عباس بيضون
(لبنان)

مهرجان جبلة في جبلة وليست عاصمة الدولة ولا المحافظة. إنها من الأنحاء. بلدة من بلدات ولا يغيّر من هذا الواقع أنها أطلعت هي ومحيطها بدوي الجيل ونديم محمد (الشاعر المتواري) وأدونيس. لا يغيّر من هذا الواقع مقامها العريق في التاريخ، فجبلة اليوم بلدة من بلدات وفي بلاد العرب يزري الدهر بالعواصم فكيف بالنواحي، وأنا والحق لا أطمئن كثيرا لثقافات الأقاليم. فهذه غالبا فوضى ونشاز وهذه غالبا سوقها في محلها ولا تقوم لها قائمة إلا في مجالسها وهذه شبابيكها ومطلاتها على نسيج تدخل فيها القرابة والنسب والرتبة والمقام فلا ندري مأخذها من مخرجها. ثم إن العواصم في بلادنا تمتص النخب كلها وتتخير الأفضل ولا تبقي عادة في مطرحه إلا المهمل. فإذا علمنا أن احتفالات العواصم الثقافية فوضى في فوضى وأنها غالباً تشتمل على قدر من الاستخفاف والارتجال لا يبقى معها موضع لثقة أو اهتمام. إذا علمنا ذلك لم ننتظر خيرا كثيرا من الأطراف والأقاصي. أسوق كل ذلك لأقول إن أمر جبلة مركز القضاء وقبلها أمر الملاجة القرية الصغيرة كان غير ذلك. فهنا حيث تفشل المؤسسات الهرمة المنخورة بالمراتب والصلاحيات تنجح المبادرات الصغيرة، المصنوعة بالحماسة والمشاركة والشغف. هنا نعلم أن جمعية أهلية كالعاديات أبصرت النور سنة 1925 ولا تزال تجد من يتفانى من أجلها، هنا لا نعرف كيف أمكن لبلدة أن تجد مالاً لا لدعوة شعراء وفرق فحسب وإنما لتحويل المناسبة على مدار أيام الى مأدبة عشاء ومأدبة غداء سخيتين عامرتين بكرم المائدة وكرم الصحبة. وستختبر مجددا أدب المائدة وحديث المائدة وستلحظ أي تربية رفيعة وراء ذلك وأي لغة مخمرة مصقولة تطبع الكلام والسلوك. ستعلم أن ما يحصل في المهرجان هو اختبار حياة أكثر منه احتفالاً أدبياً. إن هذه النخبة التي ليست فقيرة ولا متواضعة تتقاطر من هنا وهناك لتحيي أياماً من المشاركة واللقاء والصداقة. تفهم أن صداقتك مطلوبة أكثر من أدبك وأنك لن تتأخر طويلاً عن أن تدخل في الاختبار. اختيار البحث عن لغة تقبل اللغات عن فهم لا يختنق في ذاته. تفهم أيضا أن المائدة تغدو طقسا وأنك في الخبز واللحم والخمر تتقاسم جسد الحلم الذي يغدو في لحظة عاماً وعلنياً.

في مهرجان جبلة النظام الدقيق الذي لا يجيء من الساعة ولكن من الشغف. كل شيء في وقته لكن بلا صرامة. كل شيء في وقته مع قدر أكبر من الابتسام. النظام الذي تفتقده مناسبات العواصم من جملة أشياء كثيرة.

أيها الرفقاء في جبلة.. قبل أن تنسوا اسمي أو أنسى أسماءكم في ضجيج الأيام، اقبلوا هذه التحية.

السفير