جلس خلف المقود يعد حبات المطر وهي تضرب برفق زجاج السيارة. تنقره كي يفتح الباب. لقد خرجت حافية، بلباس المنامة تركض كهبة ريح تريد أن تقول له قف ياجون. لكنه لم يسمعها، لم يرها.
كانت تنقر وهو يتأمل قطرة مطر تسيل على الزجاج.
من المفروض أن يضغط على دعسة البنزين.
ومن المفروض أن تحاول، وأن تضع أصابعها في ثقوب السيارة كي تشدها. وتتوسله: يا جون الخطأ خطأي فأنا آسفة!
لكن دخان العادم، البنزين، الكرامة والكبرياء، لكن هدير المحرك الغاضب!
لم يفعل شيئا حين دخل المنزل، لم يفعل شيئا. كان يجب أن يحمل معه آلته الحادة ويدخل مثل كل رجل. مثل كل رجال العالم. لكنه لم يفعل.
فضربت براحتها الأرض.
ترى الآن السيارة وهي تبتعد.
وقفت في وسط الشارع بينما مضت السيارة على مهل تنأى عنها وتتركها في حالة لا تعرفها. حالة عدم آمان، حالة عدم توازن، حالة دوران.
تغني شير( Cher): If I could turn back time
إن استطاعت أن تعيد الزمن مرة أخرى فإنها لن تفعل ما فعلته. لقد كانت نزوة.
لم تدر بالا إلى نوافذ الجيران، وتدرك أنهم يتلصصون وفيما بينهم تنمو النميمة. لكن الوقت الآن ليس وقت الاهتمام بما يدور بينهم. لقد ضيعت جون.
***
النوم لا يشبه أحدا
والأحلام الآن مسجونة لا تخرج.
فأغلقت على مضض يومها، ليس يومها بل ليلها وأحلامها، واستلقت هناك أو هنا، استلقت أينما جاءت أفكارها الغائمة، استلقت، وهي لا تدري بحالة جسدها فروحها كانت تقودها في مجاهل واحتمالات. إن الحياة أخيرا عجماء، تشير لها بالأصبع مرة وببنات الأفكار مرة أخرى، ذلك لأن اللغة أمست غريبة وليست لغتها، ولا تفهمها، وهي الحروف البدائية القديمة حيث لم تكن هناك لغة، حيث لم يكن هناك صوت. اقتربت من هناك فسمعت تدفق ونداهة نهر. وسرير يلم الماء الأحمر المخضب الذي يقول لغة عميقة.
وكان يدق ويندف.
آه أيها القلب حين لا يفهمك الرجل!
سوف أستبدل القلوب. آخذ قلبه وأعطيه قلبي.
***
لكنها، حبات المطر... تطرق النافذة مرة أخرى، نقرات خفيفة، موسيقى، والمشهد العام كله كأنه سينما صوتها صامت.
***
لم تسمع دقات الساعة. لم تسمع آهات العاشق.
لم تسمع صرير الباب. لم تسمع.
ذلك حين دخلت المنزل عمياء طرشاء.
تتحسس اهتزازات العالم الساكن. الجدران، والزجاج، والمرايا...
كان طوفان النهر يرجرج القلب بين القاع والسطح.
ولم تر صورتها في المرآة. لقد مرت بالمدخل.
والصورة في صدرها كانت لرجل يرحل ويموت. لرجل لن تشفع كلمات الأسف له.
وإن قال أو نم عنه حرف شفاعة... وإن ماكان.. كان نزوة، فهو آسف. فالوقت المتبقي لن يسعفه. فهو سيدرك أن الزمن الذي يدور فوق معصمه ليس زمنا عاديا بل هو زمن اخرق مجنون لا يخطو نحو الأمام أبدا بل إنما يسري ويعرج صاعدا كمخيم غجر ذلك حين تلهبه حدقتا امرأة على عتبة نار.
***
هكذا يصعد ويبتعد.
الرجل الذي غاب
المرأة التي قيدها الغياب
هي نزوة عابرة، ثوان انفجار، حطمت حياة عشرة أعوام، حطمت عشرين عاما... حطمت أعواما كثيرة. ثوان تستدير إلى هنا وإلى هناك كي تحيل الضوء إلى رماد.
hsolaiman@hotmail.com