(1923 - 1998)

التغيير الكبير الذي أحدثتُه هو إنزال الشعر إلى الشارع
وتحويله إلى مادة متفجرة وحركات عصيان شعبية

نزار قبانيخمس سنوات مرّت على رحيل الظاهرة الشعرية العربية الكبيرة نزار قباني، "مالئ الدنيا وشاغل الناس". هذا الشاعر الذي حوّله شعره نجماً عربياً كبيراً وانتشرت كتبه أكثر من أي شاعر عربي حديث وقديم، كيف ننظر إليه اليوم؛ أضحى الكليشيات المعهودة "شاعر المرأة"، "شاعر الشارع العربي العريض"، الشاعر السياسي الأول؛ شاعر المراهقين وما يطلبه المستمعون؟
نبقي نزار قباني في الخانات التقليدية، أم نحرره كما حرر هو شعره من كثير من محمولات الحداثة وبعض الحداثيين، وتنظيراتهم، وانتقالهم، وتجريداتهم؟

في هذه الذكرى نستحضر فيها صورة هذا الشاعر الكبير، ولغته وحضوره ورسوخه، في ملف سيشارك فيه عدد من المفكرين والشعراء والنقاد والكتّاب اللبنانيين والعرب.

سميح القاسم
(فلسطين)
رحيل مدرسة الثورة والفن

ما تزال ذكرى رحيل نزار قباني مسألة صعبة، وغير منسجمة مع نبضات القلب، لأن رحيله ليس رحيل شاعر كبير فحسب، بل هو رحيل مدرسة فنية وثورة اجتماعية. وحين أتابع النقاش حول ما إذا كان نزار شاعر المرأة أو شاعر الرجل أشعر بحزن عميق، لأن صاحب (الرسم بالكلمات) كان شاعر ثورة اجتماعية خلقت قاموسها الشعري وأفقها الجمالي الجديد، وانتشرت عدواه إلى عدد كبير من الشعراء الكبار الذين لا يغيرون في الواقع شيئاً، إن هم أنكروا فضله عليهم.

كان الراحل صديقاً عزيزاً يحبني ويحترمني، وكان يصارح أصدقاءنا المشتركين وأفراد أسرته بذلك. وبخلاف الصورة النمطية عن نزار، فقد كان خجولاً وحزينأ، ورقيقاً جدا مع النساء اللواتي كنّ يعتقدن بأنه دونجوان. وكان قليل المباهاة بشعره وبنفسه، ويحمرّ وجهه خجلاً إذا غازلته إمرأة، كما كان أباً محباً لأبنائه وبناته.

وأذكر حزنه الرهيب على رحيل (توفيق)، كما أذكر أنني يوم استشهدت (بلقيس) أرسلت له رسالة مع أحد الأصدقاء وكان رئيساً لتحرير مجلة تصدر في باريس. ذلك الصديق أصر على نشر الرسالة، حيث التقيت بنزار بعد نشرها بأسبوعين،وحين هبط درج فندقه تعانقنا وبكى مثل طفل. وإن كان لم يذكر (بلقيس) بالاسم إلا انه قال لي: (يا سميح أرضنا العربية مالحة لا ينبت فيها سوى الدمع).

وعلى المستوى الفني للغة الشعرية العربية قدم قباني ما يمكن أن يقال بأن عمر بن أبي ربيعة قدمه. وفي السياق الثوري الاجتماعي قضى نزار حياته في محاولة الانتقام من البنية الاجتماعية الفظة التي تتعامل مع المرأة كأنها قطعة أثاث في المنزل، حيث إن لؤلؤة نزار الشعرية تبدأ بالسكين التي قتلت شقيقته لظرف اجتماعي.
وحين رحل نزار أحسست ليس بفقدان صديق، بل بانهيار جدار فني واجتماعي طالما لُذنا به. أحسست بالحصار يقترب مني، وكان رحيله إنذاراً بدنو أجلي شخصياً.
رحيل نزار والجواهري والبياتي، وضعني في حالة يُتم وثكل لا تختلف عن إحساسي يوم فقدت والدي.
وماذا بعد؟؟

أعتقد ان جنازير الدبابات الغريبة التي داست أحياء حب نزار في بغداد لم تأتِ فقط من أجل النفط، بل تريد أن تسحق الشعر والورد والثقافة، وأن تحوّلنا إلى أمة تعبد عائدات النفط، وتخون الشعر والفن ومتاحف الآثار وأسماء المبدعين الكبار.

هل أنا خائف؟؟

أجل خائف.

غياب نزار مفجع، فقد كانت بيني وبينه محبة خالصة، وأذكر ذات أمسية لنزار ان ابنته كانت تجلس بقربي، فسألتني: ما رأيك بشعر أبي، فقلت لها: أبوك (أزعر شعر) فصعقت، ولما ترجّل نزار عن المنبر أبلغَته بتعليقي، فضحك بصوت عالٍ وقال (هذا أجمل تعليق سمعته في حياتي).

كنت أقصد بعبارة (أزعر شعر) أن نزاراً ينتمي إلى أؤلئك الشعراء الصعاليك الذين قلبوا العديد من المفاهيم الشعرية والنقدية.

نزار لن يكون مجرد شارع في دمشق، أو مجرد ضريح، نزار حالة إنسانية وثقافية وسياسية أعتقد أن الخندق الثقافي العربي ملزم بالدفاع عنها، لأننا بذلك ندافع عن أنفسنا وكياننا ومستقبلنا.

***

عبدالله الغذامي
(السعودية)

قراءة الأنساق المضمرة

يبدو لي أننا في حاجة دائمة إلى إعادة النظر في القيم الرمزية لثقافتنا، ولا شك أن نزار قباني يمثل قيمة رمزية. وبما أنه كذلك، فإن قراءة الأنساق المضمرة في شعره ستكون ضرباً من النقد الذاتي لثقافتنا، حيث إن نزاراً لا يمثل نفسه، بل هو ناتج ثقافي لما قبله، كما أنه يمثل حالة استجابة للمعطى الثقافي. وبقدر ما صنع قباني نفسه، فإن قرّاءه صنعوه، من هنا فإن العيوب النسقية الثقافية في شعره ستكون عيوبا لنا وفينا مثلما هي متمثلة في شعره.

وأبرز هذه العيوب أن شعره ينطوي على فحولية لم نتبينها بشكل كاف، وشعره عن المرأة لم يكن سوى استجابة للتصوّرات الفحولية عن الجسد المؤنث، ولذا نجد عنده المرأة الجسد، ولا نجد عنده المرأة العقل.

العلة في نزار ليست في لغته وألفاظه، فلغته وألفاظه من أجمل ما نقرأ ومن أجمل ما نحفظ، وأنا من أكثر الناس طربا لشعر نزار، وأحفظه، وأرويه، لذلك فالعلة مشتركة بي وبه، وأنا لست سليما من النسقية ولا من التفحيل، لأنني أنا ونزار نتائج لثقافة نسقية، وهنا أقول ان نسقية نزار هي في الخلاصة الذهنية لمعطى الخطاب الشعري عنده، حيث نجد صورة الفحل الشعري التي لا تختلف عن الفحل السياسي.

إذن ماذا فعلت رقة ألفاظه وجمال أسلوبه ما دام أنها تعيد الأنساق القديمة بلغة جديدة. وهذا المحزن فعلاً، ان اللغة الجديدة لم تخلق نسقا جديدا، وهذا ما أعنيه بالأنساق المضمرة التي تختبئ وراء الوعي الحداثي، دون إدراك من الشاعر نفسه، ولا من قرائه وقارئاته.
لقد تباهى نزار مرة، وقال لقد حوّلت المرأة من (جارية) إلى وردة. ما الفرق هنا؟

كلتا الصورتين هما ناتج شبقي ذكوري، وليس بأي حال من الأحوال تصورا حداثيا للمرأة بأن تتحوّل إلى وردة؟

ستظل مادة للشم والاستمتاع، وإذا ذبلت ترمى كما ترمى الوردة الذابلة. أين الكائن العاقل القائم بذاته ولذاته ذكرا كان أم أنثى؟ هنا ما أقوله عن المادة الثقافية التي نستهلكها جماهيريا، ونستمتع بها ونطرب لها، ولكنها، كما ترى، تغرس في وجداننا العميق صورة الفحل، وتعزز النسق، كأننا هنا نتآمر على عقولنا عبر إخضاع وجداننا لهذا النوع من التدجين الثقافي.

***

عزالدين المناصرة
(فلسطين)

الشاعر الجماهيري الأول

ظل نزار قباني طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، الشاعر الأول في الوطن العربي كله، فقد أوصل نزار (القصيدة الحديثة)، وفق مفهومه للحداثة، إلى الشارع والناس العاديين، على عكس زملائه من الشعراء الرواد الذين ظل شعرهم محصوراً في النخبة.
حداثة نزار قباني، حداثة وسطية لا تتوغل كثيراً في تأمل عقلاني للوجود، ولا تسير باتجاه رومانتيكية الأربعينات. وبلا شك أن قباني هو أول شاعر عربي يجدد في موضوع المرأة، منذ عمر بن أبي ربيعة، حيث نقل هذا الموضوع نقلة تاريخية مفصلية في اللغة والمنظور، بغضّ النظر اذا ما كنا نتفق معه حول هذا المنظور أم لا. تغيرت اللغة في موضوع المرأة من لغة رومانتيكية إلى لغة واقعية يومية. حيث استخدم معجما شعريا لغويا مختلفا، يهتم بألفاظ كانت توصف سابقا بالهامشية واللاشاعرية، فقد ادخل نزار لغة عصره في قصيدته ضمن سياقات جديدة، لم تكن مألوفة. فالتحديث يعني، في أحد معانيه، مفهوم الإضافة بالقياس على الموروث، صحيح أن أي موضوع هو مرميٌّ على الطرقات، كما علّمنا الجاحظ، لكن نزار التقط موضوعا عاديا ليحوله إلى موضوع مركزي في شعره، وله فيه إضافة حداثية.
المسألة الأخرى حول نزار قباني هي قدرته الفائقة على التأثير في عصره، لقد كان أدونيس مؤثرا في (أطروحاته النقدية) ولم يكن مؤثرا في شعره، لأنها ظلّت قصائد عقلانية تأملية باردة، لا تمتلك خاصية الإيصال للقارئ العادي، فظل شعره يُتداول في دائرة محدودة ومغلقة، أما نزار قباني فهو على العكس من ذلك. فالشاعر الرائد في إحدى صفاته، يُفترض ان يكون مؤثرا في أبناء جيله، ونزار قباني كان كذلك.

عادة ما يكرر النقاد مقولة (تعددية الحداثات الشعرية)، وهذا بالتأكيد صحيح من الناحية النظرية، لكن النقاد العرب تراجعوا عند التطبيق، فمعظم ما كتب كان يدور حول حداثة أحادية تقنية تجريبية واحدة، وفي هذا التناقض بين النظرية والتطبيق في ممارسات النقاد، ظُلمت (حداثة نزار قباني).

كان نزار قباني ـ نجماً شعرياً عاليا في الستينات، تفجّر كل قصيدة له إشكالية، وقد استمعت اليه أول مرّة العام 1968 في مهرجان شعري بالقاهرة، وعندما انعقد أول مهرجان عربي للشعر الحديث في بيروت بدعوة من النادي الثقافي العربي في ديسمبر 1970 كان لي شرف المشاركة فيه مع نزار قباني وخليل حاوي وأدونيس وصلاح عبدالصبور وغيرهم، آنذاك كنا نمثّل (أنا وقاسم حداد وعبداللطيف اللعبي) تيار الشباب في المهرجان، وبلا أدنى تردد، كان نزار، نجم المهرجان، آنذاك أعلن نزار، وكان يحب فلسطين، إعجابه بجرأتي الشعرية، خصوصا في مجال تفصيح العاميات والعشق الصوفي. فسعدت بشهادته.

نزار قباني، قيمة حداثية خاصة، وما يزال الشاعر الجماهيري الأول، حتى بعد رحيله، وهناك أدلة كثيرة على ذلك.

***

فخري صالح
(الأردن)

أنزل الشعر العربي من عليائه

كان نزار بحق واحداً من أعلام الحداثة الشعرية العربية في القرن العشرين، وبغض النظر عن رؤيتنا للقسم الأكبر من شعره الذي انغمس في وصف حال العرب بأسلوبية مباشرة وتكرار يعيد الصور والاستعارات نفسها، إلا أن نزار قباني يبقى الشاعر الذي أنزل الشعر العربي من عليائه ليمشي على قدمين إثنتين بين الناس . وكانت مجموعاته الأولى التي انحسر موضوعها في المرأة والتغزل بها من أهم ما صدر من شعر في أربعينيات القرن المنصرم ومطلع خمسينياته.

أما ما جاء من شعر فيما بعد، فقد أعاد فيه نزار قباني موضوعاته الأولى، وربما موضوعه الأثير المتصل بالتغزل بالمرأة، وتكرر قاموسه فيما تلاه من مجموعات على مدار أربعين عاماً تقريباً.
ولا يعني هذا أن نزار قباني في (حزيرانياته) وما شابهها من شعر ركز على نعي العرب وتفصيل هزائمهم شعرياً، كان أقل إبداعاً، بل إن هذه القصائد تحتل مكانها الذي تستحقه في تاريخ الشعر العربي المعاصر، فهذا الشعر كان وراء شهرة قباني أكثر من غزلياته، على الرغم من مباشرة اللغة الشعرية واتكائها على الشتيمة أحيانا وتكرارها القاموس الشعري نفسه على مدار عقود وعقود.

لكنّني أعتقد أن نزاراً الذي سيبقى في الذاكرة الشعرية العربية، هو صاحب (طفولة نهد) و(قالت لي السمراء) وبضعة دواوين كتبها في المراحل الأولى من تجربته الشعرية التي شهدت ما يمكن تسميته (البرناسية) في الشعر العربي المتمثلة في تلك الأناقة اللغوية التي تسربت اليه من شعر سعيد عقل، وكذلك القدرة المميزة على وصف المرأة وجسدها بصورة حسية عالية لا نجدها إلا عند الشعراء الكبار في تاريخ الشعر العربي مثل عمر بن أبي ربيعة وآخرين من شعراء العصر العباسي.

ونزار، رغم نظره إلى المرأة بصفتها جسدا في الأساس، إلا أنه استطاع أن يجذب إلى شعره قطاعات واسعة من القارئات والقراء الذين وجدوا رؤاهم وخيالاتهم تتحقق على صفحات دواوينه.

***

موسى برهومة
(الأردن)

سيرة

ولد في دمشق عام 1923، بسوريا. تخرّج في كلية الحقوق، بالجامعة السورية عام 1944. عمل في بداية حياته بالسلك الديبلوماسي، ثم أسس داراً للنشر في بيروت. ألف العديد من الأعمال الشعرية التي ذاعت في الأوساط العربية.

من أعماله الشعرية: ديوان "قالت لي السمراء"، عام (1944) "طفولة نهد" (1948)، "سامبا" (1949)، "أنت لي" (1950)، "يوميات امرأة لامبالية" (1968)، "قصائد متوحشة" (1970)، "كتاب الحب" (1970)، "100 رسالة حب" (1970)، "أشعار خارجة على القانون" (1972)، "أحبك أحبك والبقية تأتي" (1978)، "كل عام وأنت حبيبتي" (1978)، "أشهد أن لا امرأة إلا أنت" (1979)، والعديد من الأعمال الأخرى.

من مؤلفاته الأخرى: "الشعر قنديل أخضر"، "قصتي مع الشعر"، "عن الشعر والجنس والثورة"، "إمرأة في شعري وفي حياتي".

المستقبل
الثلاثاء 27 أيار 2003

***

رسائل غير منشورة من نزار قباني إلى ياسين رفاعية

بيني وبين الشاعر الراحل نزار قباني عشرة عمر، منذ عام 1958 إلى يوم رحيله، وكنت دائماً إلى جانبه، من دمشق، إلى بيروت، إلى لندن، وكنا نلتقي لقاء شبه يومي، تبادلنا رسائل عديدة، خصوصاً عندما كان المستشار الثقافي في السفارة السورية في مدريد، في أوائل الستينات.
هنا، أسمح لنفسي بنشر هذه الرسائل الأربع التي لم تنشر سابقاً، أرسلها لي في مدد متفاوتة، وهناك رسائل أخرى أحتفظ بها لأن الشخصي فيها أكثر من العام:

عزيزي ياسين،
تأخرت قليلاً في الكتابة إليك. والسبب هو سفري إلى المغرب العربي بدعوة من اتحاد كتّاب المغرب لإلقاء محاضرات وإحياء أمسيات شعرية. وقد عدت أمس من المغرب بعد قضاء عشرة أيام فيه كانت شيئاً لم يعرفه تاريخي... ولا تاريخ الشعر، فقد استقبلني الجمهور المغربي استقبالاً كان فوق أحلامي وتصوري، ألقيت قصائدي في جامعات الرباط وفاس وتطوان وفي مراكش وطنجة وفي القرى المتناثرة على جبال الأطلسي... وأوصلني الشعر حتى إلى مناطق البربر...

لا أستطيع أن أصف لك ما جرى. كل ما أستطيع أن أقوله لك أن البوليس قد حماني أكثر من مرة من ضغط الناس على صدري... وفي مقر اتحاد الكتّاب في الرباط... كان الناس يجلسون على أشجار الحديقة... كالعصافير الليلية...
ثبت لي أن الشعر هو تلك التعويذة المسحورة... التي تحوّل تراب الأرض إلى ذهب... وتذيب الحدود والصخور بين بلدان العالم العربي...

الشعر بخير... وبلاد المغرب العربي بخير... وقلب الإنسان العربي في كل مكان... هو بخير أيضاً.

وصلتني (مجلة الأحد) التي نشر فيها مقالي، وقد أعجبني إخراجاً وتبويباً وتقديماً. فلك ألف شكر وللصديق الحبيب رياض أطيب مشاعر المودة والتقدير... والشكر على ما يظهره في كل المناسبات من نبل وشهامة.
قرأت أيضاً رد نقولا قربان على المقال. وقد أحسست أن (الأحد) تآمرت عليه... بذكاء... حين نشرت قصيدته المنثورة... إلى جانب الرد... وهكذا انتحر قربان بخنجر كلماته هو...

شعرت أن (الدولاب) بدأ يدور معك... وان مرحلة اليأس قد تبخرت من رأسك تماماً... كم أنا سعيد وفخور بك.

يبدو أن المولود الجديد قد حمل معه رزقه... وزجاجة حليبه. ألف مبروك يا أبا بسام، وتهنئتي للسيدة أمل والله يرعاكم أنتم الثلاثة بعنايته.

واسلم للمحب
نزار قباني

***

أخي ياسين،
أبعث إليك بأطيب تحياتي وأشواقي راجياً أن تكون ومن معك في طمأنينة وسلام... ومتمنياً لك كل الخير وكل التوفيق وكل النجاح لمشاريعك حيث كانت. وأعيد عليك أن لا محل لليأس بالنسبة للمستقبل، فكل الناس يتزوجون وكلهم ينجبون أطفالاً. فما دمت تملك الشباب والعزيمة والطمرح فلا بد أن يفرجها الله ويوصلك إلى المحل اللائق بك.
حالت الحوادث الأخيرة دون إتمام مراسيم نقلي، ولا أزال مجمداً أنتظر فرج السماء مثلك. وفي كل يوم يزداد إيماني أكثر فأكثر بمشاريع المستقبل. وما أسعد اليوم الذي أجد فيه نفسي وراء طاولة وبضعة أوراق... ونافذة مفتوحة على الأفق... ولا أطلب أكثر من هذا...
قضية زواجي هي نكتة الأسبوع... ولا أدري من أين سقط عليك الخبر؟
اطمئن... لأنني لا أزال أكتب شعراً...
عندي لك خبران بإمكانك نشرهما في (الأحد) أو غيرها إذا وجدت ذلك مناسباً.

1 ـ نشرت جريدة " A. B. C " أكبر صحيفة تصدر في اسبانيا مقالاً افتتاحياً في صفحتها الأولى في وداعي، تحت عنوان (تحية وداع إلى شاعر عربي) بقلم الفونسو ده لاسيرنا مدير العلاقات الثقافية في وزارة الخارجية الاسبانية. وهو أديب كبير وابن أديبين من أكبر أدباء اسبانيا. والمقال له قيمة خاصة لأن جريدة " A. B. C "لم يسبق أن أفردت صفحتها الأولى لأي ديبلوماسي عمل في اسبانيا. وهذا المقال يعتبر تكريماً عظيماً للعرب جميعاً لا لي فحسب. وأبعث لك رفقاً بالمقال باللغتين الاسبانية والعربية لتتصرّف به كما تشاء. وبالإمكان تصوير صفحة الجريدة لتكون الفكرة عن المقال أكثر صدقاً.
2 ـ منحني الجنرال فرانكو رئيس الدولة الاسبانية منذ أسبوع وسام الاستحقاق المدني الاسباني تقديراً للجهود التي بذلتها خلال عملي في مدريد في حقل الثقافة العربية الاسبانية. وهذا الوسام أعتبره تكريماً لأدب بلادي وتقديراً للشعر العربي الذي استطاع أن يخرج من حدوده الإقليمية إلى الآفاق العالمية... والضمير العالمي الذي لا يعرف مع الأسف شيئاً عنا وعن أدبنا.
قرأت اليوم في مجلة الأحد قصيدتي (تمزيق)... وفيها غلطتان شنيعتان... (الوسادة بدل الوساد. وغير السجائر عوضاً عن غيم السجائر)... إذا كنت أنت مرسل القصيدة... فأرجو إنقاذ ما يمكن إنقاذه... ولو بعد خراب البصرة...
بانتظار أخبارك السارة (لا المقطبة) أرجو لك وللسيدة أمل وللعزيز بسام أسعد الأيام.

واسلم للمحب
نزار قباني

***

عزيزي ياسين،
لا تؤاخذني على صمتي الطويل. فما صمتي بيدي... ولا كلامي بيدي. وإنما هي حالات تعتري المرء فلا يدري متى يقول ومتى لا يقول. وأنت أعرف مني بمثل هذه المناخات التي تشبه المناخات الاستوائية...

أعيش في هذه الأيام في حالة رحيل. فقد صح عزمي على العودة كما صح عزمي على بيع الوظيفة وبيع عبوديتها... بأي ثمن. حقائبي حولي تنتظر الإبحار، وفي وجداني شعور حلو يشابه شعور ملاحي السفن قبل رفع مراسيهم.
في ذهني أشياء كثيرة، وفي صدري رغبات يكاد الصدر يضيق بها من فرط طموحها. لا أخاف كثيراً من شكل الغد، المهم أن نتصوّر شكل الغد وأن نصنع صورته كما نريد.

هذا كلام ليس للنشر في أي مكان. فأرجو أن تحتفظ به بيني وبينك حتى تسمح الظروف بنشره أو بالتحدث به.

لا تزال (الأحد) تصلني باستمرار وقد قرأت فيها قصيدتي (غرناطة) وأظن أن لك يداً في نشرها وتقديمها. كما قرأت في النهار رسالتي التي بعثتها إليك عقب عودتي من المغرب. فألف شكر على عاطفتك واهتمامك.
وأنت ما هي أخبارك في هذه الأيام؟ هل استقر بك المقام نهائياً في دمشق، وهل وجدت عملاً مناسباً يضمن لك الاستقرارين المادي والنفسي. أعتقد أن الظروف أصبحت أحسن مما كانت عليه كما أصبحت فرصة عودتك إلى وزارة الثقافة أو الإعلام أكبر.

مهما يكن من أمر فإني على يقين من أن إمكانياتك سوف توصلك إلى المكان الذي يليق بك. فلا تتعجل الأمور كما كنت تفعل في بيروت، لأنه ثبت أنك تستطيع أن تفتح طريقك في كل مكان تكون فيه.

إذا سارت الأمور بشكل طبيعي، فسوف أكون في دمشق في أوائل شهر نيسان. فإلى أن نلتقي أرجو لك دوام السعادة والتوفيق. والله يرعاك وأسرتك الصغيرة أخي العزيز.

نزار قباني

***

عزيزي ياسين،
محبتي وأشواقي. وكل عام وأنت بخير، مع العزيزة أمل وكل أفراد العائلة بما في ذلك العروس الجديدة...

وإياك أن تعترف بلقب (جد)... لأنني كذبته في مؤتمر صحفي منذ خمسة عشر عاماً... وصدَّق الناس كذبتي... واعترفوا بعذريتي...

فيما يتعلق بزيارتي للندن... كانت زيارة عمل خاطفة ليومين، لم أتصل فيها بأحد. لأنني جئت من أجل مهمة محددة. فلا تعتب عليّ.

يظهر أن قصيدة (أطفال الحجارة) لعبت دوراً كبيراً في داخل الأرض المحتلة... فقد وصلتني ترجمة أخرى لها في جريدة (جيروزاليم بوست) بالانكليزية بالإضافة إلى ترجمة (يديعوت أحرونوت) العبرية... كما كتب إليّ الصديق الشاعر سميح القاسم، يخبرني أن القصيدة نشرت عدة مرات في مدن الضفة الغربية، ولاقت تجاوباً خطيراً... فالحمدلله. فماذا يطلب الشاعر أكثر من أن يكون الناطق الرسمي باسم الجرح العربي؟؟

بخصوص الحوار مع جريدة (النهار) أنا حاضر... لأن لبيروت مكانها الأبدي في القلب. أما الاستفتاء الذي حدثتني عنه فلا أجد شهية للمشاركة فيه، فأرجو قبول اعتذاري. والبركة في بقية المشاركين.

سأسافر في الأسبوع القادم إلى القاهرة للمشاركة في الاحتفالات الشعرية التي تقام على هامش معرض الكتاب الدولي في القاهرة. وسأعود في أوائل شباط إن شاء الله. فأرجو أن تبعث لي بأسئلة (النهار) في الأسبوع الأول من شباط.
أشكرك على رسالتك. وأتمنى لك عاماً سعيداً يحمل إليك السلام
والطمأنينة.

واسلم للمحب
نزار

المستقبل 
الثلاثاء 27 أيار 2003


إقرأ أيضاً: