علي حسن الفواز

فرانكشتاين ومرايايوغل الشاعر عباس بيضون في استعادة بعض سوانح سيرته الشخصية، يستعيد منها شفرات شعريته المبكرة، وسرائره التي صنعت ارهاصات قلقه وسؤاله وصوته الشعري الاكثر تحولا ونفورا، اذ قادته تلك الاستعادات/الكشوفات الى معاينة الكثير من اليوميات والمراثي والرغبات والاغترابات العميقة.
تلك التي منح نفسه ازاءها غواية التأمل والاختيار والاستعادة، اذ ظل يراقب عبر شقوقها السرية سيرورة ذاته اللجوجة وهي ترتبك وتتعلم وتصرخ، وترى الحيوات حولها تتشكل تحت هوس ما يراه الشاعر الذي يكتشف غرابة تحوله الكينوني عبر شفرة الصوت الى الكائن اللغوي الذي يكتشف الاشياء والكائنات والهيئات، مثلما يكتشف فداحة بريتها وتوحشها، وهي تجوس طريقها غير العائلي المليء باستيهامات ذاته الصاخبة، بكل اصواتها العالية، وكشوفاتها النافرة واسئلتها المريبة، ووقوفها الاضطراري عند غابة المرايا المسكونة بوجوه لا تشبهه تماما..

في كتاب(مرايا فر انكشتاين)الصادر عن دار الساقي/بيروت، يأخذنا عباس بيضون الى ما يشبه لعبة التعرية والاعتراف، فهو اذ يقف عند يوميات طفولته البعيدة، مستعيدا الكثير من عوالمها الغابرة واوهامها الكبرى، فانه يصطنع لهذه الاستعادة منظورا ليس سيرويا بالمعنى التوثيقي، او الكرنولوجي، بقدر ما يجترح لها ما هو الاقرب الى المنظور السردي الذي تتراكب فيه الوقائع مع الاخيلة، ويحضر فيه الشعر كموجّه او باعث خفي بمعناه الايحائي الذي يختزل ويكثّف ويشطّ، والذي يمنح سرانية ما يكتب توهجا وانزياحا يتماهى فيها الشاعر مع ما كل تحوزه كشوفاته لطفولته وفتوته واضطراباته النفسية/كآباته، والباعثة على سيل اندفاعاته الحادة، تلك التي وجد فيها فتنة التعبير عن شراهته الداخلية للحياة والكشف ورغبته الحميمة في تعرية كل ماحوله، مثلما وجد في ملامحها السائلة المتدفقة ما يشبه سيولة ملامحه الشخصية وتمردها والتي طال فيها وجهه (حتى غدا كالحذاء) و(شعره الذي قسا، حتى غدا البلان)
سيرة الشاعر قد لا تشبه سيرة اخرى، اذ هي مندغمة في تلافيف اللغة اكثر من الوثيقة، فيها الكثير من النفور والصراخ والهروب الشعري باتجاه الاستعارة والمجاز، وكأن الشاعر يسعى الى محاولة لألسنة العالم من حوله، حيث تتحول السيرة اللغوية الى سيرة الكائن الذي يخصه، والذي يتعلم القراءة قبل الدراسة في مدرسة الاب/المعلم الوحيد في المدرسة، مثلما يتحول الى كائن اكثر شراهة، مصاب بالارق، يطارد اشباحه، ليكتشف المزيد من مراثي العالم، ربما هي مراثيه واغتراباته، اذ يجد - توهما- في كل ما يحوطه مثارا دائبا لحساسية غامضة من الصعب ان يتخلص من عدواها واعراضها، فهو لا يستعيد في الامكنة العتيقة-امكنة الطفولة - ولا في لهجته الطفلية، الاّ(ذاته السائلة) التي لا تطيق السكنى والتلذذ المكشوف بماتراه، فهي تنزع الى الافصاح العميق والحاد احيانا عن رفضها واغترابها. واول علامات هذا الرفض هو نزوعها الى استكناه الشراهة الصوتية، بوصفها الكنز الشخصي الاولي للشاعر. وعباس بيضون يجد في كنزه الصوتي فضاءه للمجاهرة بالاختلاف والتحول، اذ يرى في عنوان (صوتي لايشبهني) مثالا لهذا المعطى عبر استعادته لتحولات الفتى الصغير، والتي في جوهرها هي استعادة للقوة الخبيئة التي اخرجته من تابو الصوت الخجول/الصوت العائلي، باتجاه حرية الصوت التعبيري الذي يتضخم ويبحّ، ليكون صوته الشعري الاكثر شراهة في ابتلاع العالم الذي يحوطه، والذي يتحول في فصل اخر الى (صرخة) بكل ما تعنيه هذه الصرخة من مستويات رمزية ودلالية وتعويضية، اذ يعيش اكتئابه واغترابه الداخلي في يوميات مستشفى الامراض النفسية مسكونا بمازوخيا تلك الصرخة التي تضطهده، والتي تتحول الى لعبته الانطولوجية الفارقة بين زمن الطفل، وزمن الشاعر، والتي تتحول الى نسق توليدي تتفجر من خلاله كل الانساق المضمرة التي تكتنزها الذات الشعرية التي بدأت تتشكل( انطلقت صرختي، ومنذ ان ارسلتها لم اجد حاجة الى ارسالها، صارت تتجدد من تلقائها، وكل مرة بصوت اعلى، كنت افرغ نفسي ولا نهاية لما يخرج مني)
في كتاب عباس بيضون السيروي(مرايا فرانكشتاين) نعثر على شاعر او كاتب سيرة لا يثق بالزمن كثيرا، اذ يراقبه بهوس، ويستعيده دون(أرخنة) مباشرة ليومياته، وكأنه مسكون بحدس(الطفل) الذي يهجس مبكرا بالاشياء التي تثير رعبه، فهو يكبر على مواقيتها ويتلصص على سيولتها، ويسخر من اشباحها، ويصرخ بوجهها طويلا، ويعوّض في سياقها نحوله المنزلي (الممروض كما تقول امه) بنحوله الشعري المثير لقارئه.

واحسب ان اللا ثقة بين الشاعر والزمن هي التي قادته لان يستعيد هذه الجذاذات من سيرته، تلك التي تساكنه في استغواراته لاعماق تحولاته الشعرية/الصوتية/المكانية، المحفوفة بالقلق والسرعة واللامعنى احيانا، فهي الاشبه بنص الاعتراف التي يفضح من خلاله سرائر خلاصه من امكنته القديمة، وكأنها فضح لخلاص ذاته، وانعتاقها باتجاه التمهيد لسلسلة ثاوية من الخلاصات (خلاص اللهجة، الصوت، الهيئة، النحول) حتى تبدو هذه الخلاصات بمثابة نوع من التطهير الذي يعيده الى(الجحيم) مرة اخرى، اذ تبدأ رحلة اخرى للشاعر، رحلة البحث في فراديس اللغة عن اصواتها الخبيئة، عن استعاراتها، حيث الجسد الكينوني الذي يفكر في اللغة، وحيث المفكر فيه دائما، وحيث الكتابة بوصفها لعبة ظاهراتية في الخرق وفي كتابة وعيه، والتي يسكنها الشاعر زيّا واستعادة ولذّة، وقد ادرك ذلك بيضون في احد فصول كتابه، اذ اختار مفردات توحي باستنطاق المركب الدلالي لهذا الخرق الذي يقود الشاعر الى جحيمه اليومي، والى كشوفاته التي تقف عند اللا منتهى مثل صرخته الاولى.

رؤية عباس بيضون لفكرة السيرة في كتابه خاضعة الى ما يشبه اللاتجنيس، اذ هي لا تعدو من وجهة نظره، سوى استعادة لملامح غائرة في هذه السيرة والتي تكشف عن وجوده الظاهراتي في السياق والخبرة والمعنى، مثلما يستكنه عبر رؤية تبئيرية ما يعطي للسيرة كشوفات يتجلى فيها وعيه في الوصف والتأويل للكشف عن جوانيات السيرة والنص/الصرخة، اذ تحول هذا الكشف خبرات معاشة، والى سلسلة من الاصطدامات مع العالم والاشياء، تلك التي يتجلى عبر مراحلها الاولى وعيه البسيط/ الوعي الطفلي البعيد عن صخب اللغة وكشوفاتها، تمهيدا لانتقالته الاكثر صخبا الى التماهي مع مراودته للنقائض الشعرية، حيث تكون اللغة هي الجسد والمجسّ والفأس والفانوس، والشفرة الناتئة في صرخته/ غوايته الباعثة على استدراج العالم اليه وليس الذهاب له..وحين يستعير الشاعر بيضون عبر هذه(السردية) قناع فرانكشتاين الذي يخصه، وليس ما يخص الشاعر الرومانتيكي شيللي، فانه يستعير ما يبرر انكشافه على رعبه الشخصي، اذ يتحول هذا الرعب الى هاجس وسؤال والى لعبة في التطهير، اذ يصطنع لهذا الهاجس الكثير من (التعري) والكثير من المرايا، تلك التي تبدو وكأنها مرايا الشاعر ذاته الذي يعيش بتلذذ مازوخي نوازع هذا الرعب الصاخب، المشوه، والذي يجسد له فكرة(اعترافه)بان العالم لم يعد امامه بريئا ، وانه الاقرب الى (الغابة اللغوية الشيطانية) التي تمثل جوهر انوجاده الباعث على تحوله ككائن يعيش الاغتراب الشعري، وعلى التلذذ بصراخه الدائب- سر هذا الاغتراب- وعلى تفسير ماهو غريب في ملامح ألفته الاولى مع العالم الخارج من طفولته كما يرى هيدغر.. فهو اذ يقول (كنت في الواقع فرانكشتاين نفسي ورعبها الخاص) فانه يكشف ايضا عن سيرورة تلك الرؤيا من خلال صناعة الاثر الشعري، هذا الاثر الذي ظل يشبه رعبه النرجسي كثيرا.

عباس بيضون الكائن الشعري لا ينفصل عن كائناته الاخرى التي تهجس بقلقه الوجودي، فجذاذات هذه السيرة لاتسهو عن كائنه الاخر، الكائن المتسائل في الفكر والسياسة والالتزام والعبث واللا انتماء، فهو اذن كائناته تلك، تلتحم مع بعضها البعض لكي تلامس غابة القلق التي تسكنه، اذ تبدو لعبة التحول التي عاشها بيضون تعبيرا عن فوبيا ان يكون يقينيا، وهي تحمل بهذه العلّة نزوعه نحو(شعرنة) التحول واللا ثقة واللا نهائي، اذ تنداح الصور دونما جرح عميق، حيث صورة المثقف الملتزم (الوجودي والشيوعي والتروتسكوي) وحيث صورة المثقف اللا منتمي والمثقف الكافكوي والمثقف الرومانسي، والمثقف المسكون بمراثي الحرب الاهلية..
كل هذه الصور تتشكل في سيرة غائمة، يسعى من خلالها الشاعر عباس بيضون ليكتب شهادته عن العالم الذي رآه، والعالم الذي اوهمه، والعالم الذي القى به كائنا لغويا باحثا عن اطمئنانات ولو مغشوشة..

القدس العربي
2011-09-06


إقرأ أيضاً:-