في الحقل، كشفت عن نفسها شجرة الليمون ففاحت بالأزهار ..
مر النحل ..
ثم تفشت في أغصانها براعم صفراء ما لبثت أن صارت حبوب ليمون ناضجة، يتساقط الندى على حلماتها الصغيرة ويتكثف .
مر الفراش .
خشيت على أغصانها من السقوط، لما امتلأ المكان بالرياح، وشرع الهواء الشديد يؤرجح كيانها المثقل بليمونه الذي صار جريئاً في بث عبقه الفاتن في كل الحقل .
مر الدوري .
ثم بدأ الليمون في التساقط ناضجاً في البدء، ثم متعفناً من الداخل بعد أن لامس التربة، متجعداً من الخارج، غير آبه بالماء وارتجافاته حول الجذع .
مرت الجوارح .
ثم قرر الحقل أن يتراجع إلى طبيعته الجديبة متنصلاً من شغفه السابق بالشجرة، عائداً إلى الغبار، والطين، والحجارة الصامتة، بعد أن فني النحل، ومات الفراش، وأكلتِ الجوارحُ طيورَ الدوري.
مر الدود .
أعلاه، كان ضمن ملاحظات حارس الحقل حول التغيرات الغريبة التي طرأت على شجرة الليمون أثناء الزيارة الأخيرة لابنة صاحب الحقل. كان يتحدث إلى ضابط التحقيق مبدياً أسفه الشديد على موتها بذلك الشكل المحزن، مؤكداً في الوقت نفسه أن ثمة لغزاً في هذه الحادثة. كان يتكلم وهو ينظر إلى السجادة ذات الألوان والرسوم المأخوذة من روح الغابة، والمبسوطة على أرضية المكتب. ضابط التحقيق بدوره، كان يشك في طبيعة موت الابنة، لكن: كيف عرفت أن هناك لغز في موت الفتاة؟ سأله الضابط. ابتسم الحارس لما وجد نفسه ملزماً بالشرح أكثر ليُفْهِمَ الضابطَ أنه كان يتحدث عن الشجرة. عن الشجرة فحسب. إنه مجرد حارس حقل بسيط ينحصر دوره في سقي الشجرة وحراستها من العطش وعبث العابثين. في البداية، كان ينوي مطالبة ضابط التحقيق بالضغط على كفيله لمنحه رواتب الشهور العشرة المتأخرة عليه، لكنه وجد نفسه عالقاً في أسئلة كثيرة يطالبه الضابط بالرد عليها وبشكل مفصل ودقيق. وظيفته، طريقة حراسته الحقل، كيفية تفقده المكان، من يزوره، مدى صلته بالفتاة، وكيف هي علاقته بأبيها صاحب الحقل؟ جره الحديث عن الحقل إلى عمله في بلده، وتذكر أولاده، وامرأته في اللحظة التي طلب منه الضابط أن يذكر عددهم، وأسماءهم، وأعمارهم على التوالي. شعر بالحنين إليهم يكاد يكسره في مكانه، وتذكر كيف كان يعالج هذه الحالة كلما داهمته، بإشعال النار، وإعداد الشاي الأسود الثقيل للتخفيف عن نفسه، وتلطيف وحدته بطعم الشاي المترنح بالسكر. عن الشجرة، وليس عن الفتاة، كان يتحدث. لكن الضابط أبى إلا أن يحرف مجرى الحديث إلى موضوع مقتل الفتاة. وكان يريد أن يذهب إلى الحقل حين اعتقد أنه أجاب على كل الأسئلة، غير أن الضابط استبقاه لاستكمال التحقيق. إذ كان يريد أن يعرف كيف ساق كل تلك الملاحظات عن شجرة الليمون ولم يتنبه إلى موت الفقيدة الذي حدث في الحقل نفسه، الحقل النائي، المنعزل بعيداً عن المدينة، والذي كان مفتوحاً من كل الجهات على الهواء، والعابرين، والطيور؟! هكذا جهات التحقيق تسأل أحياناً، همس الحارس لنفسه. يستطيع الحارس أن يؤكد وجود مثل هذه الاستنتاجات الخطيرة أثناء أسئلة التحقيق، وبشكل مستمر، وخصوصاً عندما ترتبط الأسئلة بقضايا حساسة مثل قضايا الدفاع عن الشرف، أو القتل باسمه، وهي قضايا لا ينكر الحارس المغترب عن أهله منذ أربع سنوات أنها كثيراً ما وقعت في دياره أيضاً، بل وقعت له تحديداً، ومن أجل ذلك هرب خوفاً من الانتقام، وجاء إلى هذه المنطقة ليعمل حارساً لحقل فارغ ليس فيه سوى شجرة الليمون، وبئر عميقة مغطاة بسياج حديدي، وغرفتان مسقوفتان بالخشب يسكن في إحداهما بينما الأخرى لا يستخدمها أحد. لم ينكر معرفته بالفتاة، حينما سأله الضابط عنها، ولكن جل اهتمامه كان مركزاً على عمله وهذا ما جعله يسوق ما ذكر من ملاحظات عن شجرة الليمون، كما أشار. قال للضابط، مندهشاً، أن كل الفصول عاشتها الشجرة في مدة وجيزة لم تتجاوز يوماً واحدا. مرحلة النحل بدأت في أول الصباح الذي جاءت فيه الفتاة، وكانت شجرة الليمون في أبهى أطوارها. كانت متفتحة كفتاة جميلة في مقتبل العمر، وكان النحل في براعمها يذكره بقطع الذهب في أوانيه الثمينة. ثم بدأت مرحلة الفراش تتسع مع دوران الفتاة حول الشجرة حيث كانت تتأملها، وتلمس أوراقها، وبراعمها، وتطير فراشاتها من غصن إلى غصن، وكثر الفراش إلى درجة أن النحل لم يستطع الاحتفاظ بمواطئ أقدامه حول البراعم. لم تكن الفتاة تلبس عباءة. أكد الحارس. بل زاد أن شعرها الأسود الوفير كان متروكاً على كتفيها، وظهرها، كيفما شاءت له الريح. غير أنه لما سأله الضابط ما إذا كانت الفتاة قامت بذلك التبرج متعمدة أم لا، لم يتمكن من تحديد إجابة واضحة، فتارة يؤكد أنها قامت بالكشف عن شعرها متعمدة، وتارة أخرى يوضح أنه لم يهتم للأمر لأنه حرص منذ البداية على ألا يتدخل في ما لا يعنيه، وأن عليه أن يهتم بعمله فقط. هل كانت الفتاة تبتسم له؟ هل بدر منها ما يدل على إغواء ظاهر موجه إليه؟ هل نظرت إليه نظرة يُفهم منها دعوة واضحة إلى رذيلة أو إلى عمل أخلاقي مشين؟ على الأسئلة الثلاثة، أجاب الحارس بأن الفتاة كانت تبتسم للشجرة فقط، وكانت تعانقها بحب ودلال عظيمين، ولم تكن تأبه بوجوده أبدا. ولما جاءت مرحلة طيور الدوري، قال الحارس، رأى مئات الطيور تلتهم النحل، وتهاجم الفراش بمناقيرها، وتخرب البراعم اليافعة. حدث ذلك في اللحظة التي رأى أباها يدخل الحقل متجهماً، ويأمره بالعودة إلى غرفته وإغلاق الباب على نفسه، قال ذلك للضابط، وهو يحاول تثبيت عينيه على سجادة أرضية المكتب. كان يركز نظره على عيني نمر حمراوين مرسومتين بوضوح على السجادة، فيما يواصل بصوت مسموع شرح مرحلة الجوارح. كل ذلك سيدي الضابط حدث في يوم واحد، قال، وهو يظن أن عيني النمر المنسوجتين بعناية فائقة، تتحركان في رأسه. قال إن مرحلة الجوارح، كانت الأعنف، والأكثر تدميراً لكل شيء في الشجرة، حد أنه فوجئ بعينيه تسكبان الدمع من شدة الحزن. وبالفعل في تلك اللحظة، بكى الحارس. ومن خلال الدموع، رأى النمر يخرج من السجادة. من ذنبه الطويل الذي كان آخره تحت المنضدة، إلى رأسه الضخم في وسط أرضية المكتب، رأى النمر يتمطى كما لو أنه يستيقظ من نوم عميق، ثم يقف على قوائمه باتجاهه، ويحدق فيه بعيني وحش لا يفكر إلا بالانقضاض على فريسته. كان يبكي بشدة، وهو يصف مرحلة الجوارح. مرحلة البقايا والأشلاء. قال إن ما حدث بعد ذلك ليس مهما. أي شيء يهم بعد البقايا والأشلاء؟ سأل بصوت مرتجف، بينما جسمه المضطرب يتراجع إلى الوراء، محاولاً تفادي لطمة قوية وسريعة لا يدري جاءته من أين؟ من الضابط الذي كان منفعلاً وهو يصغي إليه؟ أم من النمر الفتي المقترب منه؟ المؤكد، هو أنه تحرك إلى الوراء وقت أن كان يتهيأ للحديث عن مرحلة الدود.