عقل العويط
(لبنان)

المعرض ت. مصطفى الدين
(من المعرض ت. مصطفى الدين)
التعبير اللوني في اضطراماته القصوى

معرض الرسّام العراقي جبر علوان (من مواليد بابل 1948)، المقيم في إيطاليا، يتيح للعين التي تزور صالات "دار المدى" في بيروت (25 أيلول 9 تشرين الأول 2003) أن تستعيد لذة الانصعاق والوقوع في غرام أعمال تشكيلية فذة (22 لوحة أكريليك من أحجام كبيرة ومتوسطة)، مضى زمن طويل قبل أن نرى مثيلاتها. لوحات اللون والحلم هذه، تربّت في ثقافة الجحيم الدانتوية لتسعف مسعى الرسّام التعبيري في الكشف عن مكنوناته العراقية، حيث تنبىء موهبةُ اليد التي صنعتها بأنها لمستحقةٌ الانضمام الى أوركسترا الفنون الكونية الخلاّقة في "عولمة" حياتنا الراهنة.

ليس من ذاكرة بيّنة في لوحات جبر علوان، وليس أيضاً ثمة حنين. لا بلاد ولا أرض ولا طفولة. وليس هناك من سماء لتؤوب إليها النجوم الشاردة في متاهة الصحراء. وليس ثمة دجلة والفرات لينزل قمر النهرين عارياً فيتهادى غاوياً وسكرانَ في اللجة المختلجة. ليس ثمة من عراق كي تبحث العين عن رنين المجاذيف في القلب، أو عن وجع الصهيل في ظلال النخيل. لكن الغياب الأوليّ لهذا كله سيكون "ذريعة" لتأليف سطح تعبيريّ يضج بانصعاق التوتر الخلاّق. وسيكون في الآن نفسه "ذريعة" ثانية، على مقربة، لهدوء يغلي فكأنه سينبىء بارتفاع الستار الجريح بعيد هنيهات وامضة.
سأبحث في لوحات جبر علوان عما يسبق إقامة الاحتفال، لكنْ عما سيظل مضمراً وغير مرئيّ. فالعنف المتوتر الذي يتخلّق به الحجم واللون سيتم تجييره ليس لصالح لحظة بصرية عراقية مشرقية مكشوفة أمام عين القنّاص، إنما فحسب لصالح الكثافة التشكيلية وتراكماتها الثقافية.

ثمة هنا هندسات وتعبيرات وألوان جارحة فاقعة، وأحياناً متلاشية. غايتها ذاتها. وهي ستكشف، ببصماتها الجامحة الأنيقة الذكية والمترفعة، النقابَ الخفر عن طبقات بصرية دفينة لبلاد ولأرض ولأمكنة، ولرجل وحيد آثر المضيّ في المعترك التشكيلي المتوتر حتى آخر مطافه "الغربي".
لن يحضر العراق في لوحات جبر علوان برموزه البصرية، مثلما يحضر لدى رفاق رعيله من الفنانين العراقيين. هو يحضر في التحت، في العمق، كصراخ وقلق المعرض ت. مصطفى الدينوجموح وتوتر. وليس من باب الصدفة العابرة أن يكون هذا الرسام من بابل نفسها، وأن يكون نشأ في تلك الرحم، في ذاك الخضمّ الهائل الحاضن في أتونه الخالد خبرات البراكين والأقدار واللعنات وذكاء تناقضاتها المتآلفة.
بل سيمثل العراق في خفاء اللوحة الشعري والدلالي. ولا تصل أعمال جبر علوان الى هذه القدرة البيّنة من الإثارة إلاّ عبر استحضار ثقافة تشكيلية واسعة. ثقافة تختزل عالماً متنوعاً من التجارب ستمده بضربات مونيه ولطخاته واختزالاته، وبشخوص ألغريكو، وبألوان المدرسة الوحوشية، وبمناخات رامبرانت المصقولة بتزاوج الضوء القوي والظل الكثيف، وبكائنات فرنسيس بيكون في أقصى حالاتها توتراً وعصبية.
ثمة خلف المشهد الساكن الذي تضطرم فيه اللوحة، ديناميةَ خطوط وحرارةَ ألوان، مسرح يسمح هدؤوه الظاهر بالسعي الى خلق حالات شديدة التناقض، وتالياً شديدة التأثير.
فليس ثمة استقرارٌ خلف هذا الاستقرار الماكر. ليس ثمة استقرارٌ البتة. هو محض غليان تسعف الى بلوغ حالاته القصوى تناقضاتٌ بين المساحات الواسعة والكتل الكثيفة الحركة والخطوط الهندسية الحادة من جهة، وتلك الخطوط الأخرى التي لا يستقيم وجودها إلاّ كطاقة موحية وحية لا يمكن لمسها.
ناهيك بالعالم اللوني الذي يتآلف فيه النقيض مع النقيض في عملية خلاّقة تشكل مفتاح السرّ لدى هذا الفنان.

ثمة لوحات هي محض امرأة. وأيضاً محض إغماءات مبللة، ومعها تقنيات تعبيرية كثيفة، وصرخات، وشهقات، وضربات شمس، وصعقات قمر، وبروق، واختلاجات، وأحلام موحشة وماجنة. وهي كلها، أو واحدةً واحدة، ما ان ترفع هيكلاً متمادياً لغربة الحياة حتى تسارع الى نقض سكونها بصخب العيش وأناقة البنيان.
في الخضمّ الهادىء والأهوج معاً، ثمة يده، يد الرسّام الموحشة. وليس من اغتراب أو استلاب. يده هذه، تتراكم وتتكثف. تسافر عميقاً عميقاً في التعبير الوحشي العنيف والمتوتر. فإذا استشعرت أنين الوحدة، زيّنت لوحشيتها أن تتلقح بمنيّ توأمها المشتعل فوق نار ساكتة، هادئة وشاسعة. فإذا هي تتلوى بذكاء متنامٍ على امتداد بساطها السندسي المحبوك ألواناً وكتلاً.
يده هذه، تتعرى وترتدي. تحلم وتنمو في تحفزها المترنم وفي لاوعيها السعيريّ. وهي، قبل أن تشرق عليها شمس الأيام الآتية، تكون تشرّبت رويداً وبطيئاً، ومنذ الهنيهات الأولى، خمرة الخوابي المرمية في الأقبية المعتقة.
وها هي ترى الى ضرباتها، عندما يرنّ جرس المجيء، كأنها اليد الخفرة البريئة البكر العذراء، إذ تخرج بحنكة أرضها الجديدة العارية ولا انفصام ممهورةً بهواء الفنون والأماكن والأزمنة والثقافات. فلكأنها المعرض ت. مصطفى الدينممهورة بذاتها. فلا عيب ولا ادعاء ولا اغتراب. ولكأنها ابنة حياتها الجديدة. ولا خيانة البتة.
يده هذه، تعثر على ضميرها التشكيلي فتشقّ طريقاً ليلياً الى قمر حلمها التعبيري. وحين تفعل ذلك، كما في هذه اللوحات، فإنما بعد موهبة ومعرفة وبصيرة وثقافة وذكاء وتراكم اجتهاد.
وبسبب هذا كله، تعثر تلك اليد على ضرباتها وأزياحها وألوانها ولطخاتها وكتلها وهندساتها وإيقاعاتها المتآلفة المتناقضة والمتنافرة، لكن المتوأمة بشغف ارتماء الماء في عطش الأتون، وبشبق الهدوء حين يؤوي الى رحم اللذة المهووسة بتفجر الصخب.

آنذاك تجترح اليد في تلك اللوحات أوطاناً لونية للسطوح، وكتلاً هوجاء، داكنة قاتمة بيضاء فاتحة جارحة صارخة وحارة، ومساحات متغاوية بهدوئها الماكر، كي تعثر على أسباب أخرى تمنح البصيرة لذة الرنوّ المرهف أو جنون الارتماء في الشهوة البارقة.
يده هذه، ما ان ترتجل عنف وجودها حتى يصير غبار الكون العميق رهين كيميائها الغامضة. يده هذه، تصنع من نزول الموهبة العراقية "الشرقية" على قماشات المعترك "الغربي"، وفيه، سطوحاً أكيدة وواثقة هي حصيلة التلاقح والتثاقف والاختمار، كما حصيلة تراكمات المعرفة وخبرة الكثافات والهنيهات والأمكنة الغربية.

المعرض ت. مصطفى الدينوهي، أي يده، تصنع بروقاً وعتمات تترك بعد حدوثها خبرةً تعبيرية متميزة تقي شعيرات الريشة أنين الغربة والاغتراب والاستلاب.
وحين تنرسم اللوحات فإنما تتجلى حاملةً بصمات اليد التي رسمتها. ومثل هذه الخبرة تعبّر عن ذاتها بدون اصطفاف وراء تقليد أو لهثاً في اثر موضة أو صرعة.
لأنها حين تنرسم، فبيد الحلم وبعينيه وبألوان رغباته وشبقه. فليست هي لتلي الحلم أو لتسبقه. فهي فيه. على الشفا. فوق الجسر الخطير. وفي الهندسة المكينة التي تحتضن تقنيات جموح الهاوية وغياب لحظة الوعي أو ما يشبه ذلك. ومثل هذا يتجسد حين توائم تلك الهندسة بين موسيقى الامتلاء الساطع وهول الفراغ السحيق، وذلك كي لا تتحطم كائنات اللوحة وأرواحها الشفيفة فوق هول الارتطام بالصخور.
عندما أبحث عن الفنان العراقي جبر علوان فإني لواجده حقاً في تلك الزاوية الخفية من الخشبة. في طيات الهواء وخرومه. وفي كيمياء اللون وجحيمه. وإني لسامعه حين تصدر عن يد ريشته آهات تحدث ما يشبه أنين الجمر وحفيفه شبه الصامت في اللون. أو حين تجترح عنفاً يبركن صخب الاختلاجات ويرقّص ترنّحاتها السكرى.

لا تحدث لوحته جلبةً في الخضمّ، وإن كانت ماجنة الهندسة. فجلبتها جوانية. ووقعها سيكون في الحواس وفي الضمير البصري. وليست هي حيادية أو باردة أو فاترة، وإن تبسّط اللون في تراميه. محض هدوء يسبق العاصفة. أو هو، حيناً، محض رسوّ فحسب، لدى عودة مراكب اللون الى الموانىء بعد جنس كثيف.
فلعله توحّش التعبير حين تصعقه الكهرباء.
ولعله أيضاً نبوغ التلاشي بعد نزول الحلم الى شهوته الأخيرة.
عندما أبحث عن لوحة جبر علوان سأقول إنها لا تستعيد أنفاسها. هي تحبسها وتكتمها لتهرقها إهراقاً يشبه حفلة البركان في عرس الليلة الظلماء. وثمة آنذاك ما يجعل إهراقها ممزوجاً بلذة الالتهام حين يبتغي اللون التفتح السائل داخل مراياه.
ولن تكتفي اللوحة بالتلوّي. إذ ثمة بين جموح الوصول ورعشاته الشفيفة ما يشبه حال الفرس الحرون. فما أدهاها لوحةً حين تسلس سهولها وروابيها لعبث الأنوثة الآيلة الى الأتون. حين في تلك اللحظة تفترق الروح عن هيوليتها لتصير أيقونة مصلّية في لهيب الجسد.
المعرض ت. مصطفى الدينوعندما أبحث عن تلك اللوحة فإني لواجد فيها ما يشبه الوجد الوثني. ومثل هذا الوجد لا يكتفي بالليل الوحيد المستوحد. إذ يصنع لشهوة ألوانه ليلاً لامتناهياً. فإن استبدّ بها الشغف، استعاد العتمة ليجترح لها المرايا. وإن تكرّرت الحال، طلّع بهاء الهجعة الأخيرة ليكتم فحيح اللذة المنتشية قبيل انبثاق الفجر. وإنْ عاود الكرّة، التجأ حاملاً الوجع اللذيذ الى الفراش الأثير في ألف ليلة وليلة من الغواية.
لا أدري ماذا يبتغي شيطان تلك المرأة أوان يمزج الفنّان حبر جسدها بالهشيم المتلوي بين ألسنة النيران. فتلك المرأة منذورة لألوانها. بل لأقدارها سأقول. ينبغي إذاً لأقدار هذه الألوان أن تقود الجسد الى عرينه التعبيري. وهو تعبير حين سيبذل نفسه فلن يبتذل بل سيدعونا الى البذل الجارح اللذيذ. وهو لن ينظر إنما نحن لناظرون. فهو سطح مكرّس للالتهام وللسفر. ولأجل هذا التكريس الملائكي الشيطاني الرهيف والوحشي، سنراها، تلك المرأة، ملتهِمة. وسرعان ما سنراها ملتهَمة، وإن على مرأى من وحدتها الكاسرة.
وعندما أبحث عن جبر علوان، سأقول إني لواجده في وحدته البيّنة والصارخة. في طقوس إشاراته وتحولاته، في طفولة مشقاته وأمكنته وألوانه، وفي الكائنات الوحيدة، إمراةً كانت أم رجلاً، والتي ترافق لوحاته الى مصائرها الفنية الخالصة.

فهل من حضور أعمق من حضور هذا الهواء البلدي المغترب، المبدّد الملقّح، الواحد المتعدد، الأصيل المنفتح، والمفتوح بعريه الفذّ على نافذة الحلم الكوني الأرحب؟
وهل، هل من لذة أرسخ شبقاً من لذة نيرون الروماني الجديد هذا، باصراً، بذاكرة يده العراقية الموهوبة والموحشة والوحشية والمتوحشة الرقة واللذة والتألق والبراعة، وباصراً بتراكم ثقافاتها وتلاقحاتها، سطح اللوحة الذي يوقظ التوازن الكوني ليجعله يخرّ عند قدمي تلك المرأة الحاملة في سموم جسدها المتراقص والأهوج دواء يسلّي به حياته المطحونة تحت رحى أقداره الأبدية؟!.

ملحق النهار
الأحد 28 أيلول 2003