علي حسن الفواز

هاشم شفيقلا يمكن الحديث عن الشاعر هاشم شفيق خارج دائرة الألفة، ولا يمكن قراءة سيرته الشعرية دون مقاربة عوالمه المحتشدة بتفاصيل الذاكرة والمكان.
لعل هذه المكونات الموصولة عبر مغامرة شعرية امتدت منذ خمس وعشرين سنة كانت اشبه بصياغة متأنية لأشياء تحمل في خزينها (الشفروي) روحا دافقة بالصوت والسحر، مفتوحة على تآويل ورؤى لا تضيق فيها العبارة ـ اللوحة وانما تتسع بنوع من التفجر الذي يعيد صياغة نصه المائي الطبيعي وكأنه بهذه اللعبة يصنع طبيعته الخاصة التي تجذب اليها مكونات الخلق وأفعال اللذة.
ان الشاعر هاشم شفيق يميل الى البحث في تفاصيل اللحظة، ليس تعبيرا عن ألفته مع الزمن فحسب، وانما الى تأمل مكنونها الرمزي والصوري باتجاه ملامسة سطوحها الناتئة بخشونة اللون والحصى والرخام والطحالب، والتي تكون ايضا هي المقابل اللذوي ـ الاستعادي لشعريته وحسية جسده الموغل في العالم والطبيعة.
ان الطبيعة في شعرية هاشم شفيق تمثل القيمة الرئيسية للوجود وللرغبة، فهو ينسل اليها رائيا وباحثا وحالما، وربما من خلالها يحاول ان يعيد التوازن الداخلي لذاته المهروسة في (اللامكان ـ المنفى) او انه يصنع لها مكونات واسماء ودلالات وعلاقات وتآلفات تجعله اقرب الى انسنة لغته ومنحها (المزيد من الحميمية والدفق) كما يقول فاضل العزاوي، وهذا ما يجعل الكتابة عند هاشم شفيق اقترابا حسيا من جسد الطبيعة بقصد الخصب او التداول او بما يشبه الاغواء والتودد والمراودة الموحية بهاجس المعنى والجنس او الذوبان..

'بعض الطحالب تلتف
فوق حبال المراسي
وبعض الصخور مزّيتة بالدهان
الحصى لامع
والرخام طري
وانا للموانئ امضي غريبا
وددت احتفار الضياء
وددت تقصي الحقائق
في جوف محارة
وددت النزول الى العمق
كي اشعل النار تحت المياه'

احسب ان هذه النصوص (التآلفية) او الطبيعة المصنوعة بحرفة تصويرية باهرة تمثل خاصية شعرية من الصعب الامساك بها وسط خضم تداعي الصور وكثافة الوجود، اذ ان ما يجعله الشاعر اليفا يكون خاضعا لرؤياه وهي تنسج مخيالها بنوع من التوصيف الذي يشبه تقنية اللوحة الطبيعية. فالصورة لها محمول فضائي يجذب اليه مفردات المكون التداولي في نص هذه اللوحة (الحصى ـ الطحالب ـ الماء ـ المحار) مثلما يجذب اليه هاجس التأويل الذي يحول الطبيعة ـ اللوحة الى جسد يمور بالنداء والاستجابة.

'وددت النزول الى العمق
كي اشعل النار تحت المياه'

ولعل هذا التقابل التوصيفي بين الطبيعة والجسد يشكل دفعا حيويا للفكرة في ان تتحول الى (خبرة) يراد منها اثارة الاسئلة او التدقيق في مكونات العلاقات التي تتوالى في تبادل اطرافها ضمن التوافر على (حرفنة) تشكيل المشهد والذي يجعل منه هاشم شفيق قريبا الى ذاته او داخلا في خفاياه او ربما يمارس ازاءه انشدادا جنسيا يبدأ بالنظر والمراودة والمكاشفة وصولا لتوالي الداخل غير المتناهي

'لجبال صلاح الدين وصلت
وقلت سألمسها بالنظر
وها اني اتصفحها
سفحا سفحا'

ان هذا النص (الاندماجي) لا يعيدنا الى طفولة المكان لكنه يكشف لنا المكون اللذوي لجسد المكان والذي لا يملك ازاءه الشاعر الا انشداده الحسي والعرفاني.. ان اية قراءة لقصائد هاشم شفيق من التي توافرنا على بعضها تحيلنا الى لغته الخاصة في التعاطي مع الجسد والطبيعة والحس، اذ يجد ان براءته فيها هي الخلاص والانسنة او يجد فيها طفولته المشتبكة مع الزمن وهي تأبى تصديق هروبها.. او ربما هي طبيعة عارمة تتسع لشواغل وخبرات لا تتشوه البراءة فيها بقدر ما تضعها في السياق المفتوح على اللانهائي.. اي ان طبيعة هاشم شفيق هي براءة الذات الاولى وهي خبرة الزمن واللغة والتي تكتب في مراثي الامكنة لتعيدها وكأنه يكتب اساطيره الشخصية عن الحياة والموت والاستعادة.. فالمكان هنا يكتسب بتفاصيله الصغيرة وحيواته الدافقة سمة (البطل الميثولوجي) الذي لا يموت رغم كل رحلات عوليس على سطوحه اليابسة.
ان ما نملكه ازاء شعرية هاشم شفيق يحتاج الى قراءات اكثر سعة باتجاه البحث عن المعنى وباتجاه اعادة قراءة نص الذات خارج مكانها الانسي والذي تجعلها ذاتا مهووسة بصناعة الامكنة او صناعة المرايا.. فالشعر وكما هو معلوم كائن مكاني لا يمكن ان تتحول اللغة فيه الى طيور عالقة في السديم الكوني.. لذلك نجد ان الشاعر بدأبه على حيازة المكان يكون اكثر قدرة على ملامسة معانيه الخبيئة وتفاصيله المتسعة وكأنه بهذه الحيازة يبصر جوهر الخلق ذاته وسرية لعبته وسحره وجمالية رؤياه الباسلة الباحثة عن كيمياء الألفة.

2012-05-28