الأعمال الشعرية سليم بركاتعن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، صدر الكتاب الشعري الضخم (حوالى ستمائة صفحة، من القطع الوسط)، للشاعر سليم بركات؛ بعنوان الأعمال الشعرية، وقد احتوى الكتاب على كل أعمال سليم بركات الشعرية، المطبوعة، وهي حسب التسلسل الزمني:

  1. كل داخل سيهتف لأجلي، وكل خارج أيضاَ
  2. هكذا أبعثر موسيسانا
  3. للغبار، لشمدين، لأدوار الفريسة وأدوار الممالك
  4. الجمهرات
  5. الكراكي
  6. بالشِّباك ذاتها؛ بالثعالب التي تقود الريح
  7. البازيار
  8. طيش الياقوت
  9. المجابهات؛ المواثيق الأجران؛ التصاريف، وغيرها
  10. المثاقيل
  11. المعجم

الكتاب، هو تتويج طباعي شامل للتجربة الشعرية الفذة لهذا الشاعر. وجاء بمقدمة ضافية شاملة عميقة (35 صفحة)، بتوقيع الناقد صبحي حديدي، وعلى الغلاف الأخير، كلمة بتوقيع الشاعر محمود درويش. وبورتريت الغلاف بتوقيع عمر حمدي ـ مالفا، والذي جاء تعريفه في الكتاب: فنان نمساوي، من أصل كردي.
من الجدير بالذكر، ثمت كتاب شعري جديد لـ سليم بركات، تحت عنوان: "شعب الثالثة فجراً من الخميس الثالث"، وسيصدر قريباً عن الدار نفسها.
وهذا الكتاب الشعري الجامع، هو الثالث لسليم بركات، بعد المجموعات الخمس، والديوان.
نقدم، هنا المقطع الأول من الدراسة ـ المقدمة، والمقطع الأخير؛ مع كلمة الغلاف الأخير.

محمود درويش
كلمة الغلاف الأخير

منذ غزا سليم بركات المشهد الشعري العربي في أوائل السبعينات، بشّرنا بشعر جديد مختلف. لم يشبه أحداً، وسرعان ما صار هذا الفتى الكردي الخجول أباً شعرياً لأكثر من شاعر عربي فتنتهم صُوَره الغريبة، ولغته الطازجة، وإيقاعه الشلاّل.
ليست اللغة وسيلة للتعبير. إنها الوسيلة والغاية. يسوسها كما يسوس قطيعاً من ذئاب مروّضة، إلى مجهول في متناول الموهبة، وتسوسه إلى البحث الفاتن عن معنى مستتر وراء اللامعنى، أو عن عبث اللامعنى في المعنى.
لكنّ الشعر يتدفق دائماً هناك: في ما يفعل باللغة وفي اللغة، وفي الجماع بين الحسّي والذهني، وفي إفلات خياله الجامح من المألوف والمتوقع إلى المفاجىء المدهش!.

صبحي حديدي

سليم بركات: فتنة المعجم وإسار الدلالة
(مقطعان من المقدمة)

I

القامشلي مدينة صغيرة تقع في أقصى الشمال الشرقي من سورية، تأسّست في عشرينيات هذا القرن لكي تكون محطة زراعية تخدم مواسم زراعة وحصاد القمح والشعير وبعض القطن، وسرعان ما أصبحت أبرز مدن وبلدات منطقة «الجزيرة»، التي سُمّيت هكذا بسبب وقوع سهولها المنبسطة الخصبة بين نهرَي الفرات ودجلة. والموقع الجغرافي لهذه المنطقة يفسّر تنوّعها الإنساني والثقافي واللغوي والإثني: من الشمال تحدّها جبال طوروس، ومن الشرق العراق وكردستان الشمال، ومن الجنوب بادية الشام وتدمر. وبالمعنى السوسيولوجي والاقتصادي كان ارتباط حياة البشر بدورة المواسم الزراعية قد جعل منطقة «الجزيرة»، وبالتالي مدينة القامشلي بوجه خاصّ، تنفرد عن بقية المناطق السورية في أنّ معظم سكانها من الوافدين الذين قَدِموا من مناطق الداخل السوري (دمشق وحلب) بحثاً عن العمل الموسمي ثم استقرّوا، أو من المهاجرين الذين توافدوا من تركيا والعراق وأرمينيا هرباً من الإضطهاد العرقي أو السياسي.

ذلك جعل القامشلي موطناً لأقوام من الأكراد واليزيديين والأرمن والسريان والآشوريين والبدو الرحّل والعشائر المستوطنة الإقطاعية، الأمر الذي استدعى تعدّدية أخرى على صعيد اللغات والأديان والمذاهب والتراثات والأساطير. وهذا الموقع الفريد لمنطقة «الجزيرة» يذكّر، على نحو مدهش، بالأبيات التالية من الشاعر اليوناني كوستيس بالاماس:

ذلك المثمّن القائم على هندسة مربّعة،
والذي قطنه محاربون قدماء
كان يتحكّم بالسهول، مثل ذروة مجلّلة بمشيب ثلجي معمّر
من بابل إلى سورية، ومن جبال طوروس إلى لبنان،
من قلاع طرسوس إلى خلافات بغداد. (1)

في القامشلي ولد سليم بركات سنة 1951، وفيها ترعرع ودرس وحصل على الشهادة الثانوية وانتسب إلى جامعة دمشق ـ قسم اللغة العربية وآدابها في العام 1970، ثم استقرّ نهائياً في العاصمة السورية بعد انتقال أفراد أسرته إليها. وفي عام 1971، وهنا أعتمد على الذاكرة الشخصية وحدها، نشر بركات أولى قصائده في مجلة «الطليعة»، الأسبوعية السورية التي كانت تضمّ قسماً ثقافياً دسماً وحداثياً، استقطب الأسماء الشابّة بصفة خاصّة. آنذاك، كان المشهد الشعري السوري يضمّ أمثال علي الجندي وممدوح عدوان وعلي كنعان ومحمود السيّد ومحمد عمران في صفوف الشعراء الأكبر سنّاً وتجربة ونتاجاً، «المكرّسين» لهذا السبب الجمالي أو ذاك السياسي؛ وكان يضمّ أمثال نزيه أبو عفش وعادل محمود وبندر عبد الحميد وابراهيم الجرادي ومحمد مصطفى درويش ومحمد منذر المصري في صفوف الشعراء الأصغر سنّاً وتجربة، والأقلّ اندماجاً في المؤسسة.

في خلفية هذا المشهد الأجيالي، إذا صحّ القول، كانت أشكال كتابة الشعر تخضع لضغوطات جمالية (صامتة، بمعنى ما) من المعلّم الكبير محمد الماغوط، الذي أصدر مجموعته الشعرية الثالثة «الفرح ليس مهنتي» ثم انزوى في عمل وظيفي محض هو رئاسة تحرير مجلة مغمورة اسمها «الشرطة»؛ وتخضع، كذلك، لضغوطات أخرى غير صامتة مارستها قصائد شعراء قصيدة النثر السورية، من أمثال سليمان عوّاد، سنية صالح، حامد بدرخان، واسماعيل عامود. كان شكل التفعيلة هو السيّد بصفة إجمالية، ولكنّ التعايش مع أشكال الكتابة الشعرية الأخرى (وقصيدة النثر بصفة خاصّة) كان سيّد اللعبة في الآن ذاته، بدليل الترحيب الواضح بنشر نصوص الشعراء الشباب في منابر رسمية مثل مجلة «الطليعة» وملحق «الثورة» الأدبي، وشهرية «الموقف الأدبي» الصادرة عن اتحاد الكتّاب. آنذاك، أيضاً، اخترق بركات هذا السطح الراكد، الرتيب، المتوافق على تعايش سلمي بين الأجيال والأشكال والموضوعات.

وإذا لم تخنّي الذاكرة، هنا أيضاً، كانت قصيدة «نقابة الأنساب» هي الكتلة الثقيلة التي سقطت بغتة على السطح الراكد وأحدثت ارتجاجاً عنيفاً كان من المحتّم أن يصغي إليه الجميع:

«هذا وجهي العصريُ»
أنا آتٍ
فليرقُبْ كلّ مليكٍ شحّاذ في أرض الردّة من أين تجيء الطعناتْ.
عبر تخوم الغربة في أجفان صبايا الله وعبر الساقيةِ
أختصرُ الزمن الخائف في عين النسوةِ، أزجي الزمن القرشيّ إليها
لا الدمع ونزف الفقراء ينيخ الرّحلَ، طوافي
خلف قوافل زغب.. فليرقُب
كلّ مليكٍ شحّاذ في أرض الردّة من أين تجيء الطعناتْ.
«هذا وجهي العصري»
بلا نعلٍ أرحلُ نحو بلاد الفرس وأمصار الروم وأرفع وجهي للظلمات أسائلها
وأسائل رجليّ الداميتين عن الأرض العمياء وهمس خفافيش سمائي
وبكلّ مثولي بين يد الغربة أصرخُ:
تصهل أفراس الحرب على أبواب الكعبة يا أهل الشام ووحدي
أبسط للملتجئين إلى ظلّ الأحجار السوداء ردائي
أتقطّع حين ينوس الموت على وجه الحُجّاج،
وبين الصدر المُشرَع للطعنة والرمح الظامي أتخثّرُ،
أزحمُ ملكوتَ الرهبة صَدْعاً يفصل عرباتِ الزمن اللاهث قُدّامي وورائي
أتصاعدُ في أنفاس الكعبة جمراً تتنفسه الصحراء فتحبو
حاملةً هزج قبائلها نحو قوافي الحرب؛ أزنّرُ نَسَبَ الراجل بالفارس، والهارب بالثابت في الحومة حتى يرخي النخلُ النادب جنحَ الدمع عليّ..
أبايع في حمحمة الأرماح لوائي
أضرب شرقاً، غرباً، ضرب اليائس.. يسقط وجهي الأوّلْ
أضرب.. يسقط وجهي الثاني
أتراجع بالحُجّاج إلى عرفاتَ غباراً يتكسر تحت حوافر ريح الوهن القاصمْ
ثمّ نموت لنحلمْ
ثم نقوم لنحلمْ
ثم نفصّد أوردةً كي نلمح في الدمّ مجيء الأشجار مع اليوم التالي عاقدةً
فرحَ الأنهار على الهامات عمائمْ. (2)

كان الجديد واضحاً وطاغياً وآسراً، وكان صارخاً أيضاً: في هذه الفصحى الحارّة النزقة المُصَفّاة، التي لا ترجّع أصداء البيان العربي التقليدي ولا المجاز البلاغي المعتاد؛ وفي البُنية الإيقاعية المتسارعة وفق تخطيطات تفعيلية متقطّعة ومتّصلة في آن؛ وفي المرجعية التاريخية والتراثية الشفيفة بقدر امتزاجها الكثيف؛ وفي التصاعد الدرامي لضمير المتكلّم المفرد، الأشبه بـ «أنا» جمعية لا تكشف عن تعدديتها إلا في الخاتمة المفاجئة؛ وفي التقسيم البارع للسطور الشعرية، والتغييب الذكيّ للقافية، والهندسة السلسة للعلاقات التركيبية بين الجملة الإسمية والجملة الفعلية.

كان بركات في العشرين من عمره حين كتب هذه القصيدة، وكان الحضور الإنساني لهذا الفتى الكردي القادم من أقصى الشمال الشرقي (بجسده النحيل، وقسمات وجهه الطفولي، والدهشة الذاهلة التي لا تفارق محيّاه، والبراءة الطافحة التي لم تكن تطمس بريق الذكاء والتوقّد)، قد بدأ يمارس فتنة غير مألوفة في الأوساط الأدبية السورية مطلع السبعينيات، سرعان ما انقلبت إلى افتتان بالقصائد اللاحقة التي سينشرها بركات في الدوريات السورية: «مبعوث الفراشات»، «قنصل الأطفال»، «المطالبة بجسد فراشة غريبة»... ولن يطول الزمن حتى تضيق العاصمة السورية بقلق هذا الـ «رامبو» الكردي المتمرّد الفاتن، فيغادر إلى بيروت باحثاً عن الحرّية الشخصية أوّلاً، والهامش الأوسع الذي سيتيح له نشر قصائده ذات الموضوع الكردي الصريح: «دينوكا بريفا، تعالي إلى طعنة هادئة»، «الكواكب المهرولة صوب الجبل»، «أنا الخليفة لا حاشية لي»، وهي القصائد التي ستشكّل العماد الأهمّ في مجموعته الشعرية الأولى ذات العنوان الطويل وغير المألوف: «كلّ داخل سيهتف لأجلي وكلّ خارج أيضاً» (1973).

وكما أحدثت قصيدة «نقابة الأنساب» صدمة بهيجة في دمشق، كذلك أحدث نشر قصيدة «دينوكا بريفا...» صدمة مماثلة، أكثر تعقيداً ودلالة في الواقع، حين نُشرت للمرّة الأولى في مجلة «مواقف» سنة 1972. كانت القصيدة تطرح اسم سليم بركات بقوّة، وتخترق موانع الكتابة الشعرية العربية في قلب بيروت، عاصمة الحداثات العربية، وتكرّس الشاعر ناطقاً بليغاً (بفصحى جبّارة غير مألوفة!) باسم الموضوع الكردي، في التاريخ والجغرافيا والحكاية والأسطورة. آنذاك، لم يخفَ على أحد، وفي طليعتهم أدونيس رئيس تحرير «مواقف» الذي سارع إلى احتضان القصيدة مثل مجموعة بركات الأولى، أنّ هذا الصوت ليس جديداً فحسب، بل هو مباغـت وانشقاقي واختراقي.

وكانـت القصيدة قد أحكمت شـدّ الروابط بين الحكاية والفانتازيا؛ بين الوقائع المادّية ومحفوراتها السرّية في باطن الوعي؛ بين التجسيدات البدئية لما يجرى على سطح المحاكاة الطبيعية، والتصوير البصري التشكيلي الآسر؛ بين المكان بوصفه أكثر من مجرّد كيان جغرافي معرّف أو قابل للتعريف، وبين المكان ذاته بوصفه موقع التنقيب عن الإستعارة المفتوحة، عن الهاوية التي تتقلّب فيها حكايات البشر (من الكرد والبداة والآشوريين والشركس...)، وحكايات الحيوان (الذئاب والنعاج والكلاب السلوقية وبنات آوى...)، وحكايات الطير (الكركي، الزرزور، الحجل...)، وحكايات النبات (السرخس، الخزامى، العنّاب...)، هذه التي تأتلف مراراً لتشكّل حكاية واحدة حاشدة لأسطورة تنفجر بعنف، في اللغة وخارجها، وفي الصورة وأعلى منها، وفي الإيقاع المنتظم والإيقاع المتفتّت.

وهذه القصيدة تسجّل، أيضاً، أوّل أمثلة استخدام سليم بركات للنثر في قصيدة تواصل الإعتماد على التفعيلة، وإنْ كانت تلجأ أيضاً إلى «تذويب» السطر الشعري المستقلّ عن طريق إدخاله في مقاطع تدويرية طويلة. ولعلّ بين أفضل ما أنتجته الكتابة الشعرية العربية المعاصرة التي تعتمد النثر، ذلك الإستهلال الأخّاذ الذي يفتتح القصيدة:

عندما تنحدر قطعان الذئاب من الشمال وهي تجرّ مؤخراتها فوق الثلج وتعوي فتشتعل الحظائر المقفلة، وحناجر الكلاب، أسمع حشرجة دينوكا.
في حقول البطيخ الأحمر، المحيطة بالقرية، كانت السماء تتناثر كاشفة عن فراغ مسقوف بخيوط العناكب وقبعات الدرك، حيث تخرج دينوكا عارية تسوق قطيعاً من بنات آوى إلى جهة أخرى خالية من الشظايا.

***

يعلّمنا تاريخ الإنجازات الإبداعية الفردية درساً كبيراً مفاده أنّ أعمال الأدب الإستثنائية قامت بواحد من إنجازَين: إمّا أنها أسّست أسلوبية جديدة، أو تسبّبت في مُحاق أسلوبية قديمة، الأمر الذي يعني أنها ــ في النتيجتَيْن ــ حالات خاصّة للغاية. وأدب سليم بركات نموذج رفيع على تلك الحالات الخاصة: شعره ضخّ حياة جديدة في المشهد الشعري العربي المعاصر، وروايته (14 عملاً، حتى هذا التاريخ) أحيت عالماً سردياً يكون فيه العجائبي مادّة كبرى جبّارة لالتماس وإعادة إنشاء العالم الفعلي. الأهمّ من ذلك، وهذه ليست مفارقة البتة، أنّ بركات الكردي كتب بلغة عربية فصحى ــ حيّة، دافقة، بليغة، إعجازية، فاتنة، طليقة، بالغة الثراء والجسارة والجزالة ــ ولعب دوراً كبيراً كبيراً في تحديث قوامها التركيبي واستخداماتها البلاغية ووظائفها الخطابية، الأمر الذي يغني عن القول إنه بات بؤرة استقطاب ومعيار قياس ونموذج تأثير.

.. الأمر الذي يغني، أيضاً، عن الجزم بأنّ سليم بركات ـ الآن إذ تصدر هذه الأعمال الشعرية وتضمّ 11 مجموعة شعرية ـ وراء تأسيس أسلوبية جديدة في الشعر كما في الرواية، وأنّ من الطبيعي أن ننتظر منه المزيد.


أقرأ أيضاً: