مازن معروف
(لبنان)

وائل عبدالفتاحيعمل الشاعر المصري وائل عبد الفتاح على قصيدته كمن يعمل على التقاط لحظة انفعاله بالأشياء، المرأة أو الحب. هذا المثلث الذي يتحرك فيه عبد الفتاح ينتفخ كل رأس من رؤوسه، مشكّلاً في أحيان كثيرة حيزاً مستقلاً أو اكثر جهوزية لاستقبال مساءلات الشاعر. الشيء في قصيدته لا يمكن أن يأتي متجردا من ملكية ما أو دلالة "اجتماعية"، ما يوحي بأنه شيء ينوضع دائما في مكانه لغاية وظيفية. فهو إما مكان كلي، احتفائي، احتضاني، جغرافي، سكني، جدران، مقاعد، متحف عتيق، وسط البلد، جسر، صحراء...، وإما مجرد شيء تفصيلي يشير إلى دلالة مباشرة، من مثل كأس خمرة، طقطقة نقود، قهوة أميركية، دواء، كريم، سجائر، مستحضرات ...الخ. وبين هاتين المجموعتين، يرسي عبد الفتاح ركائز قصيدته، مخلاًّ عن قصد في التوازن بينهما لصالح المجموعة الثانية، بما يتفق ومناخ قصيدته "المقارب" بين رجل اربعيني وامرأة مراهقة، بين ذكر متأمل، قريب، ذاتي، وامرأة "منفلشة"، بعيدة، متملصة، مشوشة الكينونة. يبدو من خلال كتاباته شاعراً رهنا بالانتظار مجهزاً العدة لاختزال هذا الجزء من محيطه، وإقصاء ذلك الجزء بمقتضى حاجته لاتساع رؤيته وبوحه بتفاصيل "الفعل" بينه وبين شريكة قصيدته ويومياته. لهذا، فإن لعبة الشعر في كتابه "غرام" الصادر عن "دار النهضة"، هي لعبة جذب وشد وخيبة ومفاجأة من جهة، وربح وخسارة ونأي وطرد من جهة أخرى.

يمكن القول ان عبد الفتاح شاعر يقامر بعبارته، وذلك لسببين: الاول اختلاط الشعري عنده بالسردي والنثري، تالياً إمرار مفردته الشعرية في قنوات حكواتية قد تفقد القصيدة شيئا من كيانها، والثاني أن الشاعر يركز من خلال كتاباته على المرأة بوصفها حاضرا مباشرا في القصيدة على رغم غيابها الذي نتلمسه. اي أنها مرأة غائبة في صيغة الحاضر، ما يضع للشعر عنده مهمة النهل من اشكالية العلاقة معها، لترتدّ الكتابة إلى شكل من أشكل التعبير الحر، نيئة، متجاوزة هاجس مفاضلة الشعر على أجناس أخرى.

لذلك تتسم كتاباته بفطرية وتلقائية تتلاقيان وسلوك أشخاص الحارات الشعبية، البسيط، والهائم في حدث ما، والمتأهب لسبر أغوار "الحالة" الرومنطيقية التي يمر بها. السر في شعره يكمن في الاحتمالات التي يقدمها هذا الشاعر الحداثوي للكتابة الجديدة. فهو منفلت من بورجوازية الشعر أولا، والاصطناع والتركيب المرهق للاستعارات، إذ يعيش في جوار إنسانه المتأهب لامتصاص اسباب توتره، ومن ثم عكسها في جملة شعرية من دون مغالاة او استفاضة: "تحيّرني خطوتك/ تحبّين الاستعراضي/ تتمرغين في حكاياته عن نفسه/ وتشتاقين لصعوده على أكتاف وهمية/ قلبكِ يدقّ مع أبيات حفظها من كتاب الغرام/ وريشته الحمراء مغروسة في رأسك/ حياتك معه فيلم بوليسي/ أحجز تذكرة في المقاعد الأولى/ لأتفرج على تمرغك في قطيفته/ أعرف أنها رخيصة مثل الريشة/ لكنها تبهرك، وتبهرني أنا أحيانا".

الحب يشكل قاعدة العمل الشعري، تحوطه إشارات عن تحول وشيك، على المستويين النفسي والاجتماعي، فالسياسي نوعا ما، وحتى الجمالي. يظل مشوبا بالقلق، غير نظيف، أبعد ما يكون عن المثالية، لأنه حب واقعي، مختلط بعوامل حياتية، تخترقه، يعمل وائل عبد الفتاح على إضاءتها، وتشريحها، بعد شحن نفسه بكمّ من المعوقات لبعث الغليان الذي يؤهله للكتابة. إشكالية القصيدة، أنها كتابة تتأرجح بين عالمين، واحد صامت وآخر ضاجّ، واحد كثيف وآخر مختصر، واحد جدلي وآخر خانع، مسلّم أمره. وإذا كان أحد تعريفات النثر كتابة العقلاني والنأي عن المجازات الشعرية، فإن وائل عبد الفتاح يخلط في مجموعته "الغرام"، المجاز الشعري، بالتأمل العقلاني للقيم والمشاهدات العينية للمدينة ووسطها، ليسقطها بصورة غير مباشرة في قالب بوحه الشعري وما استفزه للكتابة، من دون أن يرهق النص بتأليفات سوريالية. إذ إن اللحظة الزمنية هي أرضه الأخيرة. اغتنامها حياتيا وابقاؤها في كنف هذه الحياة المعيشة غير السوريالية، هو ما يحفظ أنفاس قصيدته، وصدقيتها على الأقل مع نفسه. تعكس القصيدة حواراً خافتا، مرسوماً باقتضاب. المخيلة الشعرية تتقصد نقل العالم خارج مقوماته البيولوجية، وتحويله حيزاص خالياً بحكم ضرورة العيش فقط والحاجة إلى تأمل الحب. فعبد الفتاح يفرغ محيطه من إشاراته، ليبقيه في القصيدة بوصفه محيطا ناجزا، متجمدا، مكانا فارغا إلا من تصاوير قليلة يحتاجها، ويتنقل منها وإليها في وثبات سريعة بعد أن يكون قد أُنهك في مزاج حبه الزائل وحبيبته المصرة على البقاء كعلامة استفهام.

النهار
25-9-2010