليضيئوا ذواتهم، وأشياءهم البسيطة الصغيرة، كأنما كل الضجيج الحماسي لم يستطع أن يغير ملامح هذا الشعر، ويجعل من هذه الأصوات صورة منه، أو حتي يجعلها تتقاطع مع أطروحاته، وأدي هذا بحركة التيار الشعري الجديد منذ السبعينات إلي خلاف تام مع الخطاب التحريضي المؤسساتي، وهي هنا بشكل أو بآخر تعبر عن إدارة الظهر التامة للأطروحات الحماسية الرسمية، ودليلا علي استعراضيتها وفراغها. فيما ذهب الشعراء إلي القبض علي الأعمق والحقيقي.

إن الشعرية السورية، الآن، تنفتح علي حساسيات شعرية مختلفة ومتجاورة، وقضية الأجيال ليست دقيقة كليا، وهي لا تصلح مجالا للانطلاق من أجل تعميم أحكام جمالية وتعبيرية عليها، بل يمكن الحديث هنا عن تيارات شعرية، للتملص من المحدوديةالقسرية اللتين يمكن أن تنتجا من اتخاذ الجيلية منظارا لقراءة التجارب الشعرية. تصطبغ القصائد المقدمة، في الكتاب عموما بطابع الشعر السوري، ولغته المأنوسة الأليفة التي تخلو من أي خدش أو جرح أو تخريب وتهشيم، رغم تجريبيتها واستدراجها اللغة نحو احتمالات وصياغات جديدة في العلاقات بين الأشياء، إنها قصائد تسجل موقفا من العالم والمحيط وتذهب إلي الاحتفال بالحياة فرحا وحزنا، مكابدة وألما والعكس.

أعطيت الكتاب عنوانا هو: نوارس سوداء ، ولهذا العنوان حكاية. منذ خمس عشرة سنة تقريبا، سمعت طرفا من حديث في مقهي القصر في مدينة حلب، المقهي الذي كان يرتاده الأدباء، مفاده أن كاتبا سيعد أنطولوجيا عن الشعر السوري، وسيعطيها عنوانا هو نورس أسود ، مرّ الزمن سريعا، وتركت مدنا عدة خلال هذه السنين وتغير محيطي كليا، ودخلت في الغياب، بعيدا، عن كل هذه الأمكنة والشخوص.

لم تصدر أية انطولوجيا عن الشعر السوري طيلة هذا الزمن، كما لم ألمح أي نورس أسود. نسيت، خلال هذه السنوات، كليا، الأشخاص الذين ربما، كانوا يتحدثون حول هذا النورس الأسود، كما نسيت اسم الكاتب، الذي كان، ربما، سيعد الكتاب، حتي المقهي، نفسه أغلق، ولم يعد موجودا، وربما لم يكن هناك أبدا لا مقهي، ولا أشخاص يتحدثون حول أنطولوجيا.

تبددت من ذاكرتي أية علائم تحيل الموضوع، وامحت كل التفاصيل، ولم يبق حتي الغبش. كما لم تؤدِ الاتصالات الهاتفية إلي أي شيء. وحده النورس الأسود ظل يحوّم في بالي منذ تلك الأيام، يرافقني في كل المدن، وطيلة الأوقات، ربما لم يكن سوي غيمة تقيم فيّ، علي هيئة نورس أسود، ها هو يحط، هنا، بين دفتي هذا الكتاب، برفقة نوارس سوداء أخري.

الشعراء المختارون:

خير الدين الأسدي . أدونيس . عابد إسماعيل . نزيه أبو عفش. حسين بن حمزة. حكم البابا. سليم بركات. نوري الجراح. رولا حسن. دعد حداد. عبد السلام حلوم. عبد اللطيف خطاب. صالح دياب. محمد دريوس. لقمان ديركي. هنادي زرقة. محمد سيدة. محمود السيد. سنية صالح. خليل صويلح. رياض الصالح حسين. لينا الطيبي. بندر عبد الحميد.حازم العظمة. محمد فؤاد. عمر قدور. فايز مقدسي. عادل محمود. مرام المصري. محمد الماغوط. أورخان ميسر. منذر مصري. علي الناصر.

القدس العربي
04/10/2007