في بداية كل صباح، بعد أن يتناول إفطاره، يستعرض مخطط مدينة الطائف في رأسه. الأحياء الكبيرة أولاً، بشوارعها الرئيسة، ومحالها التجارية الشهيرة، ثم الأحياء الصغيرة المتناثرة في أماكن شتى من النطاق العمراني للمدينة. بعد أن يطمئن إلى أن كل حي في ذاكرته ما يزال في مكانه الذي على الأرض، ينطلق من منزله الشعبي، وهو يستمع إلى نشرة أخبار الصباح في الإذاعة المحلية. يجمع نفسه في منطقة وسط البلد، ويفرقها في الأحياء المحيطة، في التقاطعات المزدحمة بالسيارات والمارة، وإن مر في طريقه من أمام مكتب البريد خفف السرعة، وربما أوقف عربته الصغيرة إلى جوار الرصيف وانتظر قليلاً، وعينه على مخارج الأزقة الضيقة بحثاً عن راكب قادم من داخل السوق.
يبحث عن الرجال فقط، التعامل مع الرجال أكثر أماناً من التعامل مع النساء. أكثر من مرة شرح قصة هذا الرأي لأصدقاء له سمعوه يردده، أو سمعوه من آخرين ينسبونه إليه. فقد روى أن امرأة رفضت ذات يوم أن تدفع له، وعندما أصر بشيء من الغلظة على حقه، خيرته بين أن تمضي من دون أن تسلم حق المشوار أو أن تجمع عليه الناس ورجال الهيئة بتهمة التحرش بها. امرأة خبيثة، كما وصفها لمن سمعوا حكايته، قال لهم إنها عرفت أكثر ما يخيفه في البلد، رجال الهيئة، كانوا سيجرونه إلى مركزهم لو نفذت تهديدها، وربما انتهى خبره إلى الكل، وهذا ما جعله ينسى الريالات الخمسة، إذ لو حدث ذلك فسيصل إلى أسماع كل البيوت في الحي أن سلمان الصيدحي قبضت عليه الهيئة مع امرأة أخرى، وما أكثر ما سيقال عندها على الألسنة التي اعتادت لفظ اسمه مقروناً بالشبهات. في مثل هذا الجو، من الصعب أن يقتنع أصحاب تلك الألسن بأن المرأة هي صاحبة الفكرة. المرأة تغوي ولكنها لا تبتز، وإن فعلت فإن الرجل هو الذي سمح لها بذلك، والمقصود بالرجل هنا هو سلمان ما غيره. أما أصدقاؤه فلن يكفوا عن محاصرته بطرح أسئلة مثل: من هي هذه المرأة الجديدة؟ وأين تسكن؟ وهل هي جميلة إلى حد أن تتورط معها في مصيدة رجال الهيئة؟ وماذا عن فوزية الحبيبة القديمة؟ وقد حدث ذلك بالفعل، وخصوصاً مع أصدقائه المتباهين بخبراتهم الكبيرة في المعاكسات، المتفاخرين بمعرفتهم التامة بصنف معين من النساء يتظاهر حسب تأكيدهم بالحشمة والعفاف بينما هو في حقيقة الأمر لا يمانع في اختلاس وقت للمرح مع أي شاب يستطيع تأمين مكان للقاء وسيارة للتجول في المدينة.
أما كبار السن، فقال إنهم سيسألونه غير مصدقين: هل يعقل أن تفتري امرأة في الطائف هذه الفرية؟ ثم بعد أن ينظر بعضهم إلى بعض، كعادتهم دائماً، سيردفون هذا السؤال بأسئلة مثل: يا رجل أين شيمتك؟ طيب، على افتراض أنها فعلت ذلك، لماذا لم تتركها تذهب وتطلب العوض من الله؟
وهذا ما حصل، فقد تركها تمضي بعدما رآها في منتهى الجدية. انسحب مبتعداً، وهو يستعيد من المشهد نظراتها الغريبة التي سلطتها عليه حد أنه تساءل ما إذا كانت تخبئ في داخلها سراً كبيراً يخصه؟!
من كل شارع كبير، يبرز عدد من الركاب اليوميين، عليه أن يكون في مدى أنظارهم عندما يقفون على الأرصفة. كل مشوار إلى وسط البلد بخمسة ريالات. في الواقع، هناك دائرة من الأحياء حول وسط البلد يمكن أن يسميها أحياء الخمسة ريالات. ولو بدأ الدائرة من حي نِخْب شرق وسط البلد، على سبيل المثال، فسيمر إذا اتجه شمالاً بأحياء القُطْبية، الجَال، جَبْرا، ثم باتجاه الغرب إلى الفيصلية، وفي طريقه إلى العقيق سينحرف قليلاً إلى الوجهة الجنوبية الغربية، ومنه إلى مُعشِّي المحاذي له غرباً، ثم يكمل الدائرة إلى الخالدية، قَرْوى، المثناة، عودة، أم العراد، السداد، النزهة، الوشحاء، منتهياً بحي نخب الذي بدأ منه.
هناك أحياء مزدحمة بالسكان والركاب فيها كثيرون، وهناك أحياء أقل ازدحاماً، وأقل حركة. بعضها قديم وشوارعه ضيقة وتشكو من الإهمال المزمن، وبعضها الآخر حديث وتكثر في شوارعه الأشجار الخضراء، وأعمدة الإنارة، وبراميل النفايات، وعادة ما تكون السيارات الخاصة من الموديلات الأمريكية واليابانية الحديثة، وتتميز أبواب الفيلات بأحجامها الكبيرة وفخامتها الطاغية من الخارج. أما الفيلات نفسها فمن الطرز الجديدة المصممة على نحو فاخر وأنيق، يتكون أكثرها من طابقين، وتظهر على نوافذها تشكيلات جمالية مصنوعة من الحديد، مدهونة باللون الأسود الصقيل، ومطعمة بقطع فنية من النحاس.
في الأحياء الراقية، تتميز الشوارع باتساعها ونظافتها لكنها خاوية معظم الوقت من المارة، والذين يستخدمونها من أهلها نادراً ما يُشاهَدوْن من دون سيارات خاصة تقلهم من بيت إلى آخر، أو تأخذهم إلى أحياء أخرى. معظم مشاويره إليها يتم بطلب من عمال عرب عادة ما يعملون كفنيي ديكور، أو تكييف، أو غير ذلك من المهن الداخلة في متطلبات البناء الحديث. في حين أن شوارع الأحياء القديمة ضيقة، ومتسخة في الغالب، وكلما تعمق فيها العابر ازدادت قدماً، وعشوائية، ولكنها حافلة بالمشاوير. لذلك، يطيب له أن يسميها الأحياء الغنية، بينما الأحياء الراقية يسميها الأحياء الفقيرة، ولولا العمال الذين يعملون فيها لأطلق عليها تسمية أسوأ.
في أيام الشغل الكثيف، يجد نفسه يلف كل هذه الأحياء، الغني منها والفقير، من الصباح حتى آخر النهار، وهذا ما يحبذه، وذلك ليكتمل في رأسه مسح مخطط المدينة عند مغيب الشمس. هكذا يجد نفسه في المساء مرتاحاً، قانعاً بما جمع من مال في نهاره، فارداً المخطط لمسح جديد في اليوم القادم. أما إذا لم يتمكن من ذلك بغير إرادته، فإنه يبدأ في يومه الثاني بالحي الذي لم يدخله في اليوم الفائت. إنها عادة لم يتوقف عن ممارستها منذ سنوات، ولا يحب أن يغيرها، فهي في تصوره مرتبطة بوجود المدينة، ويحب أن يراها كل يوم في رأسه كما تركها في اليوم السابق.
غير أن ثمة مشاوير لا تنطبق عليها أجرة الخمسة ريالات، فمثلاً لو طلب منه أحد الركاب أخذه إلى المطار الواقع على مسافة ثلاثين كيلومتراً شمال شرق المدينة ، فليس أقل من ثلاثين ريالاً لمشوار الذهاب فقط. المطار بعيد، والعودة منه لا تضمن له راكباً آخر، والمرات العديدة الماضية التي توقف فيها أمام بوابة القادمين لم تنفحه براكب واحد. أصحاب سيارات الأجرة المخصصة لخدمة المطار، وأيضاً رجال المرور، يقفون لعربته بالمرصاد. في المرة الأخيرة ماطل رجل المرور، ناور في الحركة، أخذ دورة طويلة ثم عاد إلى موقفه السابق، وقد علم أن الرحلة القادمة من الرياض لم يبق على وصولها سوى بضع دقائق، غير أنه بدلاً من التقاط راكب قادم، حرر عليه رجل المرور قسيمة لمخالفته النظام.
في مساء ذلك اليوم، تأججت في جسمه نار الصدفية، وخيل إليه أن قشوراً كثيرة تساقطت منه، لكن الذي آلمه أكثر كانت نسخة القسيمة التي سلمها له رجل المرور، حيث بقيت في جيب ثوبه العلوي مثل الأزمة القلبية. كلما تحركت يده قرب صدره، سمع خشخشتها أكثر من أي صوت آخر. يعلم أن المخالفة المرورية لا تموت عملياً إلا بطريقتين، أن تُدفَع غرامتها نقداً في قسم تسديد المخالفات، أو أن يسرع المرء في البحث عن شخصية متنفذة تلغي القسيمة قبل أن تدخل ذاكرة الحاسب الآلي. بإحدى هاتين الطريقتين تموت المخالفة في زمن أقصر، لكنه سمع عن مخالفات عاشت بعد موت أصحابها سنين عديدة، فحتى الأموات في ذاكرة النظام الآلي يظلون أحياء ما داموا لم يسددوا ما عليهم من مخالفات.
من حي إلى حي، ومن شارع إلى آخر، يتنوع الركاب في المقعد الصغير الذي بجواره.عسكر، عمال، طلبة، موظفون مدنيون. منهم من يقطع المشوار صامتاً، شاخصاً ببصره إلى منطقة قدميه، ومنهم من يسرد عليه أخباراً وحوادث عرف بالتجربة أنها ليست كلها حقيقية، فهناك من اعتاد إشغال لسانه بأي كلام حتى يصل.
الطلبة الذين يصادفهم في طريقه، هم في العادة من طلبة الثانوية، من النوع الثرثار، سجائر وكلام بذيء حول المعلمين والمدرسة وزملاء الدراسة. أكثر ما يقلقه في أي مشوار يخصهم هو أن يسقط أحدهم من حوض العربة بحركة متهورة أو من فرط الصراخ والضحك والتعليقات الساخنة ضد بعضهم البعض. غير أن المسلي في الموضوع كله، هو أنهم يذكرونه بأيام صباه الذي عاشه في حي نخب. كان يسرح مع مجموعة من أبناء الحي مشياً على الأقدام إلى مدرسة بعيدة، وكلما انفتح لهم دون المدرسة خلاء جديد زاد احتمال وقوع حادث مع هوام الأرض، أو مع الطقس، أو تعاركوا مع آخرين في مثل أعمارهم من أحياء أخرى، وفي بعض الأحيان تنتهي المعركة بكدمات أو رضوض يتلقاها الأكثر تهوراً من الطرفين.
أشقياء بثياب رجال صغار، أي مثل هؤلاء الطلبة الذين يقلهم إلى مدارسهم كل يوم تقريباً، ويسمع منهم ويرى الكثير. لم يتغير بين جيله وجيلهم مفهوم الفتوة، فعنفوان التفكير هو نفسه، وكذلك الاندفاع العاطفي، وما زال يجري في غير أوانه إحساسهم شبه الكامل برجولة الكبار التي كانت تعني لسلمان بالأمس قوة العضلات في تمثيل الحي، وقد يصل الحال إلى الدفاع عنه أمام شباب الأحياء المجاورة، وأحياناً أمام شباب من حارات منافسة في الحي نفسه، وهو المعنى نفسه تقريباً عند هؤلاء الفتية. غير أن الأسلوب الاستعراضي للتعبير عن هذه الفتوة هو الذي تغير. ففي ذلك الزمن كانت الشماغ تلف بإحكام حول الرأس لوقايته من العصي والحجارة، ولم تكن ترمى على الكتفين هكذا، ولم تكن الطاقية في وضعيتها المائلة إلى نصف الجبين، كما هو حال بعض هؤلاء. وضعية غريبة يقولون إنها تعبر عن التحدي واستصغار أي خصم محتمل، وهذا ما جعله يلزم الحذر تجاههم، فالخصم في نظرهم تصنعه الحوادث المفاجئة، أي شخص من أي مكان يمكن أن يتحول إلى خصم عند أول سوء تفاهم. بعكس ما كان متعارفاً عليه في صباه، حيث الخصوم في مثل وضوح الأصدقاء تقريباً، لذلك كان من السهل أن يحدس بوقوع المواجهة قبل حدوثها. لكن هؤلاء لا يمكن التنبؤ بأفعالهم، ففي الوقت الذي تعتقد فيه أن مظهرهم لا يختلف عن مظهر الأولاد المسالمين، وأنهم أبعد ما يكونون عن الشجار، في هذا الوقت بالذات، كن أكثر حذراً، وابتعد قدر الإمكان عن منطقة اشتباكهم الوشيك. وقد شاهد أحدهم في لحظة وئام يخرج من أحد جيوب ثوبه مفكاً كهربائياً مفلطح الرأس، فما كان من الذي يقابله في تلك اللحظة إلا أن أخرج سكيناً يدوية تخفي نصلها في بطنها.
لكنه كان يدخن مثلهم، رغم أن عقوبة التدخين عند والده كانت الجلد والحبس في البيت، وكان يصرخ مثلهم أيضاً، بل كان يملأ صباحاته بالصراخ في وجه الحارات والأحياء التي يمر بها في طريقه إلى المدرسة. الفرق، هو أنه في كل مرة كان يذكر من أسباب الصراخ ما لم يتخيل أحد.
لا اعتبار للحجارة المسننة التي كان يخطو عليها غيره ويصرخ من شدة الألم، ليست من أسباب صراخه المسامير الصدئة، وشظايا الزجاج المتناثرة على الطرقات، هذه الأسباب كانت في نظره مبذولة للجميع، كلها كانت عادات يومية يمارسها كثيرون في زمنه، والدم الذي تحدثه هذه الأشياء لا يتجاوز الموقع الذي تعرض للقطع أو الوخز في باطن القدم.
أما هو فكان يصرخ بعد أن يبتكر سبب صراخه، كأن يتحدث عن ضربة عنيفة من سيارة مرسيدس سوداء اللون يتبعها رتل من سيارات الأمن. هذا المشهد ابتكره لمرة واحدة، لكن تأثيره فيه كان من القوة بحيث استمر معه فترة من الوقت. راقت له الفكرة لأنها جديدة، أو على الأقل لم يسمعها من غيره، أن يدهسه أمير بسيارته في منتصف شارع رئيس، شارع شبرا مثلا، أمام قصر شبرا بالتحديد، وتكون السيارة في سرعتها القصوى، ويكون الوقت صباحا، في عز الشتاء. كلما فكر في ذلك، انتفض منتشياً، وكأنه مات بالفعل ثم عاد بدون سبب مفهوم إلى الحياة مرة ثانية. لم يكن لديه علم لماذا أثر فيه ذلك المشهد أطول من غيره؟ أكثر ما يتذكره بهذا الخصوص، أنه في صباه ذهب ذات يوم خميس برفقة صديقين له إلى قصر أمير في أحد الأحياء الراقية، وكانوا قد سمعوا بطعام كثير يتبقى في الصحون بعد أن يأكل الجميع، فأرادوا أن يتأكدوا من صحة ما سمعوا. رابطوا مقابل باب الطباخين، في الجهة البعيدة من الشارع الواسع، وهناك رأوا للمرة الأولى ما وصفها هو في حينه بالأشياء المدهشة. ما زال يتذكر اللحظة التي وصلت فيها سيارة فخمة، سوداء اللون، معتمة الزجاج، ترافقها سيارتا أمن، واحدة تسير أمامها، وواحدة خلفها، وما أن اقتربت من الباب الرئيس حتى تقافز إليها من داخل القصر رجال يرتدون فوق ثيابهم البيضاء محازم جلدية عريضة سوداء اللون تحمل في جيوبها مسدسات. لم تتوقف لهم السيارة، بل واصلت التقدم إلى داخل القصر، فانطلقوا راكضين عن يمينها ويسارها، وقد ملأ الشارع وقع أحذيتهم على الإسفلت. خلال لحظات عاد كل شيء في الخارج إلى هدوئه، انسحبتا سيارتا الأمن، وأنغلق الباب الرئيس، وسمعت من جديد أصوات الطباخين والخدم وهم يتحدثون فيما بينهم. لكن من أهم ما يتذكر، في زيارته الفضولية تلك، أن أحد الخدم المسنين لما رآهم تحت الشمس بدرت منه عاطفة أبوية فأعطاهم من فضلة الطعام صحناً صغيراً مليئاً بالأرز مع قليل من اللحم، وناولهم حبات ثلاث من البرتقال، ثم وهو يهم بالانصراف أمرهم أن يدعوا بالخير لصاحب القصر. منذ ذلك اليوم، ارتبطت صورة الأمير لديه بالأرز واللحم والبرتقال. لكن ما علاقة هذا بحادثة الدهس المبتكرة؟ لا يدري، ربما للأمر علاقة برد الجميل، ربما لأن تلك السيارة كانت في نظره من الفخامة بحيث تستحق أن يموت المرء تحت عجلاتها، أو عجلات أية سيارة أخرى في فخامتها، لكن المشهد في تصوره جديد ويستحق الوقت الذي أخذه من اهتمامه.
غير أن قدرته على استحداث أسباب صراخه لم تتوقف عند ذلك الحد، بل تفتقت عن مشاهد أخرى عديدة، بعضها جميل للغاية، وبعضها سيء وكابوسي. يمكن القول إنه كلما كبرت سنه زادت المشاهد المبتكرة تضاداً وتباينا. كأن يصرخ لأنه ابتكر في خياله مدينة كبيرة مخصصة للمرح، فيها سيارات صغيرة للقيادة الترفيهية، وخيول مروضة، وحيوانات أليفة تطارده ويطاردها طوال النهار، وفيها ما لذ من الأطعمة والأشربة، وفيها أصدقاء كثر لا يسأمون منه، وكلما امتد به الوقت وجد نفسه أكثر مرحاً وبهجة. لكنه في صرخة أخرى ينتقل إلى النقيض تماماً، فيتحدث مثلاً عن دفعةٍ قوية تلقيه وهو معصوب العينين مقيد اليدين في بئر عميقة، أو عن سياف يجري في الطرقات شاهراً سيفه وعندما يصادفه في طريق ضيق ومعتم يراه في أشنع الرؤى وعندئذٍ يغرس سيفه في صدره.
أسباب لم يصدقها أحد بالطبع، لكن الصراخ هو الشيء المهم الذي يجب أن يسمعوه. يقول محدثاً نفسه: هؤلاء الطلبة يصرخون في عربته عند أي سبب تافه، وليتهم يعلمون أن الأحداث التي تجعلهم يصرخون حقاً لا يمكن بلوغ التأثير الذي تحدثه إلا عندما يصدقون أنها تقع على نحو لا يتخيله سائر الناس، أحداث مرعبة، وأخرى مبهجة، لا يفكر فيها إلا من كانت لديه قدرة كبيرة على تنفيذها أو على تخيلها. أولاد النطفة الملتوية، وهو الوصف الذي يتحاشى ذكره أمامهم، لا يريدون منه إلا نقلهم بعربته إلى بوابة المدرسة. لو سألوه فقط كيف كان يصرخ في زمنه، وبأي سبب، لأخبرهم بالحقيقة كاملة. ليس أسهل من أن يفكر أحدهم في طرح مثل هذا السؤال، لكنهم جميعاً فضلوا الإصغاء لجوابه حين سأله أحدهم في أحد المشاوير: ما هذه التقرحات التي في يديك؟
حدث ذلك بعد أن أنزلهم أمام بوابة المدرسة، وكان يستعد للذهاب في سبيله. تكومت رؤوسهم داخل نافذة الباب الذي يليه، بحلقت عيونهم فيه حتى أحس أن كمية الفضول التي سيطرت عليهم ستخنقه.
ما الذي حدث بعد ذلك؟
كان الأثر الذي أحدثه جوابه في وجوههم واضحاً، تراجعت رؤوسهم إلى الوراء في حركة غير عادية. وسمع أحدهم يحلف للبقية، وهم يحثون الخطى إلى البوابة، أن ما سمعه كان أكبر كذبة قيلت على الإطلاق، وأضاف مطَمْئناً رفاقه: لا تصدقوا هذا العربجي، الرجل ذو الذيل الذي يتجول في الطائف ليلاً، يقولون قبضت عليه الشرطة.
ما أكثر ما انضغط مقعد الراكب تحت أجساد ضخمة ثقيلة الوزن، وما أكثر الأجساد الضئيلة التي ارتاحت عليه من دون أن تؤثر فيه. بعض الأجساد يتصلب على المقعد مثل عمود من الرخام، وبعضها لا يكاد يهدأ في جلوسه. قصص وحكايات بلهجات مختلفة، روائح لا تحصى، أشكال كثيرة من السعال، والتمخطات، والتنهدات، بل حتى ألوان عديدة من البكاء، جميعها مرت على سمعه طوال سنوات تسع قضاها في المهنة. يمكن القول إنه لم يبق في الطائف شيء من لغات الناس، ومشكلاتهم، وروائح أجسادهم، وأمزجتهم، وعللهم الصحية إلا مر به أو سمع منه عينة.
بعض الذين يشاركونه المهنة يقولون عن مقعد الراكب إنه مقعد البركة، فلولاه لما ركب معهم أحد، ولولا الركاب ما حصلوا على مال في هذه المهنة. بينما آخرون يصفونه بالمقعد الذي لا يمل من استقبال المؤخرات، من مشوار إلى آخر يودع مؤخرة ويستقبل سواها. إما بالنسبة إليه، فإنه ليس سوى مكان يستقله الراكب ويغادره في فترة قصيرة جدا. أحياناً، يلف به شوارع عديدة، و ربما أحياء كاملة، من دون أن يستفيد منه في نقل راكب واحد، وفي هذه الحالة يشعر بضيق وينظر إلى الوضع باعتباره مسألة حظ معاكس. مع ذلك، لم يحدث أن تركه مكشوفاً للشمس، وكل الذين اقتعدوه، كان يضع بينهم وبينه قطيفة مستطيلة الشكل، يتعهدها في نهاية كل شهرين أو ثلاثة، بالماء والصابون. لذلك، تبقى ( تلبيسة ) المقعد البلاستيكية الرخيصة، محتفظة بلونها الأسود طوال عامين، وهي المدة التي يغيرها بأخرى جديدة.
منذ أن دخلت المهنة في دمه، وتفكيره في مقعد الراكب لا يهدأ، ما دام فارغا. يقلقه أن يقضي الوقت إلى جوار مقعد فارغ فيما هو يشاهد بشراً، لا جدال في كثرتهم، يمشون على الأرصفة، أو ينتظرون في التقاطعات. المقعد الفارغ في عربة مثل عربته كالمعدة الخاوية، لابد أن تمتلئ بالطعام ليتوقف صاحبها عن التفكير فيها. لكنه بمجرد أن يحتله راكب ما، فإنه ينساه نهائياً وينشغل بأمور أخرى في حياته. هكذا تمر الأيام، ومقعد الراكب تارة يشغل تفكيره إلى حد الشعور بالقلق والتوتر، وتارة ينساه.
مع مرور الوقت، وتتابع التجارب، تبين له أن المسألة لا تتعلق بالريالات الخمسة التي يدفعها الراكب في نهاية المشوار، ولكنها تتعلق بالعادة التي أوجدتها فيه هذه المهنة، عادة أن يكون إلى جواره أحدٌ ما وهو يقود عربته في شوارع المدينة. وبالطبع، كما في كل مرة، ينتظر أن يحكي هذا الراكب طرفاً مما لديه من أخبار وحكايات ليس من الضروري أن يكون قد سمع بها من قبل، أو أن تكون لها صلة بواقع الراكب، لم يعد يفكر على هذا النحو، وإنما المهم أن يوجد شخص يحكي إلى جانبه وهو يعبر الشوارع والأحياء. وتبين له أنه قلما يتكلم بوجود أحد، إنه يصغي معظم الوقت، ويفكر أحياناً، حتى مع الطلبة الصغار، فإنه يفضل أن يفتح أذنيه لضجيجهم العابر، وصراخهم الزائل.
لم يكن الجميع يتكلم بالكثافة نفسها، فالعسكر في العادة لا يتحدثون إلا قليلاً، ولكن يصدف أن يلتقي واحداً منهم يحمل من الحكي ما يفوق في طوله طول أي مشوار في البلد. لكن هذا الصنف من العسكر إما أن يكون وصل إلى سن التقاعد من دون أن يتغير شيء في حياته، ولذلك يبحث عن شخص يصغي إليه ليقول له إنه يائس من إصلاح الأمور، أو أن يكون أمضى في الخدمة زمناً قصيراً، ورغم ذلك يشعر أن حوله أعداء وحسده يكيدون له في الليل والنهار.
يذكر أنه نقل واحداً من النوع الأول ذات صباح، وكان ذا بطن كبيرة، فكان يحكي له قصصاً متشابهة في موضوعاتها، وبعد أن ينتهي من سرد القصة، كان يردد عبارة (: أكلها زعيط ومعيط )، ففكر سلمان في أن هذين الشخصين لابد أنهما أكلا الشيء الكثير. يؤكد ذلك، أن الرجل يردد العبارة بعد كل قصة يسردها. شعر بالتعاطف تجاه بطن الرجل الكبيرة، إذ راوده احتمال ألا يجد في قادم الأيام ما يملأ بطنه بهذا الشكل، فما دام ( زعيط ومعيط ) على حد قوله، يأكلان هذا الأكل المخيف، من ذا الذي يضمن له بطناً كبيرة بهذا الحجم في المستقبل؟ فكر سلمان في هذا، وهو يستمع لمزيد من القصص، ولما وصل إلى المكان الذي حدده الرجل، كان هذا ما يزال يحكي قصة جديدة، فاضطر إلى الوقوف والانتظار ريثما ينتهي الرجل من رواية القصة.
لكن هذا الصنف من العسكر نادراً ما يركب معه، فالأغلبية يلتزمون الصمت إلا في ما يتعلق بالدعاء والاستغفار والصلاة على الرسول إذا كانوا متوجهين إلى وحداتهم، أما وهم عائدون منها فإن منهم من يكثر من الحوقلة، ويردد عبارات مثل حسبنا الله ونعم الوكيل، إن الله مع الصابرين، وعادة ما تعلو وجوههم ألوان الغيظ والانزعاج، ومنهم من يبدو هادئاً، سابحاً في خيالات بعيدة، لا تدل ملامح وجهه على مروره بوقت صعب في عمله، بل إن ثمة من يضحك عند حدوث أي مفاجأة من مفاجآت الطريق العادية التي تحدث في شكل يومي. لم يجرؤ سلمان إلى التحدث مع هؤلاء، فهو يخشى إن تحدث إليهم أن يصدوه بفظاظة، أو ألا يسمعوه على الإطلاق.
أما العمال، وما أكثرهم، فليس بعضهم بأقل من طلبة المدارس في الثرثرة والدفع بالكلام إلى ما لا نهاية. مثلاً، قال أحد العمال اليمنيين إنه لم ير زوجته وأولاده منذ خمس عشرة سنة، ورغم ذلك يجد في نفسه متسعاً للتفكير في سنوات قادمة يقضيها في الطائف من أجل العمل. سلمان، الذي لم يغادر منطقة الطائف في حياته، ولم يسبق له الزواج، لم يستطع فهم كيف احتوى الرجل مشاعره حتى غاب عن عائلته هذه المدة الطويلة؟ أخبره العامل اليمني أن الشعور بالغربة في مثل هذه الأمور، إنما يحدث في السنة الأولى، أي عندما تكون وجوه الأهل والأولاد والمعارف واضحة في الذاكرة، لكنها بمجرد أن تضمحل ملامحها، أو عندما يشعر المغترب بصعوبة استحضار تفاصيلها في باله، فإن الشعور بالغربة عن الأهل يقل تدريجياً حتى يغدو الأمر طبيعياً تماما.
لماذا نعقد حياتنا بلوم أنفسنا إذا جئنا للسعودية ولم نجد أعمالاً كنا نسمع في بلدنا أنها كثيرة وتدر أموالاً وافرة؟ الله هو الذي قدر لنا أن نأتي إلى هنا لنكتشف الحقيقة، ولو بقينا هناك لما تسنى لنا التأكد من الأمر. سمع هذا الكلام أو نحوه من عامل مصري يعمل سباكاً، قال إنه يحمل شهادة جامعية، وإنه في بلده كان يشعر بارتياح لأفكار وصفها بالإلحاد والكفر، ولكنه بسبب عوزه المادي لم يجد بداً من تعلم خبرة جديدة في العمل اليدوي لأكل العيش. قال إن حياته تغيرت كلياً هنا، ساكن مجموعة من العمال في شقة عزاب تقع في حي الشرقية، فنجح بعضهم بعد تمنع طويل من جهته في أخذه إلى المساجد التي تقام فيها دروس ومواعظ دينية. سمع الشيء الكثير عن الله، وعن الجنة، والنار، ويوم الحساب، فوجد نفسه في مسار آخر يختلف كلياً عما كان عليه في دياره. أطلق لحيته، ولبس الثوب السعودي القصير في أوقات راحته وصلواته، ولم تعد تشغله مسألة العودة إلى وطنه. قال موضحاً طريقة عيشه: هنا، أصلي براحتي، وأزور الحرمين من وقت إلى آخر، ولي أخوان في الله يؤانسوني في غربتي، كفيلي أحدهم، أخرج معهم إلى الدروس اليومية، وإذا لم تكن هناك دروس في المساجد، فإنا نجتمع في أحد البيوت للذكر وتجديد الإيمان، فلماذا أعود إلى رفقاء السوء الملحدين الكفرة، أخزاهم الله؟ ولكن ماذا عن أولادك وزوجتك؟ سأله سلمان بعدما رآه يشير بيده إلى جانب الطريق دلالة على وصوله إلى وجهته. لن يضيعهم الله، أجابه وهو ينزل من العربة أمام عمارة قديمة قيد الترميم في حي شهار.
فني كهرباء سوداني، قال إنه لم يمل من شيء عند كفيله الأول أكثر من ملله من أكل لحم الجمل. قال: عندكم يؤكل لحم الجمل كما تؤكل العصيدة عندنا في السودان. كنت أحب أكل الويكا في رمضان، ولكن كفيلي السابق لم يستسغها أبداً مع أنها عندنا من ألذ المأكولات. قال لي بالحرف ( : اخصر هذي العيشه اللي ما وراها إلا الجوع )، وبدلاً من تركي أعملها لنفسي في سكني، وأتمتع بها لوحدي، فتح لي سفرة طعامه، إفطاراً وسحورا. الإفطار في مسجد الحي على نفقته، والسحور في بيته مع مجموعة من أصدقائه ومعارفه، وكان كثيراً ما يقطع لي من لحم الجمل ويرميه إلي قائلاً ( كل يا زول واترك عنك الويكا ) إلى أن وجدتني في بقية ليالي رمضان لا آكل إلا ما يقطع لي من كثرة ما يرمي ناحيتي من اللحم. كنت آكل أحياناً لأني جائع بالفعل، وأحياناً أخرى كنت آكل مجاملة ليكف عن ترديد كلمة الويكا التي ذبحني بها. أصبت بعسر في الهضم، ولما لاحظ ذلك ألزمني بشرب حليب الناقة فأصبت بإسهال شديد حتى كدت أن أموت. الله عليه، يا زول. كان رجلاً كريماً متواضعاً للغاية. أما كفيلي الحالي فعلى النقيض من كفيلي السابق، رجل في منتهى البخل والتقتير على الجميع، لا أراه إلا بعد عدة شهور، يقولون إنه يسافر كثيراً، ولكنه في الحقيقة يهرب من مكفوليه لئلا يدفع لهم رواتبهم المتأخرة. المرة الأخيرة التي رأيته فيها كانت قبل شهرين، وكنت قد قررت المرابطة بالقرب من بيته، وألا أتحرك حتى يحاسبني في الأشهر الثلاثة المستحقة عليه. والآن، أنا أطالبه براتبي الشهرين الماضيين، ولكن أين هو؟ لا أدري، وكذلك بقية العمال الذين تحت كفالته لا يدرون. دنيا غريبة عجيبة والله، مع كفيلي الأول كنت آكل لحم الجمل، ولكن مع هذا الكفيل يبدو أنني أصبحت الجمل نفسه!!
العسكر، العمال، الطلبة، الموظفون المدنيون، وكل الذين تسنى له نقلهم من غير هؤلاء، كلهم لديهم حكاياتهم، وقصصهم، غير أن الذين يتكلمون يصلون إلى وجهتهم بسرعة، وعندئذٍ ينتهي الكلام بجو حميم من الوداع. أما الذين يفضلون الصمت فما أن يبلغوا آخر المشوار حتى يفتحوا الباب ببطء، وبعضهم يتردد في فتحه وكأنه لا يرغب في النزول، لكنه ينزل في النهاية ويمضي في طريقه تائه النظرات، وعادة ما ينتهي الأمر بكلمات مثل يا رب يا كريم، بسم الله.
عند حلول المساء، يعود سلمان إلى بيته المتواضع مثقلاً بالصمت، غير أن الأصوات التي يسمعها في يومه ذاك تظل تتردد في أذنيه حتى يشغل مذياع البيت على نشرة أخبار المساء. يحدث هذا كل يوم، يسمع من الركاب الكثير، ولا يسمعه أحد. في إحدى المرات خشي، وقد رأى بالوناً يحلق فوق العمارات، أن يطير يوماً مثل ذلك البالون بشيء لا يخصه، أن يطير بحكايات غيره، بينما تموت حكاياته هو في داخله كما تموت ثمرة التين الشوكي في أشجارها على سفوح جبال الطائف من دون أن يأكلها أحد؟
لم يسبق أن عرض سرد حكاياته على أحد فرفضها، لكنه يشعر أن أسلوب الحياة غريب في التعامل مع هذه الفكرة. كلما ظن أن الوقت في أفضل ما يكون لسرد بعض منها، وقعت حوادث مفاجئة تؤجل المناسبة. تكرر ذلك في أكثر من جلسة، أربع مرات في السنة الفائتة، والخامسة منذ حوالي أسبوع في شقة صديقه جبر حيث اشتعلت في أحد الأكياس الورقية نار البوتاجاز، ولو لم يبادرا إليها في الوقت المناسب ويسيطرا عليها لربما أحالت المكان إلى أنقاض. لم يقل أحد أن لحكاياته علاقة بهذه الحوادث، لكنه خشي أن ترتبط الحوادث السيئة بقصصه، أو بحضوره الشخصي، فيتشاءم منه الناس ويتجنبون الجلوس معه.
(فصل من رواية جديدة)