والورد وشعر التشكي الجميل

نعيم عبد مهلهل
(العراق)

((لاشيء يربطني بهذه المروج
سوي النسيم الذي تنشقته صدفة فيما مضي
ولكن من يلمس زهرة فيها
يلمس قلبي.))
محمد الماغوط

نعيم عبد المهلهلالشعر هو أن تنطق مافي جوفك . هذا في هاجسه الأممي والإنساني، وفي هاجسه العربي نضيف إلى الجوف أن الشعر هو أن تنطق مافي جوفك وما تراه أمامك، وحتما إن مانراه هو جزء اكبر في قياس صناعة الهاجس إلى مافي جوفنا .
نكتب الشعر، لكي نركب الموجة قبل غيرنا ونصير مميزون أمام من نهوى، امرأة كانت أم مجتمع ما. نكتب لكي نحول الخيال إلى وقيعة ما نصفه كحدث يحرك فينا الوجدان والضمير والعاطفة. نكتب لنكون ولكي ندرك مانريده حتى لو تحولت أصابع الشعر إلى أصابع للبنادق والسباب والزنازين، وعلى حد قول نيرودا : أنا اكتب كي أوقظ النائم باسترخاء أمامي ليسمع ما ينشط فيه هذه البطالة ويرميها عبر سياج الحديقة ولنبدأ من جديد .
وهذا ما كان يريده الشاعر السوري محمد الماغوط الذي رحل قبل أيام قلائل تاركا على رصيف ذاكرة الشعر كما هائلا من المنتج الشعري الذي سعى ليكون صوتا مميزا وحادا ولكنه كان في كل جمله يرتدي فتنة الموسيقى حتى وهي تتشكى حال ماهي عليه من وقيعة لمصيبة وجودها عبر مراحل لتنتهي، أزمنة الانقلابات والنكسات وهزائم الحرب والاحتلالات .
مات محمد الماغوط وهو يدرك تماما شكل نهايته، غير انه يحتفي بها لأنها تمثل بالنسبة له أخر القصائد المكتملة حيث كان الماغوط يعتقد إن في كل قصائده كان صوته عاليا ومدويا وآن له الآن أن يتلو قصيدته بهدوء وصمت وهذا لايتحقق إلا في الإغماضة الأخيرة .
لهذا أرى في موت رجل الشعر موتا للحظة من التاريخ لاتتكرر حتما وليذهب بسلامة الآلهة ونعوشها إلى الجهة التي يسكن فيها الآن فرجيل والشاعر السومري دانجي آدامو وامرئ القيس والفرزدق والمتنبي ودانتي وبودلير واحمد شوقي والسياب وخليل حاوي وسان جون بيرس وكافافيس وكل أفواج الشعراء التي غادرت منذ لحظة النزول وحتى موت عقيل علي على رصيف العزلة والقنوط ببغداد المحروسة رغم زعيق الدبابات،وماياتي بعده من موت الذي أضاء مشكاته باغماضة الماغوط الأبدية .
أذن هو من الصفوة التي لاتكرر ولن تتكرر وهذا يعني في مجاز الفقدان (مأساة لنا) إذ إننا لن نتمتع بجديد قلب الماغوط الذي كان يقطر مسكا حزينا على ذاكرة الفقراء والعشاق والمستلبين.
شاعر أول ما يدرج في خانة الهم لديه هو أن يحب ويصنع الحب ويصدر الحب حتى لو كان حزنا أو دمعة أو أصفاد سجين ففي حوار مشترك أقامه معه أكرم قطريب وشاكر الأنباري وعادل محمود نشره ملحق النهار البيروتية قوله مايؤكد حسيته العالية ورغبته أن يكون الحب مرتديا بساطته ليديم صلته في العالم:

(أنا لا أكره أحدا، لا أحب أحداً لم أكره، لم أحب في حياتي سوى الشعراء.
ليس هناك في الكراهية أنواع، كما ليس في الشر أنواع. ليس هناك أسهل من الاحتيال على. عندما يبكي أحدهم أمامي، أصدقه فورا... أنا لا أجدد في صداقاتي أو في عداواتي. الأعداء يأتون بأنفسهم، بشكل عفوي. أصدقائي منذ أيام السجن لا يزالون أصدقائي.) ..
أذن هذا رجل خلق لفطرة الشعر والفلسفة، خلق ليدرك في ذهنية أزلية فطرة الموهبة الشعرية لتكون هبة تغذي في العالم مشاعره أن مزيدا من الأمل لازال موجودا .
وربما كان الماغوط مخلوقا لهكذا هاجس ولكنه تميز أن يكون هاجسه حادا ورسالته واضحة، ملئية بكشوفات الهم الإنساني وفضح الغاية الشريرة وتصدير الجملة المشعة برغبة لنيل ما هو مفقود عند الآخرين .
شعرية هذا الرجل الشامي، هي شعرية مولودة بحس جمعي ومنتقى، شعرية مليئة ببريق صور الكشف لما يمكن أن يكون موجودا ولكننا لانراه إلا عندما نقرا الماغوط، لنرى الأشكال الحقيقية للجوع والسجن والقتل والحب والسعادة والفقر والألفة والغضب والهزيمة والمهزلة والعنف والبلادة والتشكي والحلم . هو يكتب لتنظيم كل هذه الروابط بجسد واحد هو جسد المتلقي ليعرف إن هذا الرجل لايكتب من اجل نفسه بل من اجل آخر يحسه مظلوما ومستلبا وعلينا أن نريه ما كان مخفيا أمامه لهذا تأتي الصورة الشعرية عند الماغوط على شكل موقف حتى في رداءها الرومانسي :

((مع تغريد البلابل وزقزقة العصافير
أناشدك الله يا أبي:
دع جمع الحطب والمعلومات عني
وتعال لملم حطامي من الشوارع
قبل أن تطمرني الريح
أو يبعثرني الكنّاسون
هذا القلم سيقودني إلى حتفي
لم يترك سجناً إلا وقادني إليه
ولا رصيفاً إلا ومرغني عليه)

- رمن مجموعة سياف الزهور-

هذه الذاكرة الأنيقة، المتوهجة كما ليلة مقمرة في دمعة جائع، الشعر البنفسجي الإيقاع الذي ورث دهور الهزيمة والبؤس برغبة عجيبة. شاعر الضوء الحاد والصور اللاذعة، هذا الذي يصف روحه بأنها خيال مقبوض عليه بجرم حب البؤساء وعمال المدن المنسية.
مات الآن بحتمية أحسها وهو يتسلم جائزة سلطان العويس وهو على الكرسي المتحرك .
كانت سعادة، مشاعر لم يعتدها العالم منه. فمنذ وفاة زوجته الشاعرة الرائعة سنية صالح والماغوط يصدر آهاته وجمالياته على شكل دموع معلبة بجمل تعي القول لماتريد لتأتي إلينا بمزاجات مختلفة، غير انه وقت الجائزة خلق لدى العالم مشاعر مختلفة وهو يراه يرتدي سعادة حقيقة في رغبة منه أن يكرم بقوة وبسطوع عال بعدما أحس بان الشهور القادمة هي شهور وداع الجسد والذاكرة وأيام دمشق وبيروت وحارات البؤس الذي كان الماغوط يرى فيها الحياة بشكلها الحقيقي لهذا نراه في بهجة الجائزة لن يتذكر أولا سوى زوجته سنية صالح التي يستذكرها في ابتهاج بالحوار الأدبي في ملحق النهار:
((تعرفت على سنية لأول مرة عند أدونيس، خالدة في بيروت. هي الحب الوحيد. نقيض الإرهاب، نقيض الكراهية. عاشت معي الفترة الصعبة.، أحملها في داخلي دائما. عاطفتي شموس، هي ليست مطواعة. كل ما أكتبه فيه شيء من السلمية، فيه شيء من الشام، فيه شيء من بيروت، فيه شيء من سنية. سنية أكبر من مدينة، إنها كون. بعد موتها صار حبها يشبه حب السلمية، ثمرة عشر سنين، لا تراها لكنك تظل تتذكرها. يستحيل أن يمضي يوم دون أن أذكر السلمية أو أذكر بيروت.
سنية شاعرة كبيرة لم تأخذ حقها. أنا أذيتها، اسمي طغى عليها، وهذا الذي لا يزال يؤلمني جدا. بعد موتها قررت أن لا أتزوج ثانية. فهي قدمت لي أجمل ابنتين في العالم: شام وسلافه. أن الحب لم يكن ابدآ مشكلة بالنسبة لي، الحرية هي هاجسي الأوحد. كل النساء من بعدها نجوم تمر وتنطفئ، هي وحدها السماء. كانت حياتنا جميلة، لكننا كنا دائما على خلاف. لم نتفق مرة على رأي. نسهر إلى الصباح، نبقى مختلفين. جلست بقربها، هي على فراش الموت أقتلى قدميها المثقوبتين من كثرة الإبر، فقالت لي عبارة لن أنساها: أنت أنبل إنسان في العالم. لا أحب الغيبيات. تسألني إذا كنت سأراها بعد الموت، كيف هذا وأنا في حياتنا المشتركة لم أكن أراها كما يجب.))
هكذا مشاعر عند شاعر كالماغوط تعني لنا إننا أمام روح متفردة تعي مشكلتها التي نبت في وجدانها وشكلت هما باتت تصدره قصائد ورؤى لنثر يهيمن في قدريته على مستويات وعي البسطاء والمثقفين ويقظ مضاجع الحكام وساسة وهم الخبز والرذيلة .
ندرك مع شاعر كالماغوط، حجم ما يلهمنا به الشعر وما نصنع من خيال أمنياتنا معه وهو في كل أعماله الشعرية والنثرية والمسرحية يحاول أن يكشف لنا مايريده من حياة للآخرين في ظل ما يعانون ويحلمون وتمتاز لغته بشعرية استرسالية هائلة تفتح للقارئ والسامع شيئا من نشوة الإصغاء والانسجام والتمتع .
ففي قدرته على بناء الجملة يصنع الماغوط فكرة من حماس الحروف ويصدرها بإتقان لتتحول حتى في تكوينها البدائي إلى نمط من اشتغال صعب وكشف مضئ لحالة يصعب العثور عليها، حتى وهي مصنوعة بقالب غنائي أو تهكمي أو كوميدي لأن الماغوط وبحكمة الفطرة والمخيلة والتجربة والمعاناة يهيئ لحظة كتابة النص الحاجة لتكون القصيدة بمستوى كل ذائقه لهذا نراه يعيد كتابة الجملة الشعرية عدة مرات ليصل معها إلى قناعة إنها صارت جملة شعرية، تلك الشاعرية المحكمة صنعت في رؤاها سيلا من المواقف والمباهج والتغني بالوجود على مستوى الوطن والأمة والعالم ليوصفه الشاعر اللبناني عقل العويط في إشادته برجل مبدع أخذته منا حافلة القدر المكتوب بقوله :
((بأي لغة أحتفي بشاعر من طراز محمد الماغوط؟ بشاعر كهذا الشاعر "البدائي"، المكتمل اللغة منذ البداية، ذي الموهبة الرائية، العارفة كعيني الصقر، والجارحة كطعم العسل المكثف، والحقيقية كصرخة اللحم الحي، والمغدقة بدون حساب وقواعد والمنبجسة انبجاساً، والنازفة كما الينبوع الذي ينادم لياليه، ضائقاً ذرعاً بكتماناته وبانتظارات الباطن، إلى أن يحل عليه فجر الخروج إلى سيولة اللذة والشبق!

لا أدري بأي لغة أقترب من شاعر كهذا الشاعر البدوي المقامر الذي يبذل روحه برمتها على الطاولة، كثروة لا ضرورة لها، وتواً، ودفعة واحدة بلا تمهيد ومقدمات، مضافة إلى حياته التي يريقها إراقة من يتلذذ بمشاهدة أيامه مسفوحة بكامل همجيتها وحواسها ونزقها وهوسها وضحكتها الساخرة، مرارتها السوداء!))
ورغم يموت هكذا نمط من الشعراء وعلينا أن نكتب بحقهم رثاءً مهيبا يستحق تلك الرفعة التي صنعوها لأنفسهم من خلال القصيدة، وسيكون الماغوط في الصف الأول .
هذا الموت الأرجواني المحتفي بذهن القصيدة ( الحلم، الحق، العشق، الرصاصة ) يتلبس شاعر المفردة المنفتحة على خيال الرغبة بصناعة العالم الجديد العالم الذي يصفه بيرس (انه يدخلنا في بهجة الانضواء تحت رايات الضوء لنصير قدسيين أو آلهة إغريقية)
وحتما سيجلس الماغوط تحت تلك الرايات التي تحدث عنه صاحب آناباز، وليصير موته جزءا من ملحمة الكشف والمكاشفة لوعي البشر وحاجتهم ليكون شعر الشعراء شيئا من خلاص مؤمل يقودهم إلى بر الأمان حتى لو في مساحة الأمل وحتما ستجيء اللحظة المناسبة التي تنبعث بها القصيدة لتصير صانعة لخلق نتمناه، حيث كان الماغوط يتحدث دائما عن لحظة قادمة متحققة وهاهي سنية صالح زوجته تكتب في مقدمة أعمال الماغوط الكاملة ما نصه:
(('أن موهبته التي لعبت دورها بأصالة وحرية كانت في منجاة من حضانة التراث وزجره التربوي، وهكذا نجت عفويته من التحجر والجمود وكان ذلك فضيلة من الفضائل النادرة في هذا العصر'))
رجل مثل هذا يصبح الاحتفاء به طقسا أسطورياُ حافلا ببهجة ما ندرك فيه من قيم وخلق وإبداع كبير. لهذا فان موت الماغوط نراه كشفا آخر عن قيمة ما كتب، وحتما سنراه بعد موته برؤية جديدة واشتغال نقدي جديد، وسنفتخر إننا عاصرنا بهجة رجل يعرف طريق الشعر كالماغوط،
رجل يحتسي القصيدة مع هدوء كاس خمرته ليرنا عذابات من نحلم من اجلهم .
لقد كان الماغوط يكتب دائما عن آخر ملئت عينيه بالدموع، ولكنها دموع أسطورة قلبه وهاجسه برفع شان تلك الدمعة وجعلها أقوى من الدبابة والسوط وزنزانة السجن .
شاعر كهذا لايستحق التمجيد فقط . بل يحتاج أن نرفع له رؤى النص الأورفي القائل :
(( أنتم أيها الآلهة الخالدون.. أنا أيضاً أروم أن أكون من جنسكم المبارك، ولكن الحظ وآلهة خالدة أخرى غلبتني، وأرسلت الرعد السماوي الضارب، وقد هربت من دائرة الحزن العميق الصعب، وخطوت إلى الذروة بأقدامي الخفيفة وانزلقت في حضن الربة ملكة العالم السفلي.. ابتهج لهذه التجربة! فأنت لم تخبرها قط. لقد أصبحت إلها بدلاً من البشر، وسقطت كرضيع في حليب. لك التحية لأنك سرت على اليمين خلال المرج ))
وحتما كشاعر عظيم مثل الماغوط كان يسير يمين المرج يستحق التحية .

طوبوغرافيا للسيرة الإبداعية لمحمد الماغوط :

ولد عام 1934 في مدينة سلمية التابعة لمحافظة حماه السورية
- يعتبر محمد الماغوط أحد أهم رواد قصيدة النثر في الوطن العربي.
- زوجته الشاعرة الراحلة سنية صالح، ولهما بنتان (شام) وتعمل طبيبة، و(سلافة) متخرجة من كلية الفنون الجميلة بدمشق.
- الأديب الكبير محمد الماغوط واحد من الكبار الذين ساهموا في تحديد هوية وطبيعة وتوجه صحيفة "تشرين" السورية في نشأتها وصدورها وتطورها، حين تناوب مع الكاتب القاص زكريا تامر على كتابة زاوية يومية، تعادل في مواقفها صحيفة كاملة في عام 1975 ومابعد، وكذلك الحال حين انتقل ليكتب "أليس في بلاد العجائب" في مجلة"المستقبل" الأسبوعية،وكانت بشهادة المرحوم نبيل خوري (رئيس التحرير) جواز مرور،ممهوراً بكل البيانات الصادقة والأختام إلى القارئ العربي، ولاسيما السوري، لما كان لها من دور كبير في انتشار "المستقبل" على نحو بارز وشائع في سورية.

أهم مؤلفات محمد الماغوط

  1. حزن في ضوء القمر - شعر (دار مجلة شعر - بيروت 1959
  2. غرفة بملايين الجدران - شعر (دار مجلة شعر - بيروت 1960
  3. العصفور الأحدب - مسرحية 1960 لم تمثل على المسرح .
  4. المهرج - مسرحية ( مُثلت على المسرح 1960، طُبعت عام 1998 من قبل دار المدى - دمشق
  5. الفرح ليس مهنتي - شعر / منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق 1970
  6. ضيعة تشرين - مسرحية لم تطبع - مُثلت على المسرح 1973-1974
  7. شقائق النعمان - مسرحية
  8. الأرجوحة - رواية 1974 (نشرت عام 1974 - 1991 عن دار رياض الريس للنشر
  9. غربة - مسرحية (لم تُطبع - مُثلت على المسرح 1976
  10. كاسك يا وطن - مسرحية (لم تطبع - مُثلت على المسرح 1979
  11. خارج السرب - مسرحية / دار المدى - دمشق 1999، مُثلت على المسرح بإخراج الفنان جهاد سعد .
  12. حكايا الليل - مسلسل تلفزيوني من إنتاج التلفزيون السوري.
  13. وين الغلط - مسلسل تلفزيوني (إنتاج التلفزيون السوري.
  14. وادي المسك - مسلسل تلفزيوني.
  15. حكايا الليل - مسلسل تلفزيوني.
  16. الحدود فيلم سينمائي (إنتاج المؤسسة العامة للسينما السورية، بطولة الفنان دريد لحام.
  17. التقرير - فيلم سينمائي (إنتاج المؤسسة العامة للسينما السورية، بطولة الفنان دريد لحام.
  18. سأخون وطني - مجموعة مقالات (1987- أعادت طباعتها دار المدى بدمشق 2001
  19. سياف الزهور - نصوص (دار المدى بدمشق 2001
  • أعماله الكاملة طبعتها دار العودة في لبنان.
  • أعادت طباعة أعماله دار المدى في دمشق عام 1998 في كتاب واحد بعنوان (أعمال محمد الماغوط) تضمن: (المجموعات الشعرية: حزن في ضوء القمر، غرفة بملايين الجدران، الفرح ليس مهنتي. مسرحيتا: العصفور الأحدب، المهرج. رواية: الأرجوحة.
  • تُرجمت دواوينه ومختارات له ونُشرت في عواصم عالمية عديدة إضافة إلى دراسات نقدية وأطروحات جامعية حول شعره ومسرحه. ...

أور السومرية 4 ابريل 2006

***

ها أنتَ تطيرُ إلى أُمِّك .... أيُّها العُصفور

عصام عيسى رجب
(السودان/الرياض)

(1)

عصام عيسى رجبأتخيلُّك الآن، وحدك من تملأُ الضحكة وجهه الكبير ....
ترثى لا شك لحزننا على رحيلك، و لا نملك سوى أن نحزنَ مهما .....
لكنك الآن الآن تمسك بيديها .... هنا فقط تبكي كما لم تبكِ من قبل .... تبكي، ولكن فرحاً هذي المرة، أنت يا من صرخت منذ ذلك الزمان الـبعيد "الفرح ليس مهنتي" .... تصالح الفرح الآن إذاً، وكيف لا، ألستَ في حضرة سَنيَّتك الصالحة ....؟! ماذا تراك تفعل سوى أن تمسك بيديها الغيمتين وتغلبك القصيدة .... أجل، هذي المرة فقط تغلبك القصيدة، لتكتُبَك يداها الغيمتان ....

(2)

كانت الساعةُ تجاوزت التاسعة والنصف مساءًَ بقليل .... وأنا أقلبُ "المورد القريب" أبحثُ عن معنىً لكلمةٍ إنجليزية ما سألني عنها إبني ذو السنوات الست، حين قرأتَ مذيعة الأخبار: رحل ....
سقط "المورد" من يدي أو سقط قلبي بين يدي، ولفّني الحزن .... كنت أتداعى وأجاهد ألملِمُ نفسي، حتى لا يراني ولدي وأنا أتداعى هكذا و يسألني السؤال الذي يفجعُ أكثر وأكثر / ما بك يا أبي ..؟! هل أقول له: مات محمد الماغوط .....

(3)

أمس ليلاً نظرت إلى رفِّ الكتب، كان أدونيس كعادتِه رابضاً هناك .... تفصحتُ معه كتابه "موسيقى الحوت الأزرق"، ثم شرعت أقرأ الفصل الذي يحملُ الكتابُ عنوانه، كان أدونيس يتكلم عن "قصيدة النثر" وذكر شكلاً آخر (نثراً - شعراً كما أسماه)، مثلما ذكر ما أطلق عليه "قصيدة الوزن"، وقال فيما قال" أحبُّ أن أشير إلى كتابات نثرية - شعرية تأخذ أهميتها من "أصوات" كتّابها، ومن "حضورهم" الفني المتميّز. أذكرُ تمثيلاً لا حصراً (وفيما عدا الرَّعيل الأول الباز الذي لا يحتاج إلى التذكير به، مُستثنياً مع ذلك الشاعرة سَنيَّة صالح، نظراً لغيابها الباكر، ولخصوصيّتها الفريدة المسكوت عنها ..." ولا شك أن أدونيس يشير إليك بأصابعه العشر في هذا "الرعيل الأول البارز"، وهل يجوز الحديث عن "قصيدة النثر"، وعن الشعر وحبر الكتابة إلا بذكرك .... هل تأملت ما قاله أدونيس عن "الخصوصية الفريدة المسكوت عنها" لسَنيَّتك الصالحة ...؟!

(4)

لم أشأ أن أنادي على أحد من أصدقائي الشعراء والغاويين، يحمل معي وأحمل معه جبل الفادحة، أذكر حين ناديت على "لقمان ديركي" ليلةً وقال لي أنه يشارك، وقتذاك، في تأبين "ممدوح عدوان"، فـ .... قلتُ إن ناديتُ على صديقٍ فهل آمنُ أنّه لم يسمع بعد برحيلك، فأكونُ أنا مَنْ .... هل يكون قد سمع وينظرُ من ينادي عليه ليحملَ معه فادحَته، فكيف ...؟!

(5)

إذاً فقد روَّضك الموتُ أخيراً*، أيُّها المتمرِّدُ على الحياة ....

(6)

قبل نحو ثلاثة أشهر من الآن كنت أقرأ "آثارك الكاملة"**، بعد انقطاعٍ عنها ليس بالقصير، لا عليك، فقد وعى القلبُ باكراً أنّ أمر هذي الأرض لا يستقيم، إن كان يستقيم، إلا بالشعر والشعراء الحقيقيين من طينتِك، وإن يكن من بابِ قول صديقك "نزيه أبو عفش": ندفعُ اليأسَ بالإغنيات / ونداري كآبتنا بالجميلِ من الكلمات ....
اقتنيت "آثارك الكاملة" بداية التسعينات، أول عهدي بالتشرُّد في عراءات الآخرين، ربما لتكون سنداً لقلبي أو .... كانت ظهيرةً وكنت أقرأ /

"في طفولتي،
كنت أحلمُ بجلبابٍ مخطَّطٍ بالذهب
وجوادٍ ينهبُ في الكرومِ والتلالِ الحجرية
أمّا الآن
وأنا أتسكَّعُ تحت نورِ المصابيح
انتقلُ كالعواهرِ من شارعٍ إلى شارع
أشتهي جريمةً واسعة
وسفينةً بيضاء، تُقلِّني بين نهديها المالحين،
إلى بلادٍ بعيدة،
حيثُ في كلِّ خطوةٍ حانةٌ وشجرةٌ خضراء،
وفتاةٌ خلاسية
تسهرُ وحيدةً مع نهدها العطشان ...."

ملأتني القصيدة عن آخري، ثمَّ غلبتني غفوتي فشددت لحافي وتهيأت للنوم .....
بغتةً فكّرت: ماذا لو مِت الآن ...؟! وحدي هنا أو /

"إذاً،
يُمكِنُ أن تموت
وحدَكَ ها هنا
وأنتَ مُلتَفٌّ
بلِحافِكَ الأزرقِ المُرَّقَط
أجل، مثلَ قِطٍّ وحيد ...."

تحسرت في كتابتي*** على صبَوات وشهوات عبرتني ولمَّا ..... وتذكرتُك، تذكرت تحديداً منحك جائزة "العويس" للشعراء، متأخرةً كعادة الجوائز أو فكعادة هِبات الحياة فـ ... /

" ...لستَ سوى شاعِرٍ مسكين
لم تقرأ أشعاركَ بعد
و لا تعرِف هل يقرأها أحدٌ بعدَك أمْ ....
وأمتع من هذا
أنَّك لن تفوزَ بجائزةِ الشعر
إلا بعد أنْ تشيخَ القصيدةُ في دمِك ....
دَعْ عنكَ أنْ تُعلِّقها البنات
على أستارِ غُرُفاتِهن ...."

(7)

أمس نهاراً كنتُ في المستشفى .... شيءٌ ما أصاب القلب، أهو الحزن الذي لا يرحل أبداً .... (فقط يرحل الأصدقاء والشعراء و الزمن الجميل بهم ....)، رسموا هناك قلبي، بغير ما ريشةٍ أو ألوان .... واقع الأمر، كانت الأجهزة هي التي ترسم .... قالوا لي عضلة قلبك أكبر مما يجب، وأني وُلِدتُ هكذا و ..... لا يا سادتي الأطباء، ما هكذا جئتُ للدنيا معطوب القلب ولكن أصاب القلب ما أصابه .... كيف لا يتضخم القلب وهو يمتص كل آنٍ وآنٍ مرارة الحزن على رحيل الأحباب شاعراً شاعراً ..... أما بكينا قبل حينٍ رفقيك "ممدوح عدوان" و .... القافلة تطول /

"كلُّ الأحبةِ يرتحلون
فترحلُ شيئاً فشيئاً مِن العين
أُلفةُ هذا الوطن ...." - أمل دنقل

***

أجل، كلُّ الأحبةِ يرتحلون ....

الماغوط، أسطورة الشاعر ويوميات المتسكع

حازم سليمان
(سوريا)

هو قدر الساحة الثقافية العربية ان تخسر كبارها من المبدعين الواحد تلو الآخر، في أكثر الأوقات حاجة إليهم، وهو قدره الماغوط ان يرحل عنا بعد زيارته الأخيرة لدبي، التي كرمته بجائزة العويس الثقافية، فكان حضوره طاغيا، وكان الجميع مسكونين بفضول الاقتراب منه، والحديث معه، فالماغوط يتجاوز كونه شاعرا ومبدعا إلى كونه ظاهرة بكل ما تعنيه هذه الكلمة.

وكان وهو المريض المتعب لا ينفك يلقي ضحكته المتحشرجة على الجميع، و لا يترك لسيجارته فرصة الانطفاء، متحدياً كل إشارات منع التدخين الموجودة في كل مكان، فهو بكل بساطة لا يراها، ربما لأنها قائمة على المنع وهو الذي عاش حياته وكتب الكثير من أعماله تحت طائلة المنع.

الماغوط لا يُرثى، لأنه بكل بساطة لم يمت، بل أقصى ما يمكننا تخيله، أنه يستريح في ركن مظلم من المقاهي والحانات التي كان يرتادها، لتكبر أسطورته على مهلها، أسطورة الشاعر الذي بنى مملكة من النثر، مؤسساً، ومجدداً، في سياق قصيدة انخلقت بين يديه، وكبرت حتى صارت، تُلمس، وتؤكل، وتُلبس، وتُردد في كل مكان.

الماغوط لا يُرثى، لأنه الراثي الأكبر لهذه الأمة، التي أضاعت بوصلتها من سنين طويلة، وراحت تتجلى أمامه بأشكال مختلفة، لكنها ظلت بأحسن حالاتها معتقلاً كبيراً، سراديب تعذيب، رقابات فكرية جائرة، صحف باهتة، ثم كان على هذا الرجل الذي خرج من بطن الفقر، أن يعيش هذه التجليات، وأن يرصدها بلغة دامية، صدامية، مؤرقة.

وكان عليه بعد أن توحشت الأنظمة، وكبرت أنيابها، للدرجة التي لم تعد فيها القصيدة، والمسرحية، والسينما، قادرة على فعل شيء، كان عليه ان يختار عزلته في منزله الصغير بعيداً عن كل هذا العبث والجنون.

كان الماغوط بيننا منذ مدة لم تتجاوز الشهر، استنشق ذات الهواء، وتحرك تحت ذات السماء، وتوقفت السيارة التي كانت تقله في تحركاته أمام نفس إشارات المرور، ولعله شاركنا الفرح بالمطر الذي هطل جميلاً وناعما عشية وصوله إلى دبي.

وكان السؤال الذي تكرر كثيرا ولا يزال، ما الذي كان سيفعله الماغوط بمبلغ الجائزة لو أنها وصلت إليه قبل عشر سنوات مثلا، أي مسرات كان سيحياها بيمينه ويساره، وهو الذي اختار ان تكون أفراحه، أفراح الناس اليومية.

وأن يكون ابن البلد، الذي رسم الفقر على وجهه ونظرته للأشياء، ملمحه الخاص والمؤثر، الرجل الذي فقد خيط سبحته برحيل زوجته المفجع، التي لم يستبدلها بأخرى، وإن تعددت الأخريات من حوله، لتظل سنية صالح شريكته في المحن، والتي كتب فيها واحدة من أجمل المرثيات، ومن أكثر قصائده حزنا، وهو الذي اتسمت تجربته بحزن ساخر فريد من نوعه.

كبيرة هي خسارة الماغوط، فمثل هذا الرجل تفتقده المدينة كثيرا، خطواته البطيئة المتثاقلة، نظراته العالقة في وجوه الناس الذين كان يتسكع بينهم، راصدا تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يلتقطها غير المتسكعين الكبار، ومن هنا فإن خسارة الماغوط ليست مرتبطة بكونه مبدعا عربيا كبيرا فقط، بل بكونه معادلة إنسانية مستقلة، جزيرة من الحزن.

وشاعر اختار الحياة كرهان مبدئي، وكمختبر لقدرة القصيدة أن تكون جزءاً لا يتجزأ من هذه الحياة، تلك القصائد التي كان يكتبها في المقاهي، والحاناة.

وباصات النقل العامة، مراكز التوقيف، قبل النوم وبعده، وخلاله، قصائد تكتب على عجل وبحساسية عالية ونادرة، توضع في الجيب الخلفي للبنطال، وتهمل بين أوراق البيت وفوضاه، ولذلك يفترض ان يكون في بيت الماغوط تركة مهمة من القصاصات والكتابات والملاحظات.

الماغوط لا يرثى بل يترك هكذا كما شاء، حراً، ومتحرراً، يلاحق خسائره المتلاحقة، " حتى حين ربح خسر " كواحد من فقراء دمشق، بيروت، القاهرة.

وكقيمة إنسانية كبيرة، مضى مع الحياة إلى أقصاها، ولعل قلة إصداراته دليل على انشغاله في يومياته، التي رحل قبل أن يكتبها، تاركا آخر أعماله الشعرية التي صدرت عن دار المدى تحت عنوان "البدوي الأحمر".

مضى الماغوط نحو أسطورته الخاصة، وعلينا كلما دخلنا احد المقاهي أو الحانات ان ننظر جيدا في تلك الزوايا المهملة، سيكون هناك، يضحك، ويدخن، ويكتب، ويصرخ في وجه الناس "مخذولاً أنا، لا أهل ولا حبيبة" أتسكع كالذباب المتلاشي "كمدينة تحترق في الليل" والحنين يلسع منكبي الهزيلين "كالرياح الجميلة، والغبار الأعمى" فالطريق طويلة و"الغابة تبتعد كالرمح".

البيان
2006-04-05

*****

الماغوط شاعرٌ خارج السرب

علي ربيع
(اليمن)

رحل أخيراً «مُحمَّد الماغوط»، رحل الرجل الذي لم يهزمه الزمن أو تتغلَّب عليه السنوات إلاَّ بالضربات الترجيحية - حسب تعبيره - لكنه ترك للذائقة الشعرية العربية ما يهزّها لقرون قادمة، كيف لا وهو الذي حفر بالكلمات معاني النكوص العربي وصوَّر - ساخراً - مشانق الحُرِّيَّة وأسواط القمع، بتلقائية المُتمرِّد وبلغة المشاعر الجماهيرية التي ترقب في صمت أوجاعها المتناثرة على الأرض دون أن تقول شيئاً سوى ما تقوله دموعها وجراحها وبؤسها الضارب في رمال الصحراء العربية منذ أزمنة سحيقة.
«محمد الماغوط»، شاعرٌ وأديبٌ عفويٌّ أفرزته الوحشية وصقلته العذابات، حينما بدأ يرى الحياة لم يرَ السماء، لكنه رأى حذاء القمع يسحق كيانه الداخلي قبل أن يسحق أضلاعه في غياهب السجن.
سخر «الماغوط» من حياتنا بمرارة وألم، وكان كما هو ذلك الساخر المُتألِّم الصعلوك الثائر الفقير الذي كتب الحزن في ضوء القمر وعاش في غُرفة بملايين الجدران هي الوطن، وأعلن لكل المتخمين أن الفرح ليس مهنته إطلاقاً.
المهمُّ، رأينا بمناسبة رحيله عن دنيانا أن نتذكَّره ونُذكِّر به في هذه الأسطر من خلال عدد من الشهادات عنه وعن إبداعه، فإلى تلك الشهادات:
طفولةٌ بريئةٌ وإرهابٌ مُسنٌّ
{ تقول عنه زوجته الراحلة «نسيبة صالح» في مُقدِّمتها لأعماله الكاملة الصادرة عن دار المدى بدمشق عام 8991م :

- مأساة «مُحمَّد الماغوط» أنه ولد في غُرفة مسدلة اسمها الشرق الأوسط، ومنذ مجموعته الأولى «حزن في ضوء القمر»، وهو يحاول إيجاد بعض الكوى أو توسيع ما بين قضبان النوافذ ليرى العالم ويتنسَّم بعض الحُرِّيَّة، وذروة هذه المأساة تكمن في إصراره على تغيير هذا الواقع، وحيداً، لا يملك من أسلحة التغيير إلاَّ الشعر، فبقدر ما تكون الكلمة في الحلم طريقاً إلى الحُرِّيَّة نجدها في الواقع طريقاً إلى السجن، ولأنها كانت دائماً إحدى أبرز ضحايا الاضطرابات السياسية في الوطن العربي، فقد كان هذا الشاعر يرتعد هلعاً إثر كل انقلاب مرَّ على الوطن، وفي أحدها خرجتُ أبحث عنه، كان في ضائقة قد تجرُّه إلى السجن أو ما هو أمرُّ منه، وساعدني انتقاله إلى غُرفة جديدة في إخفائه عن الأنظار، غُرفة صغيرة ذات سقف واطئ حشرت حشراً في خاصرة أحد المباني، بحيث كان على مَنْ يعبر عتبتها أن ينحني وكأنه يعبر بوَّابة ذلك الزمن، سرير قديم، ملاءات صفراء، كنبة زرقاء طويلة سرعان ما هبط مقعدها، ستارة حمراء من مخلفات مسرح قديم، ففي هذا المناخ عاش «مُحمَّد الماغوط» أشهراً عديدةً، ونفترض أن الشرق العربي بقعة سوداء على خريطة الماضي والحاضر، فما يكون لون المستقبل؟ ولنبحث بعد ذلك عن مصير الشعر والشعراء من خلال ذلك الظلام الدامس، وإذا ما استعملنا ضوء الذاكرة وجدنا أن «مُحمَّد الماغوط»، في وجه من الوجوه، جزء من المستقبل، لذا كان لابد من حمايته من غباء الحاضر، ألا يكون مستقبل شعرنا رماداً لو تركنا الشعراء للسلطة؟ ولأن هذا الشاعر محترق بنيران الماضي والحاضر، فقد لجأ إلى نيران المستقبل - وهو جزء منها - بحثاً عن وجود آخر وكينونة جديدة، فبدت الأيام الأولى كاللعبة لنا نحن الاثنين، لكن لمَّا شحب لونه ومال إلى الاصفرار المرضي وبدأ مزاجه يحتدّ، بدت لي خطورة اللعبة، وكان همّي الكبير أن يتلاشى الإعصار دون أن يخنق غباره «النسر»، فكنتُ أنقلُ له الطعام والصحف والزهور خفية، وكُنَّا نعتزّ بانتمائنا للحُبِّ والشعر كعالم بديل متعالٍ على ما يحيط بنا، وكان يقرأ مدفوعاً برغبة جنونية، وكنتُ أركضُ في البرد القارس والشمس المحرقة لأشبعُ له هذه الرغبة، فلا ألبثُ أن أرى أكثر الكتب أهميةً وأغلاها ثمناً مُمزَّقةً أو مبعثرةً فوق الأرض، مبقعةً بالقهوة، حيث ألتقطها وأغسلها ثم أرصفها على حافَّة النافذة حتى تجفّ، فكان يشعل نيرانه الخاصة في روائع أدبية، بينما كانت الهتافات في الخارج تأخذ من بعيد شكلاً معادياً، وقبل ذلك كان «مُحمَّد الماغوط» غريباً ووحيداً في بيروت، وعندما قدَّمه «أدونيس» في أحد اجتماعات مجلَّة «شعر» المكتظّة بالوافدين وقرأ له بعض نتاجه الجديد الغريب بصوت رخيم دون أن يعلن عن اسمه وترك المستمعين يتخبّطون «بودلير؟ رامبو؟»، لكن «أدونيس» لم يلبث أن أشار إلى شاب مجهول، غير أنيق، أشعث الشعر، وقال : «هو الشاعر»، ولا شكَّ أن تلك المفاجأة أدهشتهم وانقلب فضولهم إلى تمتمات خفيضة، أما هو - وكنتُ أراقبه بصمت - فقد ارتبك واشتدّ لمعان عينيه بلغة هذه التفاصيل وفي هذا الضوء الشخصي نقرأ غُربة «مُحمَّد الماغوط»، ومع الأيام لم يخرج من عُزلته، بل غيَّر موقعها من عُزلة الغريب إلى عُزلة الرافض، ومَنْ يدرس حياة هذا الشاعر يرى أن فترات الخصب عنده تتواقت مع الأزمات، فـ «العصفور الأحدب» وأعمال أخرى ما زالت مُخبَّأة في الأدراج، وقسم كبير من «الفرح ليس مهنتي» جاء نتيجة انفجار بشري داخلي عنيف حدث في أواخر ذلك الشتاء، وفي هذه الحميا أخذ يرى علائق الأشياء بعضها بالبعض الآخر، وأن هذه الارتباطات قد تنقلب إلى علائق خطرة فيما إذا تضخَّمت من طرف واحد تاركةً الطرف الآخر يرتجف دون حول أو قوّة، و«مُحمَّد الماغوط» يبحث عن الحماية منذ صغره، لكن كلما التجأ إلى ركن، رآه خانقاً كالسجن أو واهياً كالورق، فأراد أن يدخل كون الشعر، حيث لا سلطة إلاَّ للمتفوِّقين، وكانت البيئة المضطربة المُتقلِّبة، التي عاش في مناخها، تقف كالسوط في وجهه لتردّه باستمرار إلى الداخل، فيعتصم بمُخيّلته، وفي تلك المؤامرة الكبيرة التي حاكتها البيئة ضدّه عظمت براءته وقوي صفاؤه، وقد أعطته تلك الإقامة السرّيَّة فرصة كبيرة للتأمُّل الذهني، وتحت تلك العدسات كان الوجود الإنساني يدخل سلسلة من التحوُّلات، فسكب أحماضه المأساوية على الفوضى البشرية، وبدأ الوجود الواحد يحمل في أعماقه وجودات لا حصر لها، وهذا ما دفعه إلى أن يطرق ألواناً أخرى غير الشعر، ففي الشعر يمتطي حلمه ويغيب، ليس بمعنى التخلّي الشعوري عن واقعه، وإنَّما بمعنى الطموح المُلحّ لخلق وجود بديل عنه، وجود آخر يهيم معه في سفره، فغُرفة الشعر غُرفة ليّنة، واسعة، فضفاضة، تنتقل كلما أشار إليها الشاعر، أما الآن فلا مفرّ له، وهو داخل تلك الجدران المُتّسخة، من مواجهة الواقع، لذا انعكست أوضاعه على أبطال «العصفور الأحدب»، سجَنهم، خلقَهم مُشوّهين وبأمزجة حادَّة، مُتقلِّبة وشائكة، فالمسافة في المسرحة لا تنقلهم نحو أحلامهم أو نحو الأفضل، وإنَّما تحاصرهم، وعندما امتلكوا الحُرِّيَّة تغيَّرت مرتفعاتهم الإنسانية ودخلوا في علائق جديدة وشكَّلوا - مرَّة أخرى - لعبة الحاكم والمحكوم التي ما استطاعوا أن يذهبوا خارج حدودها، بالرغم من الحُرِّيَّات التي امتلكوها - في ما بعد - وفي «العصفور الأحدب» لم يلتق «مُحمَّد الماغوط» بجمهوره بمعنى المواجهة، بل التقى به في حالة الجذب والقيادة، ولأن الزمن بينه وبين الآخرين كان شاسعاً، فقد أُنكرتْ كعمل مسرحي وسُمِّيت قصيدة، وفي الحقيقة كان في «العصفور الأحدب» قائداً يسير خلفه جيش متهرئ، منكوب أرمد، لذا ارتدَّ القائد في «المُهرِّج» وفضح تلك المخازي، ويعتبر «مُحمَّد الماغوط» من أبرز الثوَّار الذين حرَّروا الشعر من عبودية الشكل، حيث دخل ساحة العراك حاملاً في مُخيِّلته ودفاتره الأنيقة بوادر قصيدة النثر كشكل مبتكر وجديد وحركة رافدة لحركة الشعر الحديث، وكانت الرياح تهبّ حارَّة في ساحة الصراع، والصحف غارقة بدموع الباكين على مصير الشعر حين نشر قلوعه البيضاء الخفَّاقة فوق أعلى الصواري، وقد لعبت بدائيته دوراً هاماً في خلق هذا النوع من الشعر، إذ أن موهبته، التي لعبت دورها بأصالة وحُرِّيَّة، كانت في منجاة من حضانة التراث وزجره التربوي، هكذا نجت عفويته من التحجُّر والجمود، وكان ذلك فضيلة من الفضائل النادرة في هذا العصر.

«حطَّابُ الأشجار العالية»
{ يقول الشاعر «شوقي عبد الأمير»، المشرف العام على مشروع «كتاب في جريدة»، بمناسبة صدور مختارات لـ «الماغوط» :

- أودُّ أن أشيرُ إلى أن حضور «الماغوط» في «كتاب في جريدة»، ليس تحيَّة لـ «الماغوط»، بل إنه تحيَّة لـ «كتاب في جريدة»، فـ «الماغوط»، الذي نُقدِّمه اليوم في «حطَّاب الأشجار العالية» هو فعلاً، وكما ألفناه وعرفناه، يقودنا دائماً في قصيدته إلى محرقة يحشد لها «الماغوط» أحطابه من كل ما يحيط بحياته ويومه وتفاصيل علاقاته بالناس والأهل والأصدقاء، بالشارع والدولة، بالأنبياء والشراذمة، وبالقتلة والرعاع، إنه يولم في كل قصيدة أحطابه وعريها ليشعلها بنيران اللغة عبر الشكل الأبسط والأسلوب الأكثر يوميةً، تاركاً وراءه هيكلية البناء الشعري وعمارة اللغة وتركيبة الصورة و امتداداتها الثقافية أو الثقافوية، ممسكاً بأبدان الصرخة والثورة اللفحة النارية واختراق اللقطة التي تختزن أزمنة وأمكنة بذكاء طفولة مُتمرِّسة بطعمة البراءة والنظرة الماكرة، كما أن «الماغوط»، الذي تُقدِّمه هذه المختارات، أحد أكبر روّاد القصيدة النثرية العربية، ريادة تُحقَّق بتلقائية وعفوية كاملة، فلم يستعدّ لها «الماغوط»، لا ثقافياً ولا نبوياً ولا فلسفياً، ولم يبحث ليُؤسِّس لها، فقد جاءت كقصيدة غنيّة بقدرتها على التدفُّق والبقاء والتأثير بما تحمله من حداثة ومفاجأة، فـ «الماغوط» شاعر خارج السرب، كل سرب، فليس له جوقة ولا حزب ولا مدرسة، جُلّ حضوره الشعري يترافق «صورة صورةً، قصيدةً قصيدةً، ديواناً ديواناً، ومسرحيةً مسرحيةً»، هكذا بنى بيته الشعري العالي، الذي يطلّ منه اليوم طائر مهاجر يعود إلى وكره كل يوم في القصيدة.

المُتسكِّعُ الحضاري
{ وعن «الماغوط» يقول الشاعر الدكتور «نذير العظمة» :
- «الماغوط» أذهل الوسط الثقافي، أقولُ ذلك عن تجربة، قد عرف كُلٌّ منَّا الآخر منذ كُنَّا في العشرينيات من العُمر، كُنَّا نمشي في الصالحية، أقرأُ عليه قصائدي ويقرأ عليَّ قصائده، وأذكرُ منها قصيدة اسمها «النبيذ المُرّ»، تعود إلى عام 2591م، نُشرت في «الآداب»، وأعتقدُ أنه نسيها، لأنها غير موجودة في أيٍّ من مجموعاته الشعرية، وهي تنطوي على هذه الحساسية الشعرية التي تقوم على بلاغة جديدة، فـ «الماغوط» لم ينجز سبقاً تاريخياً، بل أنجز سبقاً شعرياً بهذه الحساسية التي وُصفت مرَّة بالطفولة ومرَّة بالبراءة ومرَّة بالسذاجة وعدم الثقافة، . الخ، مع العلم أن «مُحمَّد الماغوط» قارئ ومُثقَّف يقرأ بشكل دائم ويرافق الحركة الثقافية والإبداعية، وكان يعرف كبار المبدعين ويختلط معهم ويتشاور في الغايات والوسائل، وهذه الحساسية الشعرية تقوم على خريطة البلاغة القديمة التي تقوم على المنطق الصوري - «التشبيه والمُشبَّه به» - فكان الشعر للنخبة، في البرج العاجي، والكلام عن التاريخ والوجدان والإنسان، لكن في صيغ متعالية، أما «الماغوط» فنزل إلى الشارع اليومي، وأخذ قضاياه من الشارع اليومي، واستطاع أن يكون شعره قريباً من الناس، فشعره للعامة، وشعر الآخرين للخاصة، ولو أردنا أن نُعالج شعر «الماغوط» من الناحية البنيوية لصرفنا عليه ندوات وندوات، لأن كل إنجاز قام به «الماغوط»، من القصيدة إلى المقالة إلى الرواية المتلفزة إلى المسرحية، يحتاج إلى ندوة مُستقلّة، فجيلنا جيل مغامرة وحلم، و«مُحمَّد الماغوط»، سيِّد الحلم والمغامرة، كان مُتسكِّعاً حضارياً ولاجئاً اقتصادياً، مُتمرِّداً إبداعياً، وأنتج إبداعاً من معاناة إنسانية تنطوي على همِّ الآخر وتبدعه خلقاً مستوياً بإنسان له كرامة وأمل بالمستقبل، والتقنيات التي استخدمها - «الصورة الحسيَّة، وهي شيء جديد على البلاغة العربية» - لم يُفكِّر بها البلاغيون، بل فكَّروا بالصور البيانية طبعاً، أما هو فقد أخذ بالتشبيه القديم، لكنه لم يخضعه للمنطق «الأرسطي»، بل ركَّبه تركيبات جديدة وأخضعه للحدس، لذا فإن تشبيهاته كلها تستحق دراسة مُستقلّة.

جامعُ المفردات الصغيرة
{ ويقول عنه الشاعر والروائي «أحمد يوسف داود» :

- ها هي ظاهرة جديدة لكي يُعبِّروا عمَّا ينبغي أن يُعبِّر عنه في عالم مكسور إلى هذه الدرجة، عالم لم يكن هو حطَّاب أشجاره العالية - مع احترامي للعنوان - كان زارعاً للأشجار العالية، وكان - أيضاً - جامع المفردات الصغيرة للحياة اليومية التي تُشكِّل صرخة فقراء بمقابل أغنياء، لم يستخدم فيها الكليشيهات ولا التعابير الدوغمائية، بل كان يمسك بالمفردات ثم يسكبها على طريقته، فإذا بها صرختنا جميعاً، وإذا بما قاله «الماغوط» هو صرختنا الاجتماعية، وإذا بما احتكمنا به هو ليس إضحاكاً بقدر ما هو احتجاج وإعادة بناء لنا من أجل أن نكون جديرين بهذا الوطن الذي لم تُفرض هزائمه كلها من داخله، بل فُرضت - أيضاً - من الخارج.

عذاباتُ «الماغوط»
{ أما الشاعر والكاتب المسرحي الأديب «ممدوح عدوان»، فيقول عن «الماغوط» :

- لم يظهر «مُحمَّد الماغوط» صوتاً في المشهد الشعري العربي في الخمسينيات، بل انفجر فيه قنبلة فراغية، ومنذ أصواته الأولى كان شاعراً فاجراً ومنفجراً، وهذا الرجل، الذي لم يهتم بوزن ولا قافية ولا آداب ولا شعائر سياسية، رأى نفسه مُشرَّداً وجائعاً وخائفاً، فعرف، ببداهة الإنسان الأول، أن العالم متآمر عليه، لذا فإن أيَّة مؤامرةٍ أخرى في هذه الدنيا الخادعة لم تكن تصلح لإلهائه عن مجابهة تلك المؤامرات الكونية، ولأنه لا يخجل من دموعه ومن هزائمه ومن الاعتراف بإذلال العالم له، فقد علَّمنا أن الاعتراف بهذا الذل هو النصر الوحيد الذي بقي لأناس مثلنا في عالم مثل هذا العالم، ولذلك لم أحسُّ يوماً أنني أقرأ «الماغوط»، بل إنه يُعلِّمني آداب الانفجار الوقح الذي لا يقيم اعتباراً لشيء، وكلما كنتُ أقرأُ «الماغوط»، كنتُ أحسن أن هذا الرجل يتغلغل إلى أعماق روحي ليجبرني على الاعتراف بالوضاعة التي أوصلني إليها هذا العالم الذي نعيش فيه، فهو ذا شخص وحيد في الدنيا يعلن أنه يحشو مُسدَّسه بالدموع ويشتهي أن يأكل النساء بالملاعق، ولا يرى فرصة للحنان إلاَّ أن يضع ملاءة على شارة مرور ليناديها : «يا أُمّي»، ويأمر الغيوم بالانصراف، لأن أرصفة الوطن لم تعد لائقة حتى بالوحول، وفيما نحن نرى التبجُّح بالقوّة الكاذبة، هو ذا شخص يُعلِّمنا أن نُحبّ ضعفنا، وأمام الانتصارات الإعلامية الخلبية يُعلِّمنا أن نعتزّ بهزائمنا، وأمام المراجل الوهمية يُعلِّمنا أننا بحاجة إلى البكاء، وأمام الانتماءات الضيّقة يُعلِّمنا أننا نملك الحقّ بأن نطالب أوطاننا بأن تُعيد لنا الأغاني والدموع وكل فاصلة في أناشيد حُبّنا لهذه الأوطان قبل أن تطردنا من جحيمها، وذات يومٍ كتب صديقي الشاعر «علي كنعان» : سيكفي جبهة التاريخ من أمجادنا أننا هُزمنا، وأقول اليوم باعتزاز : «سيكفي حماسة العرب الشعرية المعاصرة أن تحتوي على تلك الهزائم الوجدانية التي اعترف بها «مُحمَّد الماغوط»، والتي تبدأ من هزائم الجبهات إلى هزائم الروح، ومن خسارة الأرض إلى خسارة الكرامة، ومن الفجيعة بالحُكَّام إلى الفجيعة بالأهل، ومن الحاجة إلى اللقمة إلى الحاجة للدفء، ومن حاجة اليتيمة للأُمِّ إلى الحاجة الشبقة للمرأة التي تنغرز بين نهديها كالصلبان، فلقد هاجم «مُحمَّد الماغوط» وطنه وهو يمزق ملابسه كأيِّ امرأةٍ مفجوعةٍ وأعلن عن رغبته في خيانة وطنه، لكنني كنتُ أفهمُ المجاز الذي يشويه غضبه على ناره الهادئة، ولن أُصدِّقُ يوماً إلاَّ وصفه للرجل المائل، الذي يقصد به نفسه، والذي يتشرَّد مُتأبِّطاً كتبه ووطنه، ف «مُحمَّد الماغوط» لا يُقدَّم في أمسية تكريمية ولا يُقدَّم بكتابه المطبوع، بل يحقّ لمَنْ يتورّط بالإعلان عن ظهور شعره أن يُطلق صفَّارة الإنذار، فها هنا غارة شعرية على ضمائرنا وعلى كل ما تعوّدنا من كذب ومكابرة وادّعاء، إنني لا أُقدِّمُ لكم شاعراً، بل أطلبُ بينكم قنبلة اُنتزع صمَّام أمانها، فإذا قرأ «مُحمَّد الماغوط» شعراً أو إذا تورَّطتم بشراء ديوان له، فانزلوا إلى الملاجئ الأخلاقية التي تعودّتموها، البسوا الكمَّامات الواقية من الصدق الجارح وتسلَّحوا بالمُكيِّفات الإعلامية التي تعوّدتهم على تهدئتها وتخديرها، لكنني أقولُ لكم أنها لن تنفعكم، ما من شيء يحميكم من هذا الاعتراف الشعري الجارح بأوبئتكم ما دمتم تورَّطتم بسماعة أو قراءته، وأرجو أن أُحذِّركم بأنكم قد ترونه الآن رجلاً ضعيفاً يستند إلى عُكَّاز، هذا ليس رجلاً تقدَّم به العُمر، بل إنه رجل تقادمت فيه الهموم والأحزان والفجائع وتخمَّرت في أعماقه الدموع الحبيسة وتعتَّقت في روحه الآهات التي لم يسمعها أحد، وأحذِّركم - أيضاً - بأن القنبلة، التي يبدو غلافها صدئاً، هي انفجارية بالمقدار الذي كانت عليه دائماً، وهي - أيضاً - تلك المرآة التي أهملناها قليلاً، ويكفي أن نفتح آذاننا وضمائرنا ليتساقط عنها الغبار ونرى أنفسنا فيها على حقيقتنا، فقد استطاع «مُحمَّد الماغوط» أن يحرجنا ويجرحنا، لأنه ظلّ قادراً على الاحتفاظ بالطفل المقهور الذي كأنه الطفل، لا يندهش من الجمال ويفرح به - فقط - بل يشمئزّ من القبح ويبكي من الظلم، لقد صرخ منذ البداية : «ألا ترون كم هو العالم فظيع وعفن ومنتن! كم هو غير لائق بمعيشة البشر، كم يثير من القهر والغضب والبكاء!»، فاحتقان كهذا لا يعرف كيف يُقلِّم أظافره ليليق بأجواء الترف الشعري، ولا كيف يلبس الياقة والقفَّاز ليصلح لصالونات الأناقة الثقافية، فانفلت في الأجواء الأدبية حافياً مشعثاً رثَّاً كما لو أنه ما زال يلعب في وحل الحارة، ولم يهتم لملابسه المتسخة وقدميه الموحلتين، لم يهتم من نفور أبناء الصالونات أو الداعين إلى استتباب الأمن لاستعراضه الأناقات اللفظية والبروتوكولية، ببساطة قال لهم : «لم أجلب الوحل من بيت أبي ولم أتّسخ في حضن أُمّي، ولم يكن البكاء هوايتي ولا الجوع رياضة أمارسها، عالمكم وسخ وموحل ولعين ووحش، ولستُ معنياً بتنظيف نفسي وحتى بتنظيف أسناني لكي أساعدكم على الهرب من مسؤولياتكم عن وسخ عالمكم ومعاناة اليتم والغُربة والجوع والتشرُّد والكبت»، فقد أحبّ الوطن والنساء والحُرِّيَّة والتسكُّع والتدخين والشراب والمجاهرة بالرأي في الكتابة وتعرية العالم الذي يحيط به كل صباح، وهذه هي حدود ملكوت «مُحمَّد الماغوط»، وهذه هي حدود عذاباته ذاتها، فلم يكتب من قراءات أو تأملاته، بل كتب من زعيق بطنه الخاوية وارتجاف أعصابه الخائفة، وهكذا راح يكتب دون أن يهتم بتسمية ما يكتبه، حتى أنه ذات يوم خاف من أن يكون الذين يسمون كتابته شعراً يقصدون السخرية منه والضحك عليه، فشتمهم في مجلَّة أدبية رائجة، لكنه استمرّ يُمرِّر أصابعه المُتّسخة على الحيطان ويكتب بهذه الأظافر، فيثير الصرير والغبار لترتجف منه العظام وترمد العيون وليصبح واحداً من أهم الشعراء العرب، شعر، فليكن، يقول الماغوط : «ابحثوا أنتم - إذاً - عن قوانين لما أكتبُ ولا تُطبِّقوا عليَّ قوانين كتاباتكم»، فصدور مجموعته الكاملة أو صدور مختارته في «كتاب في جريدة» حدث مهيب وإرهاق سادي، إذ مَنْ سيطيق أن يُغامر بقراءة عذابات عُمر «مُحمَّد الماغوط» كلها دفعة واحدة؟ كم تستغرق منك قراءة المجموعة؟ يوماً، شهراً، أو المختارات، سنة؟ تصوَّر أنك ستتحمَّل في مُدَّة قصيرة كهذه عذابات رجل كان يتألَّم عن أُمَّةٍ كاملة وطوال جيل كامل، وقد ظلَّت روحه تئنّ تحت هذه العذابات طوال هذا العُمر المرير حتى فخَّخت قلبه وجسده، ونحن إذ نختار أن نقرأ شعره فإنَّما نجيء إلى مخبر التحليل بأنفسنا، والشاعر المخبري المُحلِّل سيُقدِّم لنا تقريره فيقول أننا مصابون بفقدان المناعة الأخلاقية والإنسانية والسياسية والوطنية، وأننا مصابون بالشلل الوطني وسرطان الجبن والتخلّي والتخاذل، فاقرأه دفعة واحدة إذا رغبت، لكن احذر القُرحة والرقابة، فهذا من الشعر النادر الذي يُحمِّل القارئ مسؤولية القراءة بمقدار ما حملها كاتبها حين كتبها، لكن «الماغوط» - لأنه مُؤدَّب بآداب الشعر العظيم المتصعلك المقهور الرجيم المُضمَّخ بالنزيف - سيوهمنا بأنه لا يتكلَّم إلاَّ عن نفسه وعن آلامه، ولكن دقِّقوا قليلاً، وستكتشفون أنه يحكي عنَّا جميعاً، لقد جئتم بأنفسكم، لأنكم بحاجة إلى مرآة، مرآة لا تعرف كيف تكذب، وتظهر الماكياج، لا تعرف كيف تُعزِّي، بل تعرف كيف تُقشِّر الجروح، مرآة تُظهر الشيب والجروح والعاهات، مرآة تُظهر الذل والدناءة والعوز وفقدان الأمان، فنحن بحاجة إلى مَنْ يقول لنا كم نحن بحالة مخزية، وهذا ما فعله «الماغوط»، وهذا ما يجذبنا إلى سماع شعره او قراءته.

اللُّغةُ المشتعلة
{ فيما يقول الكاتب «علي عبدالكريم» عن «الماغوط» :
- قد يكون «مُحمَّد الماغوط» واحداً من أكبر الأثرياء في عصرنا، إرثه مملكة مترامية، حدودها الكوابيس والحزن والخوف واللهفة الطاعنة بالحرمان، وشمسها طفولة نبيلة وشرسة، فقد عاش «الماغوط» مع الكوابيس، حتى صار سيِّد كوابيسه وأحزانه، وصار الخوف في لغته نقمة على الفساد والبؤس الإنساني بكل معانيه وأشكاله، فلغته مشتعلة دائماً، تُمسك بقارئها، تلسعه كلماتها كألسنة النيران، ترجُّه بقوّة، فيقف قارئ «الماغوط» أمام ذاته ناقداً باكياً ضاحكاً مسكوناً بالقلق والأسئلة، وفي قصائده ومقالاته ومسرحياته وأفلامه، قدَّم «مُحمَّد الماغوط» نفسه عازفاً منفرداً، وطائراً خارج السرب، لا يستعير لغته من أحد، ولا يأبه إلاَّ لنفسه في انتمائه وعشقه وعلاقته بالناس والأمكنة، وفيٌّ لعذاباته، قويُّ الحدس، شجاعٌ في اختراق حصار الخوف وأعين الرُّقباء، منحازٌ إلى الحُرِّيَّة والجمال والعدل، وله طقسه النادر في حُبِّ الوطن ورسم صور عشقه له التي تُقدِّمه مغايراً للمألوف في قيمه وعواطفه وانكساراته وأحلامه، ورغم إعلانه أن الفرح ليس مهنته، وأن غُرفة نومه بملايين الجدران، إلاَّ أنه بارع في اقتناص السعادة والاحتفاظ بها زمناً طويلاً، لكنها سعادة.

الثورة اليمنية
2006-04-05 –

يتبع ...