الذي يسميه "جد العالم

سميرة عوض
(الأردن)

جريس سماوياستعاد الشاعر جريس سماوي ثلة من القصائد المحملة بالدفء والحنين في أمسية منفردة هي الأولى للشاعر منذ تولى موقع أمين عام وزارة الثقافة الأردنية في آذار/مارس 2006.

وجاءت قصائد سماوي منحازة للبيئة العمانية والإنسان البسيط في حراكه اليومي على ضفاف نهر الأردن ووادي رم والبحر الميت وأم قيس، وذلك في احتفالية شعرية موسيقية نظمتها جمعية سكان جبل عمان بالتعاون مع الدائرة الثقافية في أمانة عمان، قدم فيها الشاعر زياد العناني إضاءة نقدية حول تجربة سماوي، وأدارها المدير التنفيذي للثقافة سامر خير.

وفي تصريح خاص لـ "القدس العربي" قال الشاعر سماوي: "أنا بطبعي لا أميل إلى الأمسيات الشعرية المنفردة، وأجدني أكثر ميلا للمشاركة في القراءات الشعرية الجماعية، وان كنت أفضل أن يظل القارئ وحيدا مع النص أو القصيدة أو الكتاب، خصوصا وان الالتقاء مع الجمهور يتطلب مناخا نفسيا معينا مشوبا بالسكينة والسلام الداخلي والاستعداد الذهني والحاجة النفسية لدي".

وزاد سماوي: "في الأمسية الأخيرة توفرت لدي الحاجة والاستعداد، فالمكان نفسه شارع الرينبو في جبل عمان- يتيح هذا المناخ خصوصا بمصاحبة الموسيقى، وحضور الجمهور النوعي، وهذا هو الجمهور الذي أحب أن يسمعني".

وردا على سؤال للقدس حول جديده الشعري في ظل مشاغله الكثيرة في وزارة الثقافة، قال: "القراءة والكتابة بالنسبة لي أساسيات لا بد أن أجد الوقت لهما، لكنني اعترف بان الكتابة قليلة لدي في هذه الفترة".

واستدرك سماوي: "هناك ديوان شعري على الطريق لم أختر عنوانه بعد، فضلا عن كتاب نقدي وهو رسالة دكتوراة للباحثة الأردنية د.رحاب الخطيب، وكتاب آخر للباحثة التونسية هيام الفرفيشي وهو عبارة عن سلسلة مقابلات نقدية أجرتها معي".

وكان سماوي قرأ جملة قصائد من ديوانه "زلة أخرى للحكمة" استعاد فيها ذاكرة الجدات وخضرة الأشجار وبهاء الصحراء وأنغام الربابة، كما في قصيدة "ماشا وأغنية الغجري" وقصيدة "كلام" ومجموعة من القصائد التي امتزجت بموسيقى الفنان فراس حتر التي تناغمت وامتزجت مع القصائد بصوفية عالية، أضافت لسحر المكان عبقا خاصا، برفقة آلة الكمان لتشكل الاحتفالية رؤية شعرية موسيقية حملت عبق الأسلاف وبوح جرار مائهم ورائحة زمانهم ومكانهم.

وكان سماوي استهل أمسيته بإعلان عشقه للمكان قائلا: "إنني مفتون بالمكان، وتحديدا المكان الأردني. ذلك المكان المولود من رحم الحضور الطاغي بلاد الشام في التاريخ القديم، وأكثر فتنتي هو نهر الأردن الذي اسميه جد العالم. وحين أتحدث إلى المكان يدلني إلى ذاتي، وحين الجأ إليه إذ يشتد العصف اطمئن إلى ذاكرة الجدات، وأثق بأن انحناءة الأشجار إنما هي حالة عابرة وستنهض بأغصانها روح النهر وضمير الصحراء".

كما تغنى الشاعر سماوي بمدينته عمّان وناجاها في قصيدة أهداها لها "كالياسمينة.. ترتقي درجا عتيقا.. تلتف حول حجارة السور الحميمة، الياسمينة، عمان ترفع عطرها كالغيم.. فوق بيوتها.. وتلتف أحلام البنين بثوبها الوردي.. عمان.. يا بلد السلام.. يا نخلة الزمن البعيد.. يا كرمة الأسلاف.. يا عنبا يضيء الأرض.. يا برج الحمام".

وفي قصيدة أخرى قال سماوي: "حافيا كأمير الفجر.. حافيا كالقمر.. حافيا مثل عشب الضفاف الذي لوثته خطايا البشر.. حافيا كالمطر".

كما استعاد سماوي رائحة كروم العنب والزيتون وروح الفلاح الأردني راسما صورة شعرية غنية بالتفاصيل التي شكلت مرجعية الشاعر المكونة التي تدمج بين التراث والحداثة وتوظيفها الشعر.

الأمسية التي طاف بها الشاعر سماوي بجمهوره على أجنحة قصيدته المنتمية إلى مناخ المكان الشامي بفضاءاته الرعوية والزراعية والمدينية حمل فيها جمهور جمعية سكان جبل عمان القديم بحضور نائب المدينة للشؤون الثقافية في أمانة عمان الكبرى المهندس هيثم جوينات، والمدير التنفيذي لمديرية الثقافة في الأمانة سامر خير احمد الذي ثمن الشراكة بين الأمانة والجمعية التي أسهمت في إثراء حيوية المكان بالعديد من الفعاليات الثقافية والفنية المتنوعة معربا عن أمله في تعزيز الفعاليات في الفترة المقبلة بعروض مسرحية وسينمائية في فضاء سوق جارا الرحب.

من جهته بين رئيس جمعية جبل عمان زيد القسوس أن سلسلة من النشاطات تعد لها الجمعية بالتعاون مع المؤسسات في جبل عمان لإقامة المزيد من الفعاليات الإبداعية، متطلعا لإصدار توثيقي مصور للأمكنة والشخصيات التي عاشت في منطقة جبل عمان القديم، كما أقترح القسوس إقامة "مطلات" في جبال عمان السبعة داعيا إلى تكرار تجربة "سوق جارا" والجمعية التي تأسست قبل خمس سنوات.

وكان الشاعر زياد العناني قدم إضاءة نقدية بين فيها أن قصيدة سماوي تحمل جملة من الموروثات التي يتكون منها صوت بلاد الشام بطياته الرعوية والزراعية والمدينية أيضا.

وقال العناني "إن من يقرأ قصيدة سماوي سيشم ويرى أيضا هذه البيئة بقمحها ونبيذها ويطل على توترها الوجودي وقوة حضوره الحضاري أيضا".

ولفت العناني إلى "الخصائص التي تتمتع بها قصيدة سماوي رائيا انها: "قصيدة ذات نسغٍ عربيٍّ عروبي لم يغرقْ في المدحِ أو التهليل ولم يلجأ الى فزعة المناسبة".

وبين العناني "أن سماوي صاغ قصيدة تتمتع بقوة المعنى الجليل لما تحمله من وجدان جمعي لمنطقة بلاد الشام بكل أطيافها، خصوصا بعد غياب هذا الوجدان بحكم الاستعمار والنزعة القطرية التي مزقت المنطقة ليضع بيننا قصيدة مسكونة بعبق الأسلاف لأنها استغرقت كثيرا في جغرفة المكان الكلي، وأنتجت قيمة جمالية لا تضمحل ولا تغيب عن المشهد الشعري".

وأشار العناني إلى "تفنن سماوي في تقنية السرد داخل القصيدة وكيف تخطى هذه التقنية في بعض القصائد إلى مسرحة الشعر في بناء هندسي تتفاعل فيه الموسيقى مع الرؤية البصرية مع النطق الأخاذ في لوحة واحدة تحفر وجودها في الذهن وفي الصخر.

وخلص العناني بالإشارة إلى "تمكن سماوي من الربط ما بين البعد المادي والبعد الصوفي خصوصا في الجانب الذي يخص المرأة التي يحتفي بها عاليا ويراها مقدسة وتسكن في كل مكان من أبعاد قصيدته الجمالية".

عن سيرة الشاعر ومسيرته
ولد جريس حنا سماوي في عمان- الأردن، وهاجر في مرحلة مبكرة من حياته إلى الولايات المتحدة الأمريكية ثم عاد بعد أثني عشر عاما ليستقر في بلدته الفحيص.

درس الأدب الإنجليزي والفلسفة وفن الاتصالات الإعلامي في الولايات المتحدة الأمريكية والأردن، إضافة إلى دورات ومواد في الموسيقى والفن التشكيلي وفنون أخرى.

نشر في العديد من الصحف والمجلات الأردنية والعربية. ترجمت بعض قصائده إلى اللغات والإيطالية الفرنسية والإنكليزية. شارك في العديد من المهرجانات والمناسبات الشعرية والأدبية في الأردن والعالم العربي والخارج. شغل عضوية لجان ثقافية وفنية على مستوى الوطن.

وهو إلى ذلك عضو رابطة الكتاب الأردنيين واتحاد الكتاب العرب وعدد آخر من الهيئات والجمعيات التطوعية والإنسانية والفنية والموسيقية. وقد كان عضواً في اللجنة العربية الأمريكية لمناهضة العنصرية في أمريكا وكذلك المجلس العربي الأمريكي في نيويورك أثناء إقامته في الولايات المتحدة.

عمل في مجال الترجمة والصحافة المكتوبة، وقد ترجم ونشر في الصحف قصائد لشعراء أمريكيين من أصول عربية سماهم (مهجرون جدد) وجمع بعض نتائجهم تمهيداً لنشرها في كتاب.

عمل في التلفزيون الأردني في البرامج الثقافية، وأعد وقدم عدداً من البرامج على القناتين العربية والإنكليزية. كما أعد وقدم بعض البرامج الإذاعية والتلفزيونية لبعض محطات الإذاعة والتلفزة. شغل مدير عام مهرجان جرش للثقافة والفنون، وهو يشغل الآن منصب الأمين العام لوزارة الثقافة.

صدر له "زلة أخرى للحكمة" ديوان شعر، في طبعتين الأولى عن المؤسسة العربية، بيروت، 2004 والثانية في القاهرة عن المكتب المصري للمطبوعات في نفس العام.

القدس العربي
17/11/2009

***

"ماشا وأغنية الغجري"

جريس سماوي
(الأردن)

سأتبع ماشا إلى آخر الأرض
أرقب مشيتها
وهي تمضي إلى البحر،
أعزف لحني البدائي في خفّة
خلفها
وأداري به وحشتي وضياعي
سأشعل قلبي
لكي أتهجّى خُطاها
وأهجر من اجلها
متعتي ومتاعي
أنا سارق الخيل ليلا
وسائسها،
ومدّجنها في المراعي
بقيثارتي سوف أسحر كل
الثعابين
أرقص مثل عريس من الجن
منتشيا
وأغنّي لـ"ماشا" الجميلة
وهي تسير الى البحر
حيث الهواء كسول
وحيث المدى قاربي وشراعي
هناك..

أقيم خباءً شفيفاً
وأنسجه من حرير القمر،
وأهدي لـ"ماشا" الأميرة
ياقوتةً وجوادا
وأمضي بها في المساء إلى خيمتي
خيمتي من هواء
وبيتي غبار السفر،
هناك أبيت
بلا مسكن أو سرير
فلا ينبغي لأمير الغجر،
وفارس تجوالهم
أن ينام، ولو ليلة،
تحت سقف من الطين
أو تحت ظل الحجر،
لان الذي أوجد
الغجري المغامر، في البدء،
أوصاه
أن لا يقيم بيوتاً
لأن الفضاء له مسكن
ولأن العراء له مِذود
وكفن
هناك.. سأفرش أحلام روحي
العصية كالنار
أرمي لـ"ماشا" عباءة روحي
لكي تستريح
هناك أعلق نجم السماء البعيد
لها حارساً
كي تنام،
وأوقف بين يديها الندى خادماً
والضياء على بابها تابعا كالمرّيد
وأربط ظبي المسرّات
من قرنه العاج
كي لا يشيح
هناك.. هناك
أمسّدُ سودَ جدائلها بيدي
وتغفو على كتفي
حين أرمي عباءة قلبي
لكي تستريح
خذيني إلى البحر "ماشا"
خذيني إلى ملكوت الطواف
الذي ليس يفضي إلى غايةٍ
واصنعي لي حساءً لنأكل
طاردت بالأمس ديكا وأرنبتين
وأحضرتها وأنا في طريق القُرى
وغافلت بائع خمر بمنعطف السوق
ثم سلبته قارورة من نبيذ
وخبأتها في قميصي
سأحتطب الآن
ثم أهيّئ نارا
أعدّي لنا الديك "ماشا"
أعدّيه ثم اصنعيه حساءً
لنأكل، نشرب،
ثم ننام معا
ننام بلا مسكن أو سرير
فلا ينبغي لشتيتين
أن يقطنا منزلا أو سكن
لأن الذي أوجد
الغجري المغامر، في البدء،
أوصاه
أن لا يقيم بيوتاً
فكل البلاد وطن".