شوقي بزيع
(لبنان)

يحاول الشاعر المصري علاء عبدالهادي من خلال كتابه الصادر عن سلسلة «إبداعات عالمية» بعنوان «مختارات من الشعر المجري المعاصر» أن يسلّط الضوء على ساحة شعريّة شبه مجهولة من جانب القرّاء والمثقفين العرب. فباستثناء نصوص تُرجِمت قبل سنوات لكل من الشاعرين شندور بيتوفي ويوجيف أتيلا نكاد لا نعرف شيئاً يُذكر عن الشعر المجري بشقّيه القديم والمعاصر. وقد لعب بيتوفي الذي عاش في النصف الأول من القرن التاسع عشر وعبَّر بأسلوبه المميّز والفريد عن روح المجر الممزّقة بين التقليد والتجديد دوراً أساسياً في تطوير اللغة الشعرية المجرية وإثرائها. في حين ألهَم أتيلا الشعراء الذين أتوا بعده من خلال تطلّعاته الوطنية ومعاناته المضنية وانتحاره المأسوي. ومع ذلك، فإنّ المترجمين العرب لم يهتمّوا كثيراً بمتابعة التجارب الحديثة والمتنوّعة لشعراء المجر ولم يصل إلى متناولنا سوى ما تعلّق بالنماذج «النضاليّة» التي دأبت الأجهزة الإعلامية زمن الاتحاد السوفياتي على إبرازها وتظهير صورتها.
حسناً فعل علاء عبدالهادي باختياره شعراء مجريين ينتمون إلى حقبة السبعينات مع ملاحظة أن اثنين من بينهم يقفان على التخوم بين عقدي الستينات والسبعينات. وهو إذ يفعل ذلك يتيح لنا أن نكون صورة أوّلية عمّا يكتبه شعراء ذلك الجيل الذي يُعتبر امتداداً لشعراء السبعينات في العالم والذي لا تزال تجربته تطوّر نفسها حتى الآن من دون أن تتعرّض لما يكفي من النقد والمساءلة والتفحّص الجدّي. على أنّ الإيجابي في الأمر هو أنّ المترجم عمد إلى استهلال الترجمات بمقدمة وافية عن تاريخ الشعر المجري الذي ارتبط منذ بداياته بالفولكلور والتراث الشعبي وأغاني الغجر، إضافة إلى التأثيرات الوثنية والمسيحيّة، قبل أن يتفاعل في بداية عصر النهضة مع الآداب الأوروبية الأخرى. وقد انعكس هذا التفاعل من خلال الرياح الرومانسية الوافدة من فرنسا وألمانيا وانكلترا ومن خلال الأوزان والقوافي التي اتجهت نحو المزيد من التنوّع والجرس كما من خلال النزعات الإنسانيّة وروح التحرّر والتغيير. واللافت في هذا السياق هو المصائر المأسوية للكثير من شعراء المجر سواء أولئك الذين عاشوا في القرن التاسع عشر أو في القرن العشرين والتي توزّعت بين الانتحار والمرض والموت في المعتقلات.
اللافت في النصوص التي اختارها المترجم هو بُعدها عن الخطابة والحماسة والشعارات السياسية على رغم أن أصحابها عاشوا سنوات شبابهم تحت قبضة النظام الشمولي الذي كان يرى في النزوع الجمالي للشعر نوعاً من الترف البورجوازي الصرف والتخلّي عن الطبقة العاملة وجماهير الكادحين المحتاجة إلى نوع آخر من الشعر. لذلك لم يجد الشاعر المجري إلمر هورفات من سبيل لحلّ المعضلة سوى الهجرة إلى الولايات المتحدة أوائل الستينات حيث أصدر مجموعاته الشعرية الجدّية مثل «رقبة الساعة الرملية» و «من مفكرة زنجي أبيض». ولم ينل هورفات حقّه من التكريم إلا بعد زوال النظام الشيوعي وعودته إلى بلاده ليحصد الكثير من الجوائز. ومع ذلك، فإنّ المنفى على قسوته هو ما منح الشاعر قدرته الفائقة على رسم عوالم مثخنة بالوحشة والغياب وقلق الكائن من دون مغادرة للغنائية: «سماء مختلفة وأرض / فالريح التي ينفك إسارها في ساحة الدار / يسمع صوتها مرة ثانية / ثم مرّة أخرى من جديد / أعرف انني لن أرجع إلى الوطن ثانية / وأقود ظلّي في كل صبح».
مع الشاعر آلادور لوسلوفي تتلمّس محاولة مغايرة للإفادة من التقطيعات الوزنيّة القصيرة للشعر المجري القديم ومن بعض تقنيات السرد المعاصر التي خَبِرها الشاعر جيداً بحكم كتابته للرواية. كما نتوقف ملياً عند الأبعاد الوجودية والفلسفية لشعر لوسلوفي تطغى عليه فكرة الفراغ والعدم وزوال الأشياء والكائنات. ويبدو أن الشاعر عبَّر على طريقته عن إحساسه بعقم الحياة وانسحاق الأحياء تحت عجلة القمع والتسلّط ومصادرة الحرّية، فراح شعره يبحث عن مدائن أخرى أقل وطأة من مدينته القاسية والصمّاء. وهو ما يبدو في قصيدته «من المستحيل» التي يتحدّث فيها عن استحالة عيش المرء في ظل مدينة واحدة وعائلة واحدة وصنف واحد من الحب أو الطعام، مع ما يعني كل ذلك من إيماءات سياسيّة خفيّة. كما تشيع في قصائد الشاعر فكرة الموت والمقابر والمدافن الجماعيّة، في حين يبدو الفن على أنواعه سبيلاً وحيداً للخلاص.
أما جورج بتري الذي مات قبل الأربعين وتعرّضت قصائده ومقالاته للمصادرة خلال عقد كامل من الزمن فيعلن انّ الحياة التي يعيشها تنزف حتى الجفاف وانّه لا يرى من الزمن سوى رماده، لذلك فهو يذهب في شعره إلى نوع من العبث اللاهي الذي تطلّ من خلفه صورة المأساة، وهو ما يتبدّى في قصيدة من نوع «حديث البصل». لم يعش الشاعر اتستيفان باكا أكثر بكثير من سلفه بتري فمات هو الآخر في منتصف التسعينات تاركاً وراءه عدداً من الدواوين الشعرية والمجموعات القصصية. ويتشاطر باكا من خلال قصائده المترجمة الكثير من الخصائص مع مجايليه الآخرين سوى أنه يعمل بدأب على المواءمة بين الواقعي والأسطوري من جهة وعلى سبر غور المعنى والذهاب به إلى نهاياته من جهة أخرى. كوروي باري يتعرّض بدوره للسجن والتنكيل بسبب شعره المناهض للسلطة. فذلك الشاعر الذي «يسنّ محراثاً من عظام أمّه الميتة» يحاول عبر قصائده أن يحقق المعادلة الصعبة بين وضوح الصورة وحسّيتها وبين الطبقات المتعدّدة للمعنى حيث الشعر مثقل بالكنايات ومستويات التأويل. وفي حين يتقلّب تيبور زالون، أحد أصغر الشعراء سنّاً في المختارات، بين التجريب الطليعي والرومانسية الجديدة، تبدو تجربة مجايله جوزو فيرنتز أقرب إلى التأمّل الفلسفي وإلى الشعر الموضوعي الذي يتّسم بالدقّة والحياديّة مع ميل واضح إلى الاستخدام المفاجئ للنهايات أو ما أطلق عليه العرب تسمية «بيت القصيد».
وعلى رغم التباينات الواضحة في أساليب الشعراء الذين اختارهم علاء عبدالهادي في مختاراته، فإن إحساساً بالخواء الناجم عن تشوّه صورة الوطن أو هشاشتها على الخريطة يوحّدهم جميعاً. وهو ما يمكن أن تلخّصه عبارة اتستيفان باكا: «إنه السكون / المجر كلها نائمة».

الحياة - 06/03/07/