* * *
جبر موسيقي الالوان
الطفولة للمبدع إحدى المحطات الرئيسية التي يتوق العودة إليها باستمرار، لأنها تشكل مصد راً مهماً لإبداعه، فهي بالإضافة إلى ما تثيره من حنين و رغبة و لوعة، كمحفزات للإبداع ، تعتبر بداية الإكتشاف و الإشتباك مع الحياة، و هي الدهشة، و أولى الخطوات في عالم ملييء بالأسرار و الألوان و الأشياء الجديدة المثيرة.
و إذا كانت الطفولة مرحلة زمنية في حياة أي إنسان، فهي روح أيضاً. أي أن الطفولة لا تقتصر على تلك الفترة وحدها، بل قد تمتد و تستمر، أو ربما تغيب فترة من الزمن لتستعاد مرة أخرى ، لأنها نظرة إلى الأشياء، إلى العالم، و هي اكتشاف دائم، كما هي أسلوب في الحياة، و طريقة في العمل و التعبير. و ذروة سعادة الفنان أن يمتلك هذه الروح ، أو أن يصل إليها.
و يبذل معظم المبدعين جهداً كبيراً من اجل العودة إلى الطفولة، أو إستعادة الطفولة، لكن النتائج تكون متفاوتة أغلب الأحيان. لأن العودة، أو الاستعادة، ليست مجرد رغبة ، و إنما هي استعداد بالدرجة الأولى، و هي إمكانية أكثر مما هي تمنً . وهكذا نجد أن رحلة من هذا النوع لا تكون مرضية دائماً، سواء للذات أو للآ خر. و محظوظ ذلك الفنان الذي يستطيع العودة إلى طفولته، و لو جزئياً، و أن يستعيد من تلك الطفولة أجزاء تتمثل بأعمال فنية مقنعة له و للآخرين.
أما ان يتمتع بعض المبدعين بطفولة دائمة، من حيث الدهشة و محاولة الاكتشاف ورغبة اللعب الفني، فإن حالة مثل هذه إن وجدت فهي موهبة إضافية بكل تأكيد، لأن الفنان، حين يبحث و يرى، و حين يبذل جهداً مضنياً من أجل الوصول إلى قوله الخاص، إلى أسلوبه ، يفعل ذلك مدفوعاً بقوة داخلية، ربما يتلخص جوهرها بالوصول إلى اللعب الجميل الممتع لطرفي العلاقة: الفنان و المتلقي. أما إذا خلا العمل الفني من هذه القوة الداخلية فيصبح رتيباً مملاً، و بالتالي يفتقر إلى الضرورة، لأنه لا يمتع صانعه و لا يحفل به من يراه ، أي يخلو من الحافز أو الإضافة او المتعة، و ل يختلف عن اشياء كثيرة في هذه الحياة يمر بها الانسان دون أن يراها او دون أن يتوقف عندها، لأنها لا تعني له شيئاً في النتيجة.
لذلك فإن محطة الطفولة، في السياق الفني، توق و إستعداد، أو هي مكابرة من أجل الوصول. و في الحالتين تتحدد ، حصراً، بالإنجاز الذي يمكن أن يصل إلى الآخر، و يكون حاملاً هذه الصفة.
جبر علوان يمثل هذه الطفولة. صحيح أنه الآن يقترب من الخمسين، لكنه يبقى طفلاً في دهشته و اكتشافاته، و في محاولته أن يعتبر العمل الفني لعباً جميلاً، ممتعاً له و للآخرين، و هذا ما يحرص عليه، رغم أن جمرة الحزن الثاوية في قلبه لا تكف عن رفع رأسها في كل لحظة. لتذكر بوحدة الإنسان و قلقه و خوفه... و حزنه ايضاً، لأن الحياة هاربة، قصيرة، لا نكاد نمسك بها حتى تفلت، تنزلق، لتصبح ماضياً، ثم ذكرى، و أخيراً حنيحاً إلى شيء لن يعود.
و إذا كان حسين مروة قد قال في أواخر أيامه، و هو يصف مسيرته في هذه الحياة، أنه و لد شيخاً و يموت طفلاً، فإن جبر علوان الذي لا ينوي مغادرة طفولته، بل و يزداد طفولة بعد أن
امتحن أطواراً متعددة في هذه الحياة، في الوطن ، و في الوطن الآخر، حيث يقيم منذ ربع قرنن اكتشف أن مهمة الفنان" أن أشهد على زمني، و بصورة أدق أعني أشواقي ، دون أن أضطر إلى تزييف المعاني، أريد أن أتكلم بوضوح، أن أبدو عادياً، دون أن أكون رخيصاً، لا بل أريد أن أقول أشياء جديدة تماماً. " أريد أن أصل إلى الحرية التامة في الفن، حرية تشتمل على الحقيقة كما في الحياة: تواصل ملموس لصورة ملموسة".
لكن فبل الوصول إلى النتائج، إلى المرحلة الراهنة، لا بد من السفر إلى جذور المكان و الطفولة، لعلنا من خلال هذه المرحلة نتبين العوامل و المؤثرات التي ساهمت في تكوين جبر علوان الفنان.
أن يولد الإنسان في العراق، في منطقة الفرات الأوسط، بالقرب من بابل، و خلال تلك الفترة الرمادية من تاريخ العراق، أواخر الأربعينات، لابد أن يكتسب من التاريخ و الجغرافيا ومن الأحزان القديمة المتواترة، صفات و ملامح تلازمه إلى الأبد.
ففي قرية صغيرة واقعة على نهر متفرع من نهر المحاويل، المتفرع بدوره من الفرات، و حين يولد لعلوان سلمان، من إمرأته الجديدةن الآتية من عشيرة أخرىن و بعد طفلين ماتا في المهد، حيث يولد له طفل جديد لابد أن يطلق عليه اسم جبر، لكي يجبر قلب أمه، و يكون عزاء لها ، خاصة أنها تشعر بالغربة و الوحدة بعد أن غادرت أسرتها و عشيرتها، و جاءت لتعش مع هذا الملاّك المتوسط.
صحيح أن المولود الجديد كان موضع اعتزاز و اهتمام، خاصة من الأم، غير أن تاريخ ميلاده لا يعرف بدقة، مثل المواليد الآخرين في منطقته و المناطق المشابهة، لذلك حين يراد تسجيله في وقت لاحق، ولما يسأل الأب عن الوقت الذي ولد فيه، لا يتذكر إلا أنه ولد في السنة التي فقد خلالها السكر، وهكذا يسجل جبر أنه من مواليد تموز 1948.
أما حين يبلغ الصغير بضع سنوات، و يصاب بعارض صحي في فكه، فإن علوان لا يدخر وسعاً من أجل معالجته. يستدعي طبيب القرية، و يجزل له العطاء كي يبذل جهده من أجل العناية بالمريض الصغير، وتقام دعوة، تذبح خلالها الخراف للقرية كلها، و تنتهي المعالجة بالكي و الذي سيترك علامة دائمة بالوجنة، دون أن يشفى الصغير.
و في موسم القراءة على الحسين، و بعد أن تبين عجز طبيب القرية عن شفاء الصغير، سيتولى "المومن" المهمة، إذ سيأمر ببطح الطفل على الأرض، و سيقوم بالتفل على وجهه موضع الإصابة، ثم سيضربه " بالقندرة" على الفك، و كان متأكداً أن هذه الطريقة في المعالجة لن تخيب، لكن نتيجتها لم تكن أحسن من الكي.
و بعد شهر، و في أول زيارة يقوم بها إلى الحلة بصحبة أبيه، و ما أن يراه أحد معارف العائلة، و يسأل عن إصابته، حتى يأتي له بدواء من عطار السوق، و خلال أيام قليلة يزول العارض، و يشفى الصغير، و لا تبقى في الوجنة إلا علامة الكي، و لا تبقى في البال إلا ذكرى التفلة و اللطمة.
و لأن علوان ملاّك ، ولديه إمكانية مادية أكبر من الفلاحين الذين حوله، فلا بد أن تكون له مضافة يجتمع فيها رجال القرية لشرب القهوة و بحث أمور الزرع و السقاية والحصاد، و في أيام محرم لاستقبال الملاّ الذي يتولى القراءة على الحسين، و إعادة رواية ما حصل في كربلاء مع البكاء و التمثيل، لذلك فإن الحزن الذي بذرته المكابدة اليومية من أجل تحصيل الرزق، ستتعهد أيام عاشوراء لكي ينمو و يكبر، ليصبح طقساً دائماً، خاصة و أن الحرمان يغذيه باستمرار، و كوارث الطبيعة تترصد الجميع، و لا بد أن تدهم الأرض و البشر بين فترة و أخرى.
الأب يستعجل ابنه الكبير، من الجيل الثاني، ومن المرأة الأخرى، لكي يكبرمن أجل أن يصطحبه معه إلى المضافة، و أن يكون بين الكبار، في الوقت الذي لم يرتو الصغير بعد من اللعب، خاصة و أنه يرى أقرانه يسبحون في النهر، أو يمرحون في البساتين، و هكذا تولد أول رغبة للتشبث بالطفولة، في الوقت الذي حاول الآخرون إنتزاعه منها.
بين التردد على المضافة، و التردد على النهر للسباحة، تنكسر رجل الصغير، ومثلما دفع ثمناً حين أصيب بفكه، لا بد أن يدفع ثمناً إضافياً، إذ لا يحسن المجبر إعادة عظام القدم إلى ما كانت عليه، فيترك في مشيته عرجاً خفيفاً، الأمر الذي يحمل الأب على أن يقدم له حصاناً أبيض جميلاً لكي يمتطيه في ذهابه إلى المدرسة التي تبعد عدة كيلومترات عن القرية.
ولن يتأخر جبر في إستبدال و سيلة النقل هذه، إذ يستعيض عن الحصان بدراجة لها جرس أبيض. فضي. و لأن أطفال القرى يتعلمون ركوب الدواب منذ وقت مبكر، فإن الحصان الحديدي يحتاج إلى بعض التدريب، أما الخال فلا يعترف بهذا الفرق، و لا يحتمل أن يتأخر الصغير بركوب الدراجة، و هكذا يكيل له الصفعات لكي يتعلم بسرعة، الأمر الذي لم ينسه جبر، و هكذا سيعود إلى ممارسة هذه الهواية، و لفترة طويلة، حين يصل إلى روما، إذ ستكون وسيلة المواصلات التي يعتمدها دراجة أيضاً، ولكن متطورة قليلاً عن تلك التي كانت تحمله إلى قرية الصباغية في ذهابه إلى المدرسة أو عودته منها إلى القرية.
و لأن العراق خلال عقد الخمسينات مرجل يغلي بالاضطرابات و التغيرات السياسية. فلا بد أن يتمخض عن تحولات كبرى في النظام السياسي، و في ملكية الأرض، عندما تقوم ثورة 14 تموز 1958، من جملة من تطالهم الثورة ملاّكو الأراضي الزراعية. و يكون واحداً منهم علوان سلمان.
بقيام ثورة تموز، لا تقتصر التغيرات على الجانب السياسي، إذ تمتد أيضاً إلى وعي الناس و إلى العلاقات الإجتماعية، لكن ببطء و بمقدار محدود. و التنظيمات السياسية التي كانت ممنوعة في فترة سابقة خرجت إلى العلن، وأخذت تلعب دوراً متزايد الأهمية، و مع ذلك فإن صورة المجتمع، و القوى الإجتماعية لا تتغير إلا بمقدار، و يختلف هذا المقدار تبعاً للتعليم و الاحتكاك، و أيضاً تبعاً للقرب من المراكز الحضرية.
ففي مجتمع محافظ، كالعراق، تسيطر العلاقات و القيم العشائرية، و تتحكم فيه القوى و التقاليد المتزمتة، لذلك لا يكفي أن يتغير النظام السياسي لتغيير العلاقات و القيم السائدة، إذ أن ذلك يتطلب وقتاً، و يتطلب جهوداً كبيرة و منظمة و دائمة، و هكذا اقتصر التغير، خاصة في المرحلة الأولى، على المظاهر، و ظل القديم موجوداً و قوياً، خاصة النظرة إلى المرأة او الموقف منها.
فإذا عرفنا ان جزءاً من الأحداث الدامية في الريف تقع بسبب المرأة ومن أجلها، فإن ذاكرة الطفولة تختزن الكثير من هذه الأحداث، و هذا ما حصل لجبر‘ إذ أن بعض تلك الأحداث التي شهدها أو سمع بها، أو كان قريباً منها، غنحفرت في عقله و قلبه، و تركت أخاديد في ذاكرته، و سوف ترافقه لفترات طويلة لاحقة، ثم ستنعكس في فنه.
يتذكر أن بعض " الخطاة" كان يتم اصطيادهم في الليل و في النهار، إذ كانت تلاحقهم الطلقات، و حين تخطئهم أو حين تنتهي، كانت تلتمع الخناجر لتنهي ما عجزت عنه الأسلحة النارية، و يتذكر أن واحدة في القرية قتلت للشبهة، و أن الخنجر الذي إنغرز في قلبها جعلها ترفرف كالطير و هي تموت.
إن الموقف تجاه المرأة، بالنسبة لهذا الفنان، أخذ يتكون من خلال عزلة الأم و شعورها بالوحدةن و سوف يتأكد هذا الموقف يوماً بعد آخر، حادثة بعد أخرى، نتيجة القسوة و الظلم و عدم الاعتراف بأي حق للمرأة، و سيتأكد هذا أكثر حين تنزف الدماء أمام الجميع، بمن فيهم الصغار، في وضح النهار، على طرف النهر او في مخادع النوم، لتقول في النهاية أنها القيم السائدة، وطبيعة العلاقة التي يجب أن تمتثل لها المرأة.
هذا المناخ سيجد تعبيراته لاحقاً في الكثير من الأعمال التي قام بها جبر: المرأة وحيدة، في حالة عزلة، و رغم مظاهر الزينة فهي حزينة. لا يجوز أن تكون لها رغبات، أو تكون مختلفة. عليها أن تمتثل للتقاليد السائدة، لرغبة الرجل، لتراتيبه من نمط معين. و مجتمع الرجال، الذكور، هو الذي يشرع القيم، و يحدد المواقع و المنازل. قد يكون من السابق لأوانه الحديث عن التعبيرات الفنية لهذا الموضوع، خاصة لفنان مثل جبر علوان، لكن من الضروري الإشارة إلى المناخات و المؤثرات، و الجروح أيضاً، التي كونت مزاجه النفسي، و ما دفعه إلى التوقف عند بعض الموضوعات و الشخصيات أكثر من غيرها.
أما حول الطقس، حول الشمس الصيفية الحارقة، و ما يتولد بتأثيرها من ألوان، أو قدرة على رؤية الألوان، في هذا العري الكلي، فإن ذلك يفسر، جزئياً، رؤية جبر للألوان، ثم طريقته في التعامل معها.
إن التدرج في الحرارة، او حتى البرودة، الذي تعرفه المناطق المناطق الأخرى؛ وذلك الانتقال الهادىء للفصول ، و بالتالي للألوان، و الذي يجري في أغلب مناطق العالم، و ما يتخلل ذلك من تشابك و تداخل، قد لا يجد ترجمة واقعية له في العراق، فالفصول، و ما يستتبعها من الحرارة و البرودة، و من التدرج، و بعض الأحيان التداخل، تأخذ شكلاً مختلفاً، أقرب إلى الهجوم المباغت.
الربيع في العراق أجمل الفصول، لكنه أقصرها. إذ ما يكاد النهار يمتد و يطول، إعلاناً عن بداية الربيع، و يأخذ الناس بنفض أكتافهم من ثقل الشتاء و برودته، مستبشرين بأيام جميلة، حتى يباغتهم الصيف بكل حرارته و قسوته، و طوله أيضاً.
و مثلما يعبر الربيع سريعاً، و يهجم الصيف ليسيطر و يستبد، و ليبقى زمناً طويلاً، فإن الناس يتطلعون و ينتظرون أيام الخريف، لعلها تكون أكثر رحمة، و لكي يستعدوا أيضاً لفصل الشتاء، لكن الخريف يكذب التوقعات أغلب الأحيان، إذ يؤثر أن ينقسم إلى جزءين: الأول يلتحق بالصيف، و يصبح جزءاً منه، إذ لا يختلف عن الأيام الحارة الكثيرة التي امتدت عبر الشهور الفائتة كلها؛ أما الجزء الثاني، و هو الأقصر، فينضم إلى الشتاء، و كأنه يخجل أن يكون فصلاً مستقلاً أو مختلفاً.
الطقس في العراق، خلافاً لأماكن أخرى كثيرة، فصلان: الصيف و الشتاء، و ما عداهما تحضير و استعداد لواحد من هذين الفصلين، و الطقس هنا لا يعني درجة الحرارة فقط، بل و يعني أيضاً الألوان التي تسيطر على الطبيعة، أو على الأقل ما يراه المصور، و الذي يعتبر الطبيعة و ألوانها أحد المصادر التي يستمد منها ألواته، أو كيف يرى الألوان خلال الطبيعة. و لا بد هنا من الإشارة إلى إضافتين تبرزان في العراق أكثر من الأماكن الأخرى: صراحة الألوان إلى الدرجة القصوى، حيث تتبدى: متفردة، كاملة، مستقلة، و بعض الأحيان جارحة، مما يحفز الفنان على التعامل معها كما رأتها عين الطفولة بشكل خاص.
أما الإضافة الثانية الجديرة بالتسجيل هنا، فهي محاولة إمرار الألوان ضمن موشور لكي تمكن رؤيتها بوضوح و على حقيقتها، لأن الوهج الذي يتولد في حدة النور و سطوعه يجعل من الصعوبة بمكان النظر إليه أو التعامل معه، إلا بعد أن يتكسر أو أن يتخفف، و كما فعل المعماريون، و منهم رفعة الجادرجي، في التعامل مع الحرارة و الوهج في مناخ مثل مناخ العراق، إذ لجأوا إلى وضع حواجز تقي أوتحد من، أو تمنع، وصول النور بطريقة مباشرة. هذه الحالة سوف نرى لاحقاً كيف تعامل معها جبر فنياً من خلال ما قدمه من أعمال. و لكي ننتهي من رسم المشهد الذي كوّن الذاكرة البصرية لهذا الفنان، تجدر الإشارة أيضاً، إلى المحيظ القريب الذي عاش فيه، و تعني هنا تحديداً: بابل.
فهذه المدينة الأثرية، التي ألهبت خيال الفنانين على مدى العصور، و لا تزال إلى الآن، و التي لا تبعد عن مكان ولادة جبر إلا بضعة كيلومترات، تركت في خياله و عينه كمّاً غير قليل من المشاهد و الصور، المعنوية و الحسية، و التي أصبحت مصدراً لأعمال فنية لاحقة. فالحدائق المعلقة التي شيدت هدية للجمال الإنساني و المادي، و كتعبير عن الحب و عن عبقرية الإنسان و قدرته على ابتداع الوسائل من أجل زيادة جمال الحياة و غناها، بما في ذلك ترويض المياه؛ مدينة مثل هذه لابد و أن تحفر في الذاكرة معالم، و أن تجد معادلها الفني في وقت لاحق. و لأن بابل التاريخ لم تعد موجودة الآن بصورتها التي كانتها في أزمنة سابقة، فقد تحولت إلى كتل و ركام، و هذا ما أدمن جبر مشاهدته على مدى سنوات متلاحقة، فإن بابل المعاصرة سوف تتلخص في ذاكرة هذا الفنان على شكل نحت و كتل، أو هجوم و فراغات، و هو مجرد اجتهاد، وربما جزئي أيضاً. توجه جبر إلى اختيار النحت موضوعاً لدراسته، و إلى أن يبقي في شخوص الكثير من لوحاته شكل الكتلة أو على الأقل روحها، ربما يكون ذلك بتأثير من بابل أو ما تبقى منها.
إن التاريخ حين يكون كثيفاً و قريباً. و القرب هنا مادي، و ليس من حيث الزمن بهذا المقدار، لا بد أن يترك تأثيره في وعي الإنسان أو لاوعيه، و سيكون بالتالي عاملاً هاماً في الخيارات اللاحقة، و تعبيراتها الفنية، و إن يكن بشكل غير مباشر.
لكن قبل أن نقرأ الفنان من خلال لوحاته، من الضروري أن نتابع مسار حياته، و نقف في بعض المحطات، لنرى كيف وصل إلى الفن، و لماذا كان هذا الاختيار.
إلى جانب النهر. ساعات من السباحة كل يوم، و بعد التعب، و أثناء الاستراحة: اللعب بالطين و محاولة خلق أشكال و كتل. الرحلة الجماعية إلى المدرسة، و قطع بضع كيلومترات من الذهاب و العودة. الاستغراق في الطبيعةبألوانها وأشكالها، ثم بابل بكتلها و إيحاءاتها...
هذه المناخات لابد أن تترك تأثيرها على الصغير الذي أخذ يكبر و يتدرج في مدرسته سنة بعد أخرى، و لا بد ان يحاول أن يحاول إكتشاف مركز الثقل في عقله و قلبه، فيجد أن الفن هو ما يمكن أن يلبي النداء الداخلي الذي يعصف به في هذه القرية الصغيرة.
بعد البحث و سؤال الأكبر سناً، يهمس في أذنه أحد معارفه من المحاويل، و كان من طلبة معهد الفنون الجميلة ببغداد، أن متعة الفن لا تعادلها متعة، و ما عليه إلا أن يدرس في معهد الفنون.
لم يكن جبر بحاجة إلى تحريض، حتى و هو يسأل، فقد تعمد أن يختار من يؤيده للسير في هذا الاتجاه، خاصة و أنه بدأ التفكير، و التخطيط أيضاً، منذ مرحلة الدراسة التوسطة. ثم إن بغداد التي زارها مرة واحدة من قبل، و بظروف إستثنائية، إذ كانت احتجاجاً على ضرب خاله له، و كيف تجندت العائلة للبحث عنه في كربلاء و سامراء. إلى أن وجدته عند أقارب له في بغداد، و كيف عاد إلى المحاويل منتصراً، بعد أن تم الاعتذار منه. بغداد التي زارها بتلك الظروف، ظلت تلهب خياله لما شاهده فبها، و للفارق الكبير بين كل الأماكن التي زارها من قبل، و هذه المدينة، لقد حان الوقت الآن للانتقال إليها.
كانت إذن الزيارة الثانية لبغداد حين أنهى دراسته و جاء لكي يصبح طالباً في معهد الفنون الجميلة.
و إذا كانت السنوات الماضية كلها هي للتعرف و الاكتشاف، ضمن ذلك الحيز المحدود، فإن بغداد، خاصة خلال عقد الستينات، كانت سريعة التغير، و بحاجة إلى إكتشاف مستمر ، و في جميع المجالات، و هكذا و جد جبر نفسه في بداية الطريق الذي طالما حلم به و أراده.
فمعهد الفنون الجميلة، ذلك الوقت، و رغم العواصف السياسية، و كما يذكر جبر، كان واحة من الجمال و الغنى و التفاعل و الاكتشاف. إذ بالإضافة إلى جمال المكان من حيث الموقع و المعمار و الحدائق، فإن الحياة ذاتها داخل المعهد كانت مليئة بالغنى و الخصوبة: المسرح، الموسيقى، قاعات الرسم و النحت، الحوارات الثقافية، العلاقات بين الطلبة والأساتذة، المرأة، و ما يضفي وجودها من لمسات و آثار على المناخ كله. ثم العلاقة بين المعهد و الكليات الأخرى، وما يتولد نتيجة ذلك من تفاعل.
في هذا الجو، و الذي لا يمكن مقارنته بما كان قبله، سيعيش جبر، و سوف يوالي اكتشافاته في جميع المجالات، بما فيها المجال السياسي. و رغم أنه تعرف على الحركة السياسية، و أصبح بقناعاته و مواقفه مع اليسار، إلا أنه لم ينتم إلى الحذب الشيوعي خلال هذه المرحلة.
كان المعهد لجبر مناخاً و مرحلة مهمة، و إذا كان قد اختار النحت تخصصاً لدراسته، فإن أستاذة الرسم، و في مجالات متعددة، تزكوا تأثيراً بارزاً في تكوينه و اهتماماته، مع الإشارة، و كما يذكر جبر، أنه عذب أساتذته نتيجة عدم مواصلته للعمل الذي يبدأ به، فقد كان عدد من الأساتذة يقدر ما لديه من موهبة، و أنه يختلف عن غيره من الطلبة، إلا أن الكسل، أو بعض الانشغالات، كان يصرفه عن بذل الجهد المطلوب و الاستمرار بالعمل إلى نهايته. و مع ذلك، فإن بعض الأساتذة واصل واستمر العناية بهذه الموهبة الجامحة و غير القابلة للانضباط. يذكر جبر أن أستاذه رسول علوان راهن عليه، و كان لا يكف عن الإلحاح و المتابعة، و من جملة ما دفعه إلى ذاك بذرة القلق أو عدم الرضى التي كانت تميز جبر. أما الأستاذ مهر الدين، و رغم تقديره لعدد من الواجبات التي أنجزها جبر، فقد كان يصر عل ضرورة تدميرها من أجل اتباع الطريقة الأكادمية في العمل، لأن تعلم الطريقة سيوصل إلى إنجاز أفضل، و أستاذه محمد مارديني اكتشف لديه حساً مميزاً للون مع أنه كان في المرحلة الأولى لاستعمال الألوان.
أما أستاذه شاكر حسن آل سعيد، الذي لفت نظره إلى القوس و السيف و الانحناءات، فكان يريده أن يقرأ و أن يبحث، لأن جزءاً من أهمية الفنان ثقافته و متابعته.
عالم معهد الفنون الجميلة، و ما يحيط به، جديد بالنسبة له، و لا بد من اكتشاف جميع مجالاته. لذلك لا يحصر اهتمامه في حقل تخصصه، و إنما يندفع للتعرف على المسرح، ليس فقط من خلال المسرحيات التي تقدم، بل و محاولة متابعة المراحل كلها، و هذا ما سوف يجعله، لاحقاً، و ثيقة الصلة بالمسرح و السينما، و سوف يساهم هذان الفنانان في إغناء رؤيته البصرية، خاصة أثناء إقامته في إيطاليا، و اقترابه من أجواء السينما و السينمائيين الإيطاليين.
ومثلما فتن بالمسرح، فإن غرف الموسيقى في المعهد لم تقل عنه إثارة، و هكذا سيقضي الساعات الطويلة، و هو يستمع لهذه الآلات الجديدة: البيانو و الكمان، و آلات أخرى أيضاً. و سوف يجد أن هناك علاقة وثيقة بين الفن التشكيلي و الموسيقى، و هذا سيدفعه لتأمل حياة الموسيقيين و حركاتهم و انفعلاتهم، و أيضاً لإعطائهم حيزاً مهماً في لوحاته. كما ستؤثر الموسيقى عليه في طريقة بناء اللوحة، و ما تطلبه من هارموني يجمع بين أجزائها.
و في فترة المعهد، و بتأثير أساتذته و أصدقائه، سوف يكرس جزءاً من وقته للقراءة، و ربما تكون هذه الفترة ، ثم السنوات القليلة بعدها، التي قرأ خلاله الكتب التي كانت رائجة ذلك الوقت (سارتر، مورافيا، كولن ولسن)، لتصبح قراءاته لاحقاً، بحكم الظروف و البلد، أقل من السابق، لكنها مختارة، و سيكون الشعر تحديداً ما ما يلاقي هوى في نفسه.
أما الأجواء السياسية العاصفة، و السريعة التحول، في عقد السيتينات، و الصراعات بين القوى السياسية، فسوف تحدد الخيارات و الملامح، وسوف تكون هذه الأجواء بالغة التأثير، ليس في مجالها وحده، وإنما في الفكر و الفن و العلاقات. الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان أن يبقى الإنسان محايداً أو مجرد مراقب، و هكذا ستتحد الملامح الفكرية و السياسية، إن لم يكن من حيث الارتباط التنظيمي، فمن حيث الميل أو الانحياز الفكري، خاصة و أن العنف الذي وسم ذلك العقد ترك آثاره البالغة في العقول و القلوب لأكثر الناس. و إذا كان وضع الملاّك علوان سلمان في وقت سابق جيداً، و بإمكانه أن يفتح مضافة في القرية، و أن يتزوج إمرأتين، لكل واحد منهما بقرة، و كان بإمكانه أن يهدي ابنه حصاناً ثم يشتري له دراجة، فإن وضعه بعد التغيرات التي أخذت تتلاحق بسرعة، بدءاً من ثورة تموز1958، لم يعد يمكنه امداد طالب معهد الفنون الجميلة بما يكفي، و هكذا سيتقدم أحد الأخوة للمساعدة، و سوف يكون عوناً كافياً إلى أن ينتهي جبر من الدراسة.
إن سنوات الدراسة في المعهد، و إن لم تخلق من جبر فناناً، فقد هيأته أن يكون كذلك في وقت لاحق. لقد جعلته هذه السنوات يعيش في مناخ فني، و صقلت، بمقدار، مهارته، ووضعته على بداية الطريق.
ورغم أنه كان بارعاً في التخطيط، كما يذكر، و لديه حسن للون كما يذكر أحد أساتذته، و اكتشف فيه رسول علوان مشروع الفنان، كما اعتنى به شاكر حسن و المارديني و مهر الدين، وقام بنحت أول تمثال، و قد اعتبره أستاذه ميران السعدي تمثالاً جيداً و توقع له أن يكون نحاتاً مهماً، إلا أن رغبته في أن يعيش الفن كانت أقوى من أن يكون فناناً منتجاً.
ومثلما هي المعاهد و الجامعات دائماً، إنها تدل على الطريق؛ تشير إلى ما يجب أن يقوم به من يريد أن يعمل في حقل معين؛ تعطي المبادىء الأولية، كما تحدد المراحل و الخطواط التي يجب اجتيازها، و تترك الباقي، و هو الأكثر أهمية، إلى الجهد الذي يجب بذله على من يريد سلوك هذا الطريق. و لذلك إن المعهد، أو الجامعة، لا يخرج فنانين أو علماء و أدباء، إنه يعدهم لكي يكونوا كذلك في المستقبل، إذا امتلكوا الموهبة، و بذلوا الجهد المضني من أجل الوصول إلى بداية طريق الإبداع.
جبر في المعهد أمسك بطرف الخيط، و كان عليه أن يواصل، و إذ لم تتح له هذه الأهمية الإمكانية في العراق، فإن الحرقة الداخلية أملت عليه أن يبحث عن هذه الإمكانية في مكان آخر.
لكن قبل متابعة الرحلة في محيطها الأهم، روما، لا بد من الإشارة أن جبر بعد سنوات المعهد، و مثل الكثير من زملائه خريجي معهد الفنون الجميلة، عين مدرساً للفنون الجميلة في إحدى مدارس كربلاء.
و كربلاء، المدينة الدينية المحافظة، تتيح فرص للتأمل، و مراجعة النفس، اكثر مما تساعد على الإنتاج الفني لأن مثل هذا الإنتاج يتطلب دوافع محرضة و بيئة ملائمة، الشيئين اللذين لم يكونا متاحين لمدرس جاء فقط ليعطي الدروس الأولية في مادة الرسملطلبة يكون الرسم من أولويات اهتمامهم.
صحيح أن وظيفة مدرس توفر راتباً دائماً، و قد شعر جبر و هو يستلم أول راتب أنه أصبح مستقلاً، و يمكن أن يعتمد على نفسه، خاصة و أنه كان راتباً مجزياً، خمسة و ثلاثين ديناراً في الشهر، إلا أن جبر يبحث عن الفن أكثر من بحثه عن الإستقرار. و رغم أنه اتخذ لنفسه مرسماً، و يفترض أن يبدأ رحلته الفنية، إلا أن المناخ العام لم يكن محرضاً أو مساعداً، و قد زاد في الإحباط الصراعات السياسية، و ما تؤدي إليه من استنزافٍ للطاقات.
يقوم علوان بزيارة ابنه في كربلاء، و يفرح كثيراً حين يجده مدرساً، و لديه مرسم،و تتحول الألوان بين يديه إلى أشياء جميلة، و سوف ينقل إلى القرية مشاهداته و مشاعره عن هذه الزيارة، أثناء أدائه واجباته الدينية في المراقد المقدسة، و أثناء مشاهدته لإبنه و هو يرسم أشياء جميلة.
لكن الابن، جبر، رغم الراتب و المرسم، يكون قد تعب من المدينة، و ما تكاد السنة الدراسية تنتهي، يعرض عليه أحد المدرسين، من أبناء كربلاء، و المعين في كركوك، أن يتبادلا الأماكنن حيث يوافق جبر، مفترضاً أن تغيير المكان قد يخرجه من حالة العطالة و الضيق التي يعيشها. و هكذا تبدأ السنة الدراسية الجديدة ليجد نفسه في كركوك، مدينة مختلفة، و طقس مختلف. لكن ما أن تنقضي بضعة شهور حتى يحس أن كركوك ليست المدينة التي يبحث عنها، و ان مهنة التدريس غير ملائمة له، و لابد أن يتخذ قرارات جديدة.
و في هذه الفترة يستعيد بذاكرته ما سمعه من أساتذته عن المدن التي زاروها، أو تعلموا فيها، ماذا اكتسبوا منها، و كيف أن الفنان، كي يصبح فناناً، لا بد أن يزور مدن الفن، وأن يقضي وقتاً فيها، ليرى متاحفها، و الساحات المليئة بالتماثيل، و أن يتعرف على الأعمال الفنية لا من خلال الكتب، و إنما بالمشاهدة المباشرة، بالتأمل، وأن يتعرف على مشاهير الفنانين و يرى أعمالهم، أو كيف يصنعون هذه الأعمال.
أحلام كثيرة ملأت لياليه في كركوك، لكن المدن التي تحدث عنها أساتذته بعيدة، و قد ذهبوا إليها ضمن بعثات دراسية، و السفر إلى تلك المدن يتطلب مالاً لا يملكه، و لا يعرف كيف يحصل عليه.
قلق في النهار، و أرق في الليل، و هو يبحث عن مكان، عن إمكانية لتحقيق هذا الحلم، و لولا روح الطفولة التي سيطرت عليه. و لولا رغبة الاكتشاف التي جعلته يستهل الصعب، و لا يقيم وزناً كبيراً للتحديات و العقبات، لما فكر يوماً أن يغادر العراق ليبدأ رحلته الفنية الحقيقية و الكبيرة.
لأن روما إحدى العواصم الكبرى للفن، و قد درس فيها بعض أساتذة جبر، و سمع عنها الكثير منهم، و لأنه، حتى هذه اللحظة، نحات، و الاحتمال الأقوى أن يواصل دراسته و عمله في هذا المجال، و روما هي المدينة المؤهلة أكثر من غيرها لهذا التخصص، فقد أصبح حلم جبر أن يصل إليها.
ثم إن هناك عاملاً إضافياً آخر: و جود صديق، أحد زملاء الدراسة، كان قد وصل قبل سنة إلى روما، و قد كتب إليه يحدثه عن جمالها و أهميتها، و إمكانية أن يستقبله فيها أيضاً.
كما أن أحد أساتذته أبلغه عن إمكانية أن يجد عملاً في روما يمكنه من مواصلة دراسته.
لكن روما بعيدة، تفصلها عن بغدداد آلاف الأميال، و ليس لدى جبر إلا القليل من المال و كان عليه أن يقرر: إما أن يطوي الموضوع، و ربما نهائياً، أو أن يغامر بالمال القليل الذي استطاع تدبيره، و يتحمل النتائج، مهما تكن تلك النتائج.
لم يتأخر كثيراً، إذ قبل أن تنتهي سنة 1972 بأيام قليلة، و بعد أن حصل على الأوراق الضرورية، شد الرحال إلى المدينة. الحلم.
كان في جيبه لما غادر بغداد مئة دولار، و كان هذا المبلغ كل ما يملك.
قضى في بيروت ليلة، و هو في طريقه إلى روما. ولأن الأستاذ محمد علي شاكر أرشده ظغلى الباص رقم 67 الذي يجب أن يستقله لكي يصل، فهكذا فعل جبر لما وصل إلى مطار روما، و قضى ليلته الأولى عند صديق الدراسة.
و إذا كان قد أمضى أياماً كثيرة، حين كان في العراق، قلقاً، و قد ليالي كثيرة أرقاً، من أجل اتخاذ هذا القرار، و تنفيذ هذه الخطوة، فها هو الآن في مواجهة التحدي الكبير: كيف يستمر بعد أن وصل؟
لم يتأخر لكي يتابع المغامرة : استأجر غرفة في فندق بسيط، اشترى في نفس اليوم، و هو اليوم الثاني لوصوله إلى روما، حاملاً للرسم، و ذهب إلى ساحة نافونا ليبدأ من هناك رحلته الكبيرة في عالم الفن و الإنجاز الفني.
كانت البداية بالغة الصعوبة، مليئة بالمعاناة و القلق، هذا عدا عن الحنين الذي أخذ ينغل في قلبه، نتيجة الصغعوبات المادية، و نتيجة حاجز اللغة، و أيضاً بسبب المواصفات المطلوبة في رسام الساحة، من حيث قدرته على رسم البورتريه أو الرسم الكاريكاتيري الذي يرسمه. كان يتلقى ألف لير إيطالي مقابل البورتريه، و يكتفي بثلاثمئة لير مقبل الكريكاتير. و هذا النوع من العمل، بالإضافة إلى ما يتطلبه من وقت و جهد، فإنه يترك تأثيره على طريقة الفنان في الأعمال الأخرى، هذا إذا تبقى لديه فضلة من وقت لمثل هذه الأعمال.
ورغم مشقة الحياة، خاصة لرسام في الساحة، فإن روح الفنان إذا كانت متيقظة داخله، و متطلبة، فلابد أن تجد طريقها، و أن تتمكن في النهاية من الوصول، خاصة وأن البيئة المحيطة توفر الكثير من العناصر.
لن يتاخر جبر في الإنتساب إلى كلية الفنون في روما، و سوف يواصل دراسة النحت أولاً بإشراف جريكو حتى عام 1975، ثم يدرس الرسم بإشراف جنتليني حتى عام 1978،
وخلال ذلك تتاح له الفرصة ليقضي أوقاتاً مديدة في المتاحف، و في الساحات المليئة بالمنحوتات، سوف يزور المدن. المتاحف كفينيسيا و فلورنسا، و ستكون السينما أحد أبرز اهتماماته، خاصة من خلال متابعة أعمال المخرجين الإيطاليين العظام مثل بازوليني و فليني.
و إذا كنا قد أشرنا إلى مشقة العمل في الساحة، فقد استطاع جبر أن يصرف جهداً مضاعفاً، لكن خلال فترة محدودة، تكون كافية لتامين متطلبات الحياة، لكي يصرف باقي الوقت من أجل مواصلة الدراسة و التفرغ للعمل الفني الحقيقي، و بهذه الطريقة سيتمكن من إقامة أول معرض له عام 1975، ثم يتبعه بعدد من المعارض الأخرى، بمعدل معرض كل سنة تقريباً، و حتى عام 1979، ليتوقف فترة من الزمن، ينشغل خلالها بمعارض مشتركة، و ينصرف أيضاً إلى العمل العام.
إن المرحلة الإيطالية. إذا جاز لنا أن نقسم أعمال جبر إلى مراحل، هي التي اكتشفت الفنان داخل جبر علوان، و هي التي صقلته. لذلك فهو يجيب حين يسأل عن تأثير إقامته في روما على فنه: " الإيطاليون هم الذين اكتشفوا أنني فنان، و هم الذين دفعوني إلى العمل الفني". قد تكون مثل هذه الإجابة اعتراف بالجمبل، و للتدليل أيضاً على مدى الغنى الذي اكتسبه من خلال إقامته في روما. لكن من المؤكد أن الفنان الهاجع داخله كان بحاحة إلى تحريض لكي ينطلق ثم ليتوهج، و كانت روما، بعد بغداد، الحاضنة ثم مفجرة الشرر، خاصة و أن علاقاته مع الوسط الفني الإيطالي أخذت بالتزايد و الإتساع، و أصبح جمهوره بالدرجة الأولى، جمهوراً إيطالياً، و إليه يتوجه، و إن يكن بلغته الخاصة، التي تميزه عن الفنانين الإيطاليين، كما يعترف و يؤكد النقاد الذين تناولوا أعماله.
المرحلة الإيطالية إذن هي المرحلة الأهم و الأبرز في مسيرة جبر الفنية، إذ ساهمة بإعداده، كما أتاحت له فرصة العرض. و بتتابع العروض، و الرغبة باقتناء أعماله من قبل متذوقين، أو جامعي الأعمال، أصبح إعتماد جبر أقل من قبل على الساحة، و تلبية رغبات السواح أو العابرين، كما أصبح يعطي وقتاً أطول و اهتماماً أكبر لكي يتكرس كفنان، و من خلال اللوحات التي يرسمها في مشغله.
إن اتساع صلاته بالمناخ الإيطالي، لم يقلل و لم يضعف صلاته بالمناخ العربي، العراقي تحديداً، إذ بقي على علاقة بأصدقائه المقيمين في إيطاليا، يلتقي بهم، و يشترك معهم في معارض جماعية، و يتبادل معهم الأفكار و الهموم، و ما يجب أن يعمل من أجل إبراز الفن العربي، العراقي تحديداً. كما توثقت علاقاته بمجموعة من الفنانين العراقيين المقيمين في أوروبا، فرنسا و هولندا و ألمانيا، و تكون ما يمكن تسميته: الفن المهاجر.
عدة سنوات من الاستغراق في العمل العام، ينقطع جبر خلالها عن إقامة معارض خاصة، لكن لا ينقطع عن إعادة النظر بأعماله التي أنجزها، كما يحاور نفسه و الذين حوله عن الدور الذي يجب أن يضطلع به الفنان، خاصة التشكيلي، و يتابع الانجازات الفنية و المعارض الاستعدادية للفنانين الكبار، و يتأهب في ذات الوقت لانطلاقة جديدة. لقد كانت هذه السنوات. رغم أنه لم ينجز خلالها الكثير، هامة في حياته و مسيرته الفنية، لأنها كانت سنوات التأمل و الأختبار، و من ثم الوصول إلى أسلوبه الخاص. إن وصول الفنان إلى أسلوبه خطوة متقدمة في رحلته الفنية، لأن الأسلوب هو الشخص، كما يقال، أو هو الملامح التي تميزه عن غيره، تجعله هو نفسه و ليس فناناً آخر، مهما برع في تقليده. فالأسلوب هو ثمرة جهد متواصل و تأمل طويل، و هو الخلاصة أيضاً لهذا الجهد و لهذا التأمل.
صحيح أن الفنان الحقيقي لا يكف عن التطور، و قد ينتقل من مرحلة إلى أخرى، تتغير فيها ألوانه أو ضربات فرشاته، وقد يمييل إلى المساحات الكبيرة بعض الأحيان، و إلى الصغيرة أحياناً أخرى؛ وربما ينوع بالمادة التي يستعملها تبعاً لأعتبارات يريدها أو يقدرها. و قد يلجأ إلى تجارب جديدة و مواد جديدة، لكنه في كل هذه الحالات يبقى هو نفسه، و تشي به، دون جهد كبير في معظم الأحيان، أمارات تدل عليه، حتى لو لم يوقع لوحته.
عاد جبر بعد فترة الإنقطاع إلى العرض، و إذا ظل في أكثر معارضه السابقة يحاور جمهوراً إيطالياً، وانتزع اعتراف عدد من نقاد الفن الإيطاليين، و نال أيضاً جوائز فنية، فقد أخذ في مرحلته الجديدة يتطلع إلى العرض خارج إيطاليا، و هكذا بدأت معارضه تتوالى في فيينا و لييج و لندن و دمشق و عمان و مدن أخرى. أما المعارض المشتركة فقد وصلت إلى الكثير من المدن الأوروبية.
و تجدر الإشارة هنا، و قبل الإنتقال إلى الحديث عن الجانب الفني في أعمال جبر، إلى أن عدداً من أعماله احتل مكانه في متاحف أوروبية، خاصة إيطالية، وفي متاحف عربية. كما تجدر الإشارة أيضاً إهتمام جبر المتزايد بإقامة علاقة و حوار بين الفنانين العرب في الوطن وزملائهم في المهاجر التي يقيمون فيها، و ان تنظم معارض هنا و هناك، إذ عن هذا الطريق يمكن أن يخلق التفاعل، و تمد الجسور، و يتم التأثر و التأثير، و الذي من شأنه أن يغني الطرفين، خاصة و أن الهجرة الإلزامية قد طالت بالنسبة لعدد كبير من الفنانين، وأخذ الوطن يصبح بعيداً أو حتى مجرد ذكرى، بعد أن تتالت السنوات دون أن تتاح لهم فرصة العودة من جديد.
لا تهدف هذه الدراسة إلى تناول كامل أعمال جبر علوان، منذ بدايته الأولى و حتى الآن. إن هدفها، بالدرجة الأولى، وغالباً، يقتصر على الأعمال المرافقة، للأن المطلوب، وربما الضروري، تناول أعمال محددة يمكن رؤيتها و التعامل معها، و بالتالي تساعد على فتح حوار حول هذا الفنان الذي يشكل إضافة نوعية في الفن العربي المعاصر، و الذي استطاع إثبات وجوده في إيطاليا أولاً، ثم في الأماكن التي عرض فيها أعماله، كما يعد أيضاً باحتمالات و آفاق هامة، خاصة و أن لديه الرغبة في الانخراط بأعمال فنية قد تطل على المسرح، وربما وسائل تعبير أخرى.
أشرنا من قبل أن جبر، في معهد الفنون الجميلة ببغداد، ثم في أكادمية الفنون بروما، درس النحت، وأن بداية اختباراته الفنية، و كان لما يزل صغيراً، و يعيش إلى جانب النهر: كتل الطين، و كيف يحولها إلى تماثيل و أشكال، كتعبير عن هذا التوق الداخلي لخلق أشكال فنية.
هذه البداية، ربما لسهولتها، باعتبار أن الطين المادة الوحيدة المتاحة، ثم ذلك المخزون في الذاكرة، و حتى في اللاوعي، و الذي تصطدم به العين أينما اتجهت في العراق و أجزاء أخرى من المنطقة، من تراكم الآثار و الأوابد و المدن الميتة، و التي تظهر على سطح الأرض على شكل منحوتات و كتل، خاصة في مكان شديد القرب من جبر، بابل، و ما يتولد نتيجة ذلك من تحريض و رغبة بالمحاكاة. و أيضاً الإنجازات الفنية في العراق الحديث، و المتمثلة بالمنحوتات و النصب و العمارة، و بشكل خاص نصب الحرية، الذي أنجزه جواد سليم، و أصبح أحد أهم المعالم في بغداد المعاصرة، و كان موضع اهتمام كبير لدارسي الفن و المتذوقين إضافة إلى الجمهور، خاصة بالموقع الذي يحتله كبوابة جديدة لكل داخل إلى بغداد... هذه العناصر، و ربما أخرى أيضاً، بما في ذلك الاستعداد الجسدي، جعلت جبر يمييل، بداية، إلى النحت، كتخصص دراسي.
يذكر جبر أن أول ما لفت نظره، واستوقفه، لما وصل إلى بغداد للدراسة: منحوتات جواد سليم.
وجواد سليم بالنسبة للفن العراقي المعاصر، و العربي أيضاً، واحد من أبرز المجددين و المؤصلين لهذا الفن، من حيث الإنجاز و التنظير، ومن حيث ربط هذا الفن بجذوره التاريخية، سومرية بابلية، ثم عربية إسلامية. يضاف إلى ذلك أن مرحلة جواد، و الفترة التي تلتها، كانت من أخصب مراحل الفن العراقي، تظراً لما أثارته من اهتمام تجاوز الوسط الفني إلى جمهرة كبيرة، خاصة وأن الإنجاز الفني الذي ساهم فيه الكثيرون كان يؤكد خصوبة هذه المرحلة، و يقدم الدليل على ذلك.
ليس غريباً، إذن، أن يختار جبر النحت، و أن يواصل الدراسة في هذا الحقل حتى في روما. و لكن هذا الفنان الذي اختار النحت لم ينحت إلا قليلاً. فقد استبدل الأزميل بالريشة، و استعاض عن الحجر و البرونز بالقماش و الألوان. و إذا كان من المفيد في وقت لاحق تقصي أسباب هذا التحول، فإن ما يراد لفت النظر إليه هنا، هو أن روح الكتلة ظلت موجودة في رسوم جبر. بل أكثر من ذلك : إن رائحة التراب، و ربما الطين القديم، لا تزال تعبق من عدد غير قليل من لوحاته. إن جوديا ، مثلاً، بجلسته القوية، و القلقة بنفس الوقت، يمكن رؤيته في لوحة الوجه الآخر للسلطة المرسومة عام 1980، و كذلك في لوحة الدراجة المرسومة عام 1984، و يمكن أن يتكرر الحال في لوحات أخرى كثيرة أيضاً، و في مراحل متلاحقة.
لا يعني ذلك مأخذاً، و إنما طريقة في العمل الفني، خاصة و أن عدداً كبيراً من الفنانين جمع بين النحت و التصوير، و لعل جواد سليم يكفي كمثل في الإيطار العربي.
في لوحة جبر ثمة مركز، و هو الذي يشكل الثقل الأساسي فيها، أما الأجزاء الأخرى، فتمثال الفراغ بالنسبة للعمل النحتي، أي تتوزع و تتناغم لتخدم المركز، و من أجل أن يكون في أقوى و أجلى حالاته، فالكتلة التي تبرز، لا بد ان تكون في الموقع المناسب، أن توضع في المكان الذي يلائمها، و هذا ما يجعل النظر يتركز في لوحة جبر على البؤرة أولاً ثم ينسحب تدريجياً إلى الجوانب، لكي يربط الأجزاء ببعضها، و ليكشف الصلة بين هذه الأجزاء، و بالتالي مدى ترابطها و انسجامها.
و لأن روح الكتلة، في اللوحة، تتمتع بهذه الأهمية، فإن الأمر يشبه التعامل مع مادة النحت، تشذيباً أو بالإضافة. فحيث تكون هناك ضرورة للحذف، للتخلص من الزائد، لا يتردد جبر في أن يحذف، و حين تقضي الضرورة بإضافةٍ هنا أو هناك يفعل. كل ذلك من أجل أن يكون حتى الفراغ في خدمة البؤرة أو مركز الثقل.
يضاف إلى ذلك، ومن روح النحت ايضاً، أن الكتلة التي يتعامل بها النحات، خاصة إذا كانت من الحجر و الخشب، تكون كبيرة، ثم يبدأ إختصارها و تشذيبها تبعاً لما يريد أن يخلق منها.
جبر وقد استبدل المادة و أداة التعبير، استعاض عن ضخامة الكتلة باتسلع اللوحة، ولعله من الفنانين العرب القلائل الذي يتعامل مع لوحات بهذه المساحة، و يجد فيها نفسه. إذ العادة أن يلجأ الفنان إلى اللوحة الصغيرة، نسبياً لكي يسيطر عليها، و يحسن ترويضها و التعامل معها.
جبر يفعل العكس تماماً، إذ في المساحة الكبيرة يتحرك بكفاءة و حرية، الأمر الذي لا نلمسه بنفس الحيوية، أو بنفس المقدار، في اللوحات الصغيرة.
لا يراد هنا المفاضلة بين لوحة و أخرى تبعاً للمسافة، فلجبر لوحات متوسطة المساحة تتجلى فيها حرفية النحات، و مثال على ذلك لوحة الشيخ المتسكع إذ تبدو الشخصية و كأنها مقدودة من المرمر الأسود أو مصنوعة من البرونز، خاصة و أن طريقة بناء اللوحة تقييم صلة قوية بين الشخصية، أو التشخيص الموجود في اللوحة و بين الفضاء المحيط بها، و كأن الفضاء، خلق، كمكان، لاستقرار التمثال و ثباته. حتى الألوان التي تم اختيارها فقد كانت مشتقة من اللون الأسود، بعد أن داخله البياض، ليصبح لوناً مساعداً لإبراز الحدود، أكثر من إبراز الملامح، و كأننا نشهد في عتمة أول المساء تمثالاً تسلط الضوء على الجزء الأعلى منه فقط ليتوهج و يشتعل. و كذلك الأمر بالنسبة للوحة الموقدن و هي بمساحة 50*70 سواء بطريقة بناء اللوحة أو اختيار المكان، إذ يتبين و كأن الأمرين نابعان من رؤية النحات بدرجة أولى.
و إذا كنا قد مّيزنا إحدى صفات جبر بإتساع مساحة اللوحة، فيمكن أن نضيف هنا، و استطراداً، أن لديه طموحاً أن يجد الفرصة مستقبلاً للمساهمة في رسم جداريات أو ديكورات لأعمال مسرحية يكون فيها الفن التشكيلي جزءاً من بنيتها، كصيغة من صيغ التلاقي و التفاعل بين أدوات التعبير، و إقامة الجسور فيما بينها.
هذه الصفة، أو هذه الخاصية النابعة من النحت، تتجلى في عدد غير قليل من أعمال جبر، و تقدم الدليل على إمكانية استخدام الصفات الإيجابية لفن و توظيفها في فن آخر. فالكتلة أو الحجم الذي يحتل الجزء الأساسي في اللوحة تتفرع منه الإشعاعات، إذا صح التعبير، أو الأجزاء، لتصبح مستقلة عن الكتلة و مرتبطة بها في نفس الوقت، مع مرونة عالية في الاستخدام قد لا نجدها عند الآخرين.
إن اللوحة هنا ليست حصيلة جمع الأجزاء، و إنما علاقة الأجزاء بالمركز، و علاقة الأجزاء ببعضها، بحيث أن أي اختلال في البناء أو العلاقة يضعف اللوحة كلهان و قد يهدمها، هذا يقتضي معرفة عالية، و حرفية متقدمة، في تحديد العلاقة بين المركز و الأطراف، و كيف يجب أن تتساند و تعزز التناغم الذي يربط فيما بينها.
النحات قبل أن يعمل إزميله في الحجر لابد أن يعرف طبيعة المادة بين يديه، و ما تحتمل من ضغط و شد و علاقة بين الأجزاء، غير واضحة، لكن ما أن يواصل السباحة، العمل، حتى تتحدد الأشكال و تتضح العلاقات، و هذا يتم تدريجياً، بالتراكم، باستمرار العمل، و أيضاً بالخبرة المستمدة من التجربة الطويلة و المعاناة، تماماً كما يفعل البدوي و هو يلتمس الماء في الصحراء، إذ عليه أن يحسن الإختبار، مدفوعاص بغزيرة البقاء، إلى أين يجب أن يتجه، مستهدياً برائحة الهواء و رطوبته، و بحركة النجوم. إنه يفعل ذلك بحدس داخلي يشير دون أن يقول.
يذكر جبر أنه حين يبدأ العمل و يواجه القماشة البيضاء يبدأ دون مخطاطات سابقة، دون دفتر يوميات، وبعض الأحيان دون فكرة، أو دون فكرة واضحة، لما يجب أن يرسم، لكن ما أن يبدأ اشتباكه مع الألوان، و العادة أن يفرش منها مقادير كبيرة، و ينظر إلى بياض اللوحة، حتى يصاب بحالة من الانفعال أقرب إلى الهياج، إذا صح التعبير،و يشرع في الرحلة. أنه يعمل، في المرحلة الأولى، بسرعة كبيرة، بتدفق لا يقوى السيطرة عليهن و كأنه الحمى. لكن ما تكاد الأشكال و الألوان و الأجزاء بحوار من أجل أن تتناغم، أن تتكامل و تترابط، لتصل اللوحة إلى الهارموني الذي أشرنا إليه من قبل.
هكذا تبدأ رحلة اللوحة. لكن هذا لا يعني أن كل لوحة يجب أن تسلك الطريق ذاته، أو تمر بالمراحل نفسها، لأن الحالة النفسية هي التي تملي، بالدرجة الأولى، طريقة العمل، و تحدد مدى الرؤية، و ما يجب إختياره من ألوان و أشكال. كما أن هناك لوحات تكون مرسومة، أو مرسوماً الجزء الأكبر منها، في الذهن أو في الذاكرة، و ما على الفنان إلا أن يظهرها،
و التظهير ذاته علاوة على البراعة التي يقتضيها، فإن اختيار الإضافات، و في المراحل المتعاقبة، أمر بالغ الأهمية لكي تأخذ الصورة روحها.
قدر لي ان أشهد جبر يعمل. ورغم أن الفنان، تقريباً، يحرص على سرية لحظة الإبداع، إذ يرغب أن يكون وحيداً، غير مراقب، فقد رأيت أمامي طفلاً يلعب. كان و هو يمزج الألوان، و هويقبض على الفراشي، و حين تتوالى ضرباته على سطح اللوحة، حين يتقدم أو يتأخر‘ و يفعل ذلك كثيراً، للتأكد من الأشكال و الألوان، كان ، ورغم إحساسه بوجود آخر، أنه مراقب، طفلاً يلهو، يلعب ، يدندن، يشجع نفسه، يضحك، و بعض الأحيان يشتم، فجأة يتوقف، و فجأة يعود إلى اللعب.
يذكر جبر أنه يشعر بالضيق و القلق، بقيود تكبله، في حال وجود أحد و هو يرسم. حتى ربيع، زوجته التي رافقته في شتاء 1996 إلى دمشق، و حين حول سكنه إلى مرسم، و أنجز أعمالاً هامة، بما فيها بورتريه لسعد الله و نوس، كان يضطرها بشكل جميل، إلى مغادرة البيت، لكي تتاح له أقصى حالات الحرية أثناء العمل.
يراد من هذه التفاصيل الصغيرة تأكيد أن الحرية في اللعب تكتمل حين ينطلق اللاعب على هواه، بلا خوف، بلا قيود ، و من أجل المتعة أيضاً، و هذا بالنسبة للفنان، لايتحقق إلا حين يكون وحيداً.
إذا كان الفنان يؤثر الوحدة حين يعمل، يتبادر إلى الذهن مباشرة سؤال: لماذا تقتصر معظم لوحات جبر على شخصية واحدة؟
يتأكد لنا ذلك حين نقلب الكاتولوجات التي بين أيدينا، بما فيها لوحات هذا الكتاب، أن نجد الغالبية العظمى من اللوحات تحتضن شخصية واحدة، و هذه الشخصية بالإضافة إلى وحدتها، فإنها تمتلىء بالشجن، إذا لم يكن بالحزن العميق، رغم محاولات الفرح التي تتظاهر، خاصة من ناحية الألوان.
إن هذه الحالة تتكرر بشكل لافت للنظر: الوحدة و الحزن.
و يحاول جبر، و ببراعة ملفتة، من خلال تغييب الملامح، او من خلال إطفائها، أن يبعد عن أنظارنا مسحة الحزنن أو أن يوهه، لكن إذا لم نستطع أن نكتشف الحزن في العينين فوراً، فإن الكثير من الإشارات و القرائن تشي به، تدل عليه: وقفة المرأة المتعبة؛ الانتظار اليائس؛ الأكتاف المتهدلة؛ الرأس المائل؛ حركة اليدين أو القدمين؛ هذا اليباس في الروح الذي يتخفى لكن لا يختفي؛ كل هذه القرائن، و غيرها، تؤكد الحزن، تجعله قوياً حين نمعن النظر، حين ندقق في الشخصية التي نراها.
حتى لحظات المتعة، لقاء إمرأة و رجل، و التي تتجسد في عدد من اللوحات، و قد لا يخلو بعضها من شبق، فإنها لحظات مسروقة، ملتبسة، و كأنها، بمعنى ما، الاستثناء في هذه الحياة، لأن الحزن هو الأقوى، هو الباقي.
في الرقص ، و الرجل بعيد، أقرب إلى الغياب و التجاهل. أليس في هذا دليل كافٍ على مدى حزن تلك المرأة؟ و في لوحة، ورغم العري و شبق الرجل، فإن وجه المرأة يوحي أنها تغتصب، و كذلك الأمر في لوحة عطيل و دزدمونه ليس معنى ذلك أن المرأة وحدها فقط الحزينة، في لوحات جبر، و إنما هي الأكثر حزناً، و إن كان الرجل حزيناً أيضاً، لكن الرجل يواري حزنه بالجهامة، بالقوة العضلية، و يحاول تأخير الاعتراف بحزنه و انكساره، في الوقت الذي تبدو المرأة أكثر شجاعة و هي تعترف. حتى لوحة الجواهري، و ما تتسم بها ملامحه من كبرياء، فإن في العينين حزناً، و هما تنظران إلى بعيدٍ مجهول و ربما عصي، و ما يؤكد ذلك أكثر حركة أصابع اليدين التي تحمل ما يفيض عن التساؤل، إلى الحيرة.
و إذا تأملنا اللوحة التي رسمها جبر عام 1995 بعنوان " تانغو"، و ما تحمله السيقان من رشاقة، فإننا نلاحظ هذه السيقان تغادر، تنسحب، و كأن اللعبة في نهايتها أكثر مما هي في حالة إقبال و فرح. و حين تنسحب أنظارنا إلى المرأة في اللوحة التي تقابلها، نجد الحزن كله مجسداً بتلك الوقفة اليائسة التي تقفها المرأة، و هي على يقين أكيد أن لا أحد سيأتي، و أن لا فائدة من الانتظار.
حتى البياض الذي يسربلها و يمتد أمامها و ترتمي أجزاء منه على يسارها و بالقرب من القدم اليمنى فإنه بياض الأكفان أكثر مما هو بياض ثوب الزفاف.
الوحدة و الحزن، إذن، من المعالم التي تميز الكثير من شخصيات جبر. و إن نظرة مدققة لما يعتبر إقبالاً على الحياة أو فرحاً في بعض اللوحات، نكتشف أن وراء ذلك قدراً كبيراً من القلق و الحزن، و اللوعة، و حتى الجنون. قد يختبىء القلق أولاً يظهر الحزن مباشرة، لكن النظرة الثانية تشي به و قد تكشفه.
أتذكر رأي سعد الله و نوس حين جرى الحديث عن البورتريه الذي رسمه له جبر، قال: إن جبر التقط و سجّل اللحظة الحرجة: لم يلتقط حالة المرض، لكنه لا يؤكد حالة العافية، لأنه لم يكن متاكداً، و بالتالي طرح سؤالاً، و كان يريد أن يشرك الآخرين في الإجابة عليه.
ما يساعد جبر على تسجيل مثل تلك اللحظات الحرجة، هي لحظات الانتقال و التحول، تلك الغمامات الخفيفة، و التي تشبه الدنتيلا، التي يسدلها على شخصيات لوحاته.
ألمحنا سابقاً أن النور المبهر، التشبيه بالوهج، الذي يملأ العراق، و الذي ملأ طفولة جبر، لا يمكن التعامل معه إلا من خلال ساتر يكسره أو يخفف من حدته، و هو ما اتبعه معماريون عراقيون مثل رفعة الجادرجي، و إن مثل هذا المقدار من النور يصعب التعامل معه في اللوحة، و لأن جبر يريد أن يبقي جزءاً من العواطف و الرجفة الداخلية التي تعتمل في قلوب الشخصيات التي سجلها في الظل، أو غيرعارية تماماً، فقد لجأ إلى المكر الفني، بأن جلل تلك الشخصيات بالدانتيل، أي أبقى مساحة من ملامحها في الظل، فنحن لا نرى عيون، و لا انفراج الشفاه، كما لا تلتمع رمانة الكتف في نصف العتمة التي يقصدها بمثابرة. لذلك يجعلنا ندقق، نمعن النظر، و يجعلنا نتساءل أيضاً. و هكذا يصبح المتلقي، المشاهد، جزءاً من اللوحة، لأن اللوحة أصبحت سؤالاً، و هو مدعو للمساهمة في الوصول إلى جواب على هذا السؤال.
و هنا نصل إلى المحطة المركزية في رحلة جبر الفنية: اللون.
العين هي النافذة التي نطل من خلالها على العالم المحيط بنا، و هذا العالم يتألف، قبل كل شيء، من الأشكال و الألوان، ثم تأتي الأمور الأخرى. لذلك يجب، بداية، التعامل مع هذا العالم بالنظر إليه، برؤيته، و بحالته القائمة، أي كمعطى بصري، ثم تأتي بعد ذلك العلاقات و الرموز و التفسيرات. و إذا كانت للوحة مميزات تلتقط بالعين، فيذكر جبر قولاً قديماً : " أن الشاعر اعمى و الرسام أخرس، و أنا مع هذا الرأي ط أي أن الرسام يرصد العالم بعينيه. و هكذا استبدل الكلمات بالأشكال و الأصوات بالألوان، لتكون هذه " كلماته" أو طريقته في التعبير، دون إحالة إلى شيء آخر، لأن الشيء الآخر، مهما كان بليغاً، أو واضحاً، فأنه يختلف بالضرورة عن الأشكال و الألوان، أو هو ليس إياها، و بالتالي بمقدار ما يهدف إلى توضيحها، أو ينوب عنها، فأنه يقود إلى الخطأ، أو لا يوصل إلى حيث يجب الوصول. و لأن جبر منجم من الألوان، فإن الطريقة التي خاطب بها العالم تتم عن طريق اللون و الشكل. يقول داريو ميكاكي، أحد أبرز النقاد الإيطاليين، و قد تابع أعمال جبر لدى الفنانين المعاصرين بحوث غنية عن موسيقى الألوان. جبر يمتلك هذه الموسيقى، و يعرف تنظيمها و تركيبها حسب أسلوبه. فلو أعدنا النظر في لون أحد رسومه، و ليكن الأخضر مثلاً، فسنجد أن هذا اللون لا يتكرر ثانية على الإطلاق و معنى ذلك أن الإنسان لا يستحم في النهر مرتين، على قول أفلوطين، لأن اللون نفسه يتغير تبعاً للحالة النفسية، للموضوع، للعلاقة بين أجزاء اللوحة، و بين ألوانها.
إن جبر و الألوان حالة خاصة بين الفنانين العرب، إن لدبه مخزوناً لونياً استثنائياً قلما نجده عند غيره. و إذا كانت محافظة روما قد منحت جائزتها لجبر عام 1985، فسبق أن منحتها لفليني، و كان جبر الأجنبي الأول الذي يحصل عليها، و قد منح تلك الجائزة بصفته ملوناً، أي أن لديه حساسية للون تميزه عن غيره من الفنانين، و كما يقول داريو : " جبر و هو يبدع أشكاله شيء عميق، مأساوي و مختصر، و كل ذلك يحدث ضمن إحساس عميق باللون، ذلك الإحساس الذي لا يمكن مقارنته أو العثور عليه لدى أي من الرسامين الإيطاليين" ، فاللون يبدو و كأنه ينبض على السطح من الشكلن مثل إنفجار بركاني ينبع من فوهة سرية.
ألوان جبر خلاصة للذاكرة و الرغبة، و هي رؤيته لما يجب أن يكونه الواقع أكثر مما هي تصوير لهذا الواقع، كما أن هذه الألوان سلاحه من أجل عالم أكثر جمالاً و أكثر انسجاماً و إنسانية، لأن ألوان العالم الذي نعيش فيه الآن حائلة و يغمرها القتام و البرودة، بحيث تزيد في وجع الإنسان و تعمق مشاعر الوحدة و الحزن لديه، و هذا ما يحاول جبر أن يقاومه.
النقاد الأجانب الذين تناولوا أعمال جبر يجمعون على أن ألوانه من الشرق، من العراق، يقول الشاعر و الناقد البلجيكي، ريجينيال كولي : " جبر مخلص لغنى الشرق"، " الألوان التي هي أخيراً هنا، حيث ينبغي عليها أن تكون دائماً، تثير ضجيجاً. لكنه ضجيج مطمئن. إن الانسيابات الصفراء أو الخضراء تبدو محمولة على الهرب من اللوحة، لكن يمكن التنبؤ أنها لن تفعل ذلك".
و يقول الرسام و الناقد الإيطالي أينو كلابريا : "جبر ينتمي إلى جيل الذاكرة، إنه يستند على الواقع و رؤيته التخيلية تحركها جذوره الشرقية".
أما داريو ميكاكي الذي رافق بدايات جبر في إيطاليان و تابع تطوره، فيقول : "جبر لا يبحث و لايرسم مدفوعاً بهدف أو رغبة أن يبني متحف لون خيالي، بل يدفعه حب الحياة من الحياة نفسها"، أما دوافع إختياره فهو " احتفال لوني نابع من الذكرى و الحلم لأنه هو رسام من المقام الأول، مليء بالحيوية، ليتأكد كاندهاشة شاعرية أصيلة، و ليحاول خلق أسلوب خاص لحياته ورسمه اللذين يدفعان لإعادة النظر إلى الأشياء".
و يتلبع داريو فيقول : " تلاحقت أمامي الرسوم ذات الألوان المذهلة، كما لو أنها خارجة من بركان هائج، كي تتجمد بهيئة طبقات و كتل صخرية على السطح و يمكن ملامستها بالعين، كما يمكن القول باليد لشدة الإحساس الهائج فيها". ثم يضيف متسائلا : " أين هو النبع الشاعري في ألوان جبر؟ إنه ليس في الكيمياء، و لا في أنابيب اللون. أما البوقة فهي الأنا العميقة في طيات الفعل، حيث يتدفق الدم، و يمتزج الماضي مع المستقبل، حين ذلك كل فكرة و كل إحساس يجد لونه المناسب و عنفوانه الموجب ومنه يجد خلاصه في اللوحة". و يختم داريو بالقول : " جذور جبر امتدت بعيداً و أوراقه تسطع على النور الإيطالي، إنها سيرة إنسانية".
الشاعر الإيطالي تونينو غويرا يقدم لآخر معرض أقيم لجبر ربيع سنة 1997 بالقول :
" فكرت في غويا
غويا جديد رمى قبضة من الألوان
على عالمه المعتم من الظلال
و الغموض...."
يكفي هذا القدر من الاستشهاد حول رؤية الأجانب لأعمال جبر و ألوانه للتأكيد أن هذه الألوان. من الشرق، في الوقت الذي يحاول بعض " نقاد" المنطقة نسبة جبر إلى هناك، إلى الغرب، لأنهم لم يروا مثله ألوان الشمس، و بالتالي لم يكتشفوا الفن الذي يحيط بهم.
أما جبر نفسه فيقول : " يمكن الاكتفاء بالموضوع بالنسبة للرسام بتجلياته البصرية و التسميات تناسب الشرق، لأننا ورثة لغة. بالنسبة لي الموضوع هو احتمالات لونية" و لذلك " إضافة إلى اهتمامي باللون فأنا أعتبر نفسي فناناً تعبيرياً، و أجد في الإنسان حالات تعبيرية تساعدني في خلق الموضوعات : حركة يد، حركة وجه، رقصة، ملابس....." و ما يهمني ليس التصنيف ضمن مدرسة، بل يهمني أن أكون صادقاً بالتعبير من خلال لوحتي". فإذا كان طقس العراق، الذي احتضن طفولة جبر، يحكمه، بالدرجة الأولى، فصلان : الصيف و الشتاء، فصيفه طويل شديد الحرارة، نهاره طويل أيضاً، نوره فياض مبهر، حتى ليبدو كل شيء فيه براقاً، واضحاً إلى درجة العري، فإن باقي الفصول، ثم الليل، يخلق تضاداً لونياً يوازي الصيف و ضوءه، فالظلمة حنونة، و إن كانت موغلة في السواد، و بالتالي فإن الألوان في مثل هذه البيئة صريحة، واضحة، و مستقلة في أغلب الأحيان.
حين يتهاوى ضوء الشمس على الأشياء و الكائنات تصبح عارية، ناحلة، أقرب إلى البياض. و هذا ما جعل عدداً مهماً من لوحات جبر تغرق في البياض العذب الموحي. أما إذا حلت الظلمة فإن الأشياء و الكائنات تغرق في السواد و تتحول إلى أشكال شبحية لا ينقذها إلا ضوء القمر أو الفوانيس الفقيرة، فتتبدى عند ذلك نائسة في خضم السواد و الخضرة، و قد تتخللها لمعة ضوء من نجم بعيد أو نيزك أفلت من مداره، فتترك جمرات مضيئة هنا و هناك، و كذلك فإنها تومىء إلى الشكل أكثر مما تسجنه في التفاصيل.
في أضواء مثل هذه تصبح الألوان لها نكهة مختلفة عن الأماكن الأخرى. إنها لا تتداخل، لا تتدرج، لا تموه نفسها، و لذلك تصبح مباشرة صريحة، و بعض الأحيان حادة. في الأماكن الأخرى يصعب للون أن ينفصل عن آخر، أن يستقل، و هذا ما يجعل الألوان تمتزج إلى درجة تفقد ألوانها و تتحول إلى ألوان أخرى.
حين خرج الانطباعيون إلى الهواء الطلق، إلى الطبيعة، بدت ألوان انطباعيي الشمال مختلفة عن ألوان انطباعيي الجنوب. و في محاولة لاكتشاف خصائص النور، و بالتالي اللون، أوغل عدد من الانطباعيين جنوباً، و عبر بعضهم البحر، و هكذا تغيرت ألوانهم على الشاطىء الآخر من المتوسط.
رساموا العراق امتلكوا جرأة الانطباعيين الأوائل، لذلك لم يتردد عدد كبير منهم في أن ينتقل من المراسم إلى الهواء الطلق لاختيار الموضوعات و الألوان، و هذا ما أدى إلى تميزهم في الاختبارات اللونية، و التي تجلت بانجازات هامة، انتقلت من جيل إلى آخر، و إذا كان فائق حسن يعتبر رائداً في هذا المجال، فإن ضياء العزاوي لا يقل إقداماً و شجاعة في مغامرته اللونية، حين توصل إلى ألوانه الخاصة، من خلال الصراحة و القوة في اختياراته. جبر ابن هذه البيئة، و كانت باصرته ترشد وتضيف إلى بصيرته في اختباراته ثم في خياراته اللونية، و إن اختلف عن فائق حسن و ضياء العزاوي، فإذا كان الأول أخضع اللون إلى الموضوع، و جعله تابعاً له، و إذا كان ضياء العزاوي مثل الطرف المقابل، من خلال التضاد اللوني، و خلق الحوار بين الألوان،و كان أكثر إيغالاً في مغامرته اللونية، و كان جريئاً في تجريبه و اكشافاته، فإن رحلة جبر اللونية لها خصائص تجعلها مختلفة عن الاثنين. التشخيص محور في أعمال جبر. صحيح أنه لم يعد مهتماً بالموضوع كما كان الحال من قبل، و تجاوز المضمون بعد أن تخفف من تأثيره المباشر، و بالتالي يختلف عن فائق حسن، إذ لا يخضع اللون للموضوع، و إنما يقيم صلة غير مباشرة، أو يجري حواراً بين الموضوع و الألوان التي تتفجر منه أو تفجره و القادرة على إظهاره في أحسن تجلياته، دون أن تذوب فيه. أي أن اللون ذاته، في حالات كثيرة، هو الموضوع، دون أن يعني ذلك إلغاء التشخيص أو اعتباره هامشياً. لقد اندمج اللون بالشيء الذي يراد له أن يكون موضوع اللوحة إلى درجة أن أية إزاحة أو تغيير يفسد اللوحة كلها. أو كما يقول الناقد السوداني فتحي عثمان : " هدف جبر اكتشاف علاقات الألوان في تنوعها و تجددها عبر الموضوع، و في النظر إلى المساحات كعلاقات لونية تخلق متعة بصرية لا نهائية، أي تركيباً و اكتشافاً، أو هكذا تبدأ اللوحة لكي لا تنتهي".
أي أن اللون لدى جبر بقدر ما يحرض على خلق الموضوع، فإن الموضوع ذاته يصبح، أو يتحول إلى بنية لونية مندمجة. و هذا ما يعطي لوحته نكهة مميزة و متجددة، فالحساسية المرهفة للون، و النابعة من مكان قصّي، من الذاكرة او الحلم، تجعل اللون مناخاً بصرياً و نفسياً في آن، إذ يمكن التعامل معه خلال الموضوع، كما يمكن رؤيته طيفاً و علاقات لونية تحتضن حالة، أي أكثر من شيء، لا يمكن أن تبرر أو أن ترى بهذا القدر من التجلي إلا بهذه الحاضنة الشفافة و الحوارية من الألوان.
لا يمييل جبر إلى التجربة أو إلى الغنائية اللونية، إذ أن التشخيص لا يزال موجوداً و أساسياً في لوحته، و لذلك فإن اللوحة لا تعتبر حواراً بين الألوان فقط، و لا تنحو إلى التزيين او إظهار البراعة، قد ما تعكس رؤية للألوان و قدرة على توظيفها ضمن سياق تتبدى فيه، و كأنها تحمل داخلها طاقة لم تكن فيها من قبل، أو لم نكن، كمشاهدين، قادرين على اكتشافها أو التفاعل معها بهذا الشكل إلا بعد أن أعاد جبر ترتيبها و تنظيمها في السياق بطريقة تبرز قوتها و الطاقات الكامنة فيها.
قد تعتبر كلمة تنظيم أو ترتيب، باردة، لا تفي بالغرض، لأن جبر، و هو يتعامل مع اللون، يصل إلى خلاصته، إلى روحه، إذا صح التعبير. و هذه الخلاصة، أو هذه الروح لا تتبدى بوضوح إلا من خلال انسجامها الداخلي، و قدرتها على أن تحاور عين المتلقي و أن " تقول" له شيئاً جديداً لم يكن في اللون لما كان محايداً، أو كما هو عند رسامين آخرين.
إن بعض النقاد في إشاراتهم إلى العلاقة بين أعمال جبر، ألوانه بشكل خاص، و أعمال و ألوان : كوكوشكا و مونش و نولده، و أيضاً التقاطع مع فرانسيس بيكون، فلا بد من إضافة عدد آخر غير قليل من الرسامين الذين تميزوا بألوان، أو بموضوعات، تستهوي جبر، مثل لوتريك و غوغان، و مثل مروان قصاب باشي في متابعته لحالات معينة و تكرارها غير التكرر في محاولة لقراءتها و اكتشاف أغوارها، إذ تعني أن جبر في قلب حركة التشكيل، وله تميزه في نفس الوقت، كما أن لديه هموماً فنية و محاولات بحث، مستفيداً من مخزونه البصري، و من ثراء الطفولة بشكل خاص.
ليس من السهل تصنيف جبر في مدرسة فنية، لأن التصنيف يعتمد، أغلب الأحيان، من قبل النقاد و مؤرخي الفن لتسهيل قراءة الفنان، أو لوضعه في خانة من خلال المشترك مع الآخر، دون الالتفاف، بما يكفي، إلى الشيء الخاص أو المختلف، مما يؤدي إلى إطلاق أحكام قد لا تكون كافية أو دقيقة في توصيفه.
جبر بالإضافة إلى رفضه أن يكون ضمن قالب محدد، فأنه يمتلىء حنيناً إلى تجاوز نفسه باستمرار، لأن أحد أهم دوافعه ك الاكتشاف. و رغم أن موضوعات معينة تتكرر في أعماله، إلا أن المفردات و زاوية النظر ثم الألوان في كل لوحة تختلف عن الأخرى. و احد أبرز مظاهر الاختلاف اللون، فاللون تمليه الحالة النفسية، و هذه لا تتكرر أبداً، لأن لكل حالة نفسية لحظتها، و التي تنتهي تتغير، بانتهاء تلك اللحظة.
لقد تحدثت مطولاً مع جبر عن لوحتين : " ناشرة الغسيل" التي تمتلىء بالبياض، و قد عرضت في أول معرض أقامه جبر في دمشق عام 1987، و كان ينوي أن يحتفظ بها، لكن أتى من اقتناها، و ذهبت. و لأن لها تلك المنزلة في نفسه، فقد حاول أن يرسم لوحة مثلها، لكن المحاولات انتهت إلى الفشل، فتوقف عن تكرار المحاولة.
أما اللوحة الثانية فهي " الشاعر"، و قد أخذت شكلاً معيناً، إذ كانت تسبح في النور، في بياض أقرب إلى لون الحليب، لكن، ورغم انتهاء اللوحة، إلا أن التطورات التالية التي لحقت بذلك الشاعر جعلته يحوّلها إلى اللون الأخضر و مشتقاته، علها تكون أملاً للمستقبل، أو أرضاً قد تنبت خضرة دائماً. و لا يزال جبر يتحسر على "غياب" اللوحة في بياضها الزاهي تحت ثقل الألوان التي تراكمت فوقها.
هذا يعني أن الرسام الجدي لا يرسم لوحة مرتين، حتى لو أراد. و حين نتأمل " نساء جبر" نجد أن هتاك شيئاً مشتركاً، و لكن نجد في نفس الوقت أن كل امرأة تختلف عن الأخرى نوعياً، و مع ذلك نستطيع ، دون خطأ، أن نقول : هذه المرأة من نساء جبر، كما لدينا نفس الجرأة أن نقول : هذه من نساء رينوار.
اللون، هنا، هو الذي يحدد، هو الذي يعطي النكهة، و هذا اللون، بالإضافة إلى ما يعكسه من مزاج نفسي، فإنه حصيلة معاناة طويلة و تجارب متواصلة إلى أن وصل إلى ما يمكن تسميته اللغة الخاصة، أي لغة جبر التي تميزه عن غيره من الفنانين.
و إذا كانت ذاكرة الطفولى لا تزال حاضرة و مؤثرة في ألوان جبر، فإن الألوان الحارة قدر ما تملك من تأثير مباشر على العين، و تولد إيحاءات تتداعى بسرعة، فإن اللون الأحمر، خاصة حين يحتل مساحة واسعة نسبياً في اللوحة، يمكن أن يكون خطراً، و هذا ما يتطلب أن يكون هناك اقتصاد و روية في التعامل معه، خاصة وأن لجبر أعمالاً بالغة الأهمية حين تخفي هذا اللون، حين تداخله مع غيره من الألوان.
إن الرحلة مع ألوان جبر بمقدار ما تولد متعة بصرية، فإنها تطرح أسئلة بالغة الأهمية، لأنها تجعلنا نعيد النظر بالألوان التي حولنا، أو تجعلنا نراها بشكل مختلف عما تعودنا رؤيتها.
و الفنان الذي يستطيع أن يعوّد الناس على رؤية الأشياء بطريقة مختلفة عما تعوّدوا عليه، إذ يجعلهم يرون الألوان جديدة، يكون فناناً أضاف لأبصارنا بصيرة جديدة، و هذا أقصى ما يحلم به الفنان.
هذا الدفق بالألوان، هذه الخصوبة المتجددة في ألوان جبر، و هذه الطفولة الدائمة في الرؤية و الاكتشاف، تجعلنا نقول لقد استطاع هذا الفنان مساعدتنا على أن نرى الأشكال و الألوان بطريقة أجمل، و جعلنا نتساءل أيضاً.
نص كتاب وثائقي / اصدارات دار المدى / دمشق
* * *
علوان: شخوصي مزيج من الوحدة والتأمل والترقب
ان القراءة الأولى لأعمال جبر علوان لا تكفي، فبعد انخطاف العين نحو حركة الالوان المتفجرة لابد من التأمل الصامت، فمنذ رحلته الطويلة من بابل البعيدة الى روما، قبل نحو ثلاثين عاما، ظلت ذاكرة جبر مسكونة بتنويعات الحياة والالوان الشرقية التي تمزج الواقع بالحلم، وعلينا ان نتأمل لوحاته كما تأملها هو في ولاداتها الاولى.
ومع ان جبر علوان استقر في روما على ارض صلبة، وانتشر غربا، الا انه ظل يحج الى الشرق ويعرض اعماله، ويرسم، مغامرا، مراهنا على اضافات جديدة الى انجازاته التي اعترف بها الغربيون قبل الشرقيين.
يحرص جبر على التواصل مع مشاهديه واصدقائه، ولهذا لم تنقطع معارضه الفنية في العواصم العربية، ومعرضه في "جرين آرت" في دبي لم يكن الاول، في الوقت الذي صدرت فيه السيرة الحياتية والفنية له في كتاب عن دار المدى بدمشق من تأليف عبدالرحمن منيف بعنوان "جبر.. موسيقى الالوان" ويحمل هذا الكتاب صورا لجبر منذ طفولته، وصورا لأهم اعماله في مراحلها المختلفة.
يقول عبدالرحمن منيف: ان الرحلة مع الوان جبربمقدار ما تولد متعة بصرية، فانها تطرح اسئلة بالغة الاهمية، لأنها تجعلنا نعيد النظر بالالوان من حولنا، او تجعلنا نراها بشكل مختلف عما تعودنا رؤيتها.
بين مواعيد جبر التي لا تنتهي مع الالوان والاصدقاء، في دمشق، كان هذا الحوار معه قبل سفره الى دبي لحضور معرضه الذي اقيم بصالة الجرين آرت.
التحليل باللون
* ثمة علاقة خاصة تربطك باللون، والذين يعرفون اعمالك يمكن ان يميزوا ويعرفوا لوحاتك عن بعد، ويقولوا: هذه الوان جبر علوان، فكيف تشكلت وتطورت علاقتك بالالوان؟
ـ انا درست النحت، ولكن اللون هيمن على مشاعري، واللون هو فلسفة تعبيرية بحد ذاتها، وانا احاول من خلال اللون تجسيد مفاهيم خاصة بي، فمن خلاله استطيع التعبير عن الشكل الجمالي للانسان، عن حالات الفرح او الوحدة، ومع الزمن تطور هذا اللون، فوصلت في اعمالي الجديدة من خلال اللون الى مرحلة التحليل النفسي للشخوص المرسومين.
* هل لديك شروط مسبقة تتحكم باختيار الالوان في اللوحة الواحدة قبل او اثناء عملية الرسم؟
ـ عندما ارسم اكون في حالة تحرر من الشروط المسبقة، لأن الفنان هو مجموعة مكتسبات، وعليه ان يترك مساحة واسعة للاوعي.
فاللوحة احيانا تفرض شروطها، فيحدث لي احيانا وانا ارسم ان اغير الالوان او الاشكال قبل انتهاء اللوحة.
* هل لاحظت او شعرت ان ممارستك الطويلة في الرسم، بلغتك الخاصة، تركت اثرا على حياتك الشخصية وعلاقتك ومشاعرك، مثلا؟
ـ اية عملية ابداعية صادقة تؤثر على كيان الانسان المبدع، تهذب وتشذب الزوائد ويصبح الانسان صغيرا امام ابداعه.
الفن يصقل السلوك، واذا وجدنا بعض المبدعين التي تتضخم لديهم الانا فهذه مشكلة، او حالة مرضية.
* عندما نحاول قراءة اعمال بعض الفنانين قد نحتاج الى مفتاح او لوحة مفاتيح خاصة، وهذا ما ينطبق على بيكاسو ودالي وجياكومتي مثلا، فما هي الفكرة الاولية التي تشكل مفتاحا يستخدمه المشاهد العادي لقراءة لوحاتك؟
ـ حاولت منذ البداية ان تكون لوحتي بسيطة، وخصائص اللوحة هي فن بصري، يخاطب العين مباشرة، واعتقد ان لوحتي تخاطب عيني انا مباشرة، ولهذا فانني اشعر بمتعة بصرية اثناء العمل، متعة سهلة ومقروءة لي، وحيث انني بسيط اصلا، فأعتقد انها سهلة لعين القارئ، ومع ذلك فان هناك ابعادا وخفايا لا يكتشفها المشاهد في القراءة الاولى، فهو يحتاج الى التأمل، بعد المشاهدة الاولى، وهذا يمكن ان يكون المفتاح.
* من خلال استعراض سريع لأعمالك القديمة والجديدة يمكن ان نكتشف انك تميل الى اللوحة ذات الحجم الكبير، فما هو السر في ذلك؟
ـ انا افضل اللوحة الكبيرة لأنها تمنحني حرية واسعة في التعبير وتمنح نفسها حرية في الامتداد، فاللوحة الكبيرة كالبحر، يشبع خيالك وتصوراتك ورغباتك، بينما اللوحة الصغيرة كالنهر الصغير الذي يقيد الخيال ولا يدعو الى مزيد من التأمل.
الاحتفال بالجسد البشري
* في اعمالك احتفال بالجسد البشري وتمجيد لحركته وانطواءاته، وهذا الاحتفال يأخذ اشكالا من الاناقة والغزل، والحب الخفي الصامت، والاثارة الرفيعة، وسبق لك ان اشتركت مع سعدي يوسف في اصدار مجلد خاص بعنوان "ايروتيكا" يضم قصائد ورسوما خاصة بالجسد البشري وتجلياته، فماذا ترى في هذا الجسد، عادة؟
ـ ان الاهتمام بجماليات الجسد البشري يدخل في يوميات السلوك العادي، لدى الناس، ذكورا واناثا، وفي كل مراحل حياتهم، ولكنه عند الفنانين والشعراء يأخذ ابعادا اخرى، فهو نبع دائم للابداع.
* يمكن ان نقول ان للجسد البشري لغة خاصة به، وهذه اللغة يمكن اكتشافها في نبض الجسد الحي، او في ايقاعات الجسد المرسوم في لوحة، فكيف تفهم ذلك؟
ـ للجسد البشري رموزه ولغته، وبين المليارات من الناس لن نستطيع ايجاد جسدين متشابهين بكل التفاصيل الكبيرة والصغيرة، في الشكل والحركة، والعضو الواحد في الجسد تتغير وظيفته، فاليد الواحدة لها آلاف الوظائف، ويمكن للفنان ان يميز بين حركات الايدي المختلفة، فهذه يد نجار، وتلك يد موسيقي، وهما يختلفان عن يد المصارع، وهناك حركات العيون التي تمثل مرايا النفس البشرية، والامثال الشعبية في اللغات المختلفة تحمل الينا صورا لا تنتهي من معاني حركات الاعضاء البشرية، في حالاتها المختلفة.
ان الطبيب يتعامل مع الجسد البشري بطريقة مختلفة عن الفنان، ويقرأ لغة الجسد من موقع الباحث عن الخلل في ايقاع الجسد، وهو يلتقي مع الفنان في بعض المسارات، لكن الفنان يحلل الجسد البشري، ويبدع منه حالات كثيرة، جمالية وتعبيرية، ونفسية.
واذا كنا كبشر نتعرض للاستغلال والاضطهاد في اجسادنا ونفوسنا، فلماذا لا نحرر انفسنا في تعاملنا مع جماليات اجسادنا التي تشكل جزءا من جماليات الحياة على الارض.
* تبدو العين البشرية في رحلتها اليومية في الزمن الراهن مرهقة بازدحام المرئيات المتحركة والثابتة والملونة، فما هو انعكاس هذه الحالة على علاقة العين البشرية باللوحة التشكيلية او النحت؟
ـ تعددت الفنون، بانواعها واساليبها بحكم التطور الطبيعي والقفزات التقنية، لكن بعض الفنون تظل متماسكة على الرغم من المزاحمة، وهكذا تستمر حركة الحياة والفن في ايقاعات متوازية، متعايشة بما فيها اللوحة والمنحوتة. حينما يضجر الانسان في اوروبا من الزحام والضجيج يهرب الى المتاحف، او الى اي نوع من الفن، واذا لاحظنا اي نقص في اهتمام الناس بالفن فهذا لا يعني خراب العلاقة القديمة بين الانسان والفن، وانما بسبب تسارع الحياة اليومية والاحتياجات الاضافية للعمل والركض وراء المشاغل اليومية المتزايدة.
* انت كفنان عربي تعيش في ايطاليا، كيف ينظر النقاد الى تجربتك من حيث العلاقة المزدوجة بالشرق والغرب؟
ـ منذ البداية كانت تربيتي الفنية حديثة ومكتسبة، فقد درست الفن بشكل اكاديمي على ايدي اساتذة درسوا في اوروبا، وبعد ان انتقلت الى ايطاليا منذ ثلاثين عاما صرت قريبا اكثر من مصادر الفن الحديث، وتعمقت تجربتي الفكرية والفنية معا، لكن هذا لا يمنع ان القول بأنني شرقي احمل شخصية مركبة من ثقافتين، فالقراء والنقاد في اوروبا يشيرون دائما الى جذوري الشرقية، بينما القراء والنقاد العرب يشيرون الى تأثري بالغرب.
* كيف تنظر الى الواقع الراهن للفن في اوروبا، كمشهد يمكن ان ينعكس على راهن الفن في العالم؟
ـ ليس هناك شكل واعد او نموذج من الفن الجديد يطرح في اوروبا، لكن هناك تنويعات كثيرة على الاتجاهات التي ولدت بعد الحرب العالمية الثانية، فهناك الفن المفهومي (Conceptual Art) وفن التركيب (Installation) ودخلت الى الفنون عناصر اخرى كالفيديو والفوتوغراف والكمبيوتر وكل وسائل التقنية والاتصال، ولكن كل هذه العناصر لا تلغي كلاسيكيات الفن كاللوحة والمنحوتة، وانما تتعايش معها، بشرط وحيد هو انتسابها الى الابداع، فلا يطغى فن على فن اخر، وفي المعارض الكبيرة مثل بينالي فينيسيا يمكن ان نجد اللوحة الى جانب اعمال مركبة او فوتوغرافية، او عرض فيديو، او نجد جسدا بشريا حيا او كائنا حيا بين العروض الاخرى.
* ماذا تعني لك ايطاليا، وما هي الخصوصية التي تربطك بها؟ ـ ايطاليا هي اقرب البلدان الاوروبية الى روحي واروح الفنان الشرقي، كذلك فإن ايطاليا كانت ومازالت مزارا للفنانين العالميين، لأن لها سحرها الخاص، وكثيرون هم الذين استقروا فيها بعد زياراتهم الاولى اليها.
كانت الحياة في روما سهلة بالنسبة الي، بحكم تسامح الايطاليين، وكانت روما تقدم لي غذاء فكريا وجماليا، فالمدينة ذاتها تشكل متحفا حيا كبيرا، في شوارعها ومعابدها ومتاحفها وساحاتها وطبيعتها المعمارية، وهي امتداد معاصر للتاريخ الحضاري.
وفي ايطاليا طبيعة متنوعة وبيئة غنية، من البحر الى السهل الى الجبل، وفيها كثافة في تعداد الالوان، فهي تختصر الوان الطبيعة، والشعب الايطالي يملك ذائقة فنية عالية في كل وجوه حياته من الطبخ الى اللبس الى العمارة الى الفن والحب.. فكيف لي، اولأي فنان، الا احب ايطاليا؟!
* ان كل الشعوب التي تهتم بالثقافة والفنون تحاول ان تستلهم تراثها الثقافي والفني البعيد، ونحن ننتمي الى حضارات قديمة كان لها دور كبير في تنمية الفنون، فما هو سبب انفصالنا عن هذا التراث القديم؟
ـ لدينا تاريخ حافل بالحضارات القديمة التي قدمت الابجديات الاولى وانواعا خالدة من الفنون، فيما بين الرافدين وبلاد الشام ومصر والجزيرة العربية، وبرزت بين وجوه هذه الحضارة، العمارة والنحت والرسم، ولكننا انفصلنا عن هذا التراث، في ظروف معتمة من التاريخ العربي،في عصر الانحطاط الذي دام قرونا، ويجب ان نعترف بأن العرب لم يكونوا متعصبين ضد الفنون، في كلمراحل حياتهم، وعلينا العمل لاستعادة علاقتنا الابداعية والحياتية مع تراثنا الثقافي والابداعي.
* كان الشرط الاول لموهبة الفنان هو التشريح، ولكن حركات التحديث في الفن ازالت هذا الحاجز، وطرحت بدائل مختلفة، فما هو البديل الراهن للشرط القديم: التشريح الاكاديمي؟
ـ كان الفنانون القدامي يهتمون بالشكل الخارجي واتقان التشريح، ولكن قراءة الحالة النفسية بدأت في عصر النهضة، ومن خلال محاولة مايكل انجلو اضافة وصف الحالة، مع التشريح المتقن. ففي تمثال "الرحمة" الذي يمثل العذراء والمسيح طفلا، جاء وجه العذراء اصغر من وجه طفلها تأكيدا لعذريتها.
وبعد مايكل انجلو دأبت التيارات الفنية المستحدثة على الخروج عن الشروط الاكاديمية، حتى صار التشريح شرطا منسيا، وصار الشرط الوحيد هو "بناء العمل الابداعي".
* من خلال تجربتك الطويلة في عرض اعمالك في المدن الاوروبية والمدن العربية، كيف تنظر الى نوع الاختلاف في قراءة اعمالك بين المشاهد الاوروبي والمشاهد العربي؟
ـ المشاهد الغربي يمتلك ثقافة تشكيلية لها جذور بعيدة، لذلك تأتي قراءته للوحة اعمق واكثر تحليلا، من المشاهد العربي او الشرقي، لأن اللوحة فن جديد في الشرق، كما ان المعارض غير مألوفة في الماضي.
في الغرب، الفن متاح للعين منذ الطفولة، في الشارع والبيت والمتحف والمدرسة والكنيسة، وهذا يساهم في تنمية الذائقة التشكيلية الفردية والعامة.
والذائقة التشكيلية ايضا مرتبطة ببقية الفنون، كالعمارة والموسيقى، والنحت، والسينما. ومع ذلك فإن المشاهد العربي حقق خطوات ناجحة في الاقتراب من قراءة العمل الفني وتذوقه.
ان ثقافتنا العربية تعتمد على الكلمة، وعدد كبير من الفنانين التشكيليين العرب نقل الكلمة الى اللوحة تحت تأثير هذه الحالة.
* من خلال متابعة قراءة اعمالك يمكن ان نلاحظ غياب بعض التفاصيل في الشخصيات التي ترسمها. لماذا؟
ـ عندما ارسم جسد الانسان بشكل عام احاول ان الغي كثيرا من التفاصيل البسيطة لضرورة العمل الفني، كالعيون وغيرها، واركز على بعض التفاصيل الاخرى كالايدي او حركة الوجه تبعا للموضوع الذي اريد التأكيد عليه.
* في شخوصك مسحة خفية من الحزن او الحنين الى شيء ما، فما هو سر هذا الحزن، وما هو مصدره؟
ـ انا لست مع الحنين بشكل عام، انا مع الذاكرة، فالحنين مزور لأنه يعطي صورة جميلة لكل الماضي، اما الذاكرة فيدخل العقل في ترسيمها، او صياغتها.
ان حنينك الى مكان اليف كنت تحبه في طفولتك يحجب عنك كل ما هو سلبي في ذلك المكان، مثلا، اما الذاكرة فانها تعطيك كل التنويعات الايجابية والسلبية في ذلك المكان.
في شخوصي اجد الوحدة والتأمل والترقب لشيء ما.. سيحدث، او قد يحدث شيء اخر، مختلف عنه تماما.
* لماذا الوحدة؟
ـ هي حالة اغتراب عام، اغتراب مع الهم، انفصال عن الواقع والحاضر، وهذه نتيجة لقسوة الحياة التي نعيشها، وهيمنة التقنية والانحسار الاقتصادي.
* * *
لوحات مثقلة بشحنات من الانفعال
الرؤية الفنية عند الفنان جبر علوان تبني نفسها على شعور عاطفي قلق، وهيمنة حسية تبحث عن تعبير آني مباشر، يتمثل بلغة الشكل ذات المنحى الواقعي التعبيري، الذي تجسده ألوانه الاصطلاحية اللاواقعية المثيرة بصريا، وهذا الجمع الذي بدأ واضحا خلال عمله في السنوات الأخيرة، لا يمكن عزله عن بعضه، لأنه يشكل وحدة نسيج تمتلك ملامحها من خلال تلك الألوان التي منحها قيمة مطلقة، مثقلة بشحنة الانفعال، الصافية الرائقة التي تبدو بعض الأحيان وكأنها غير متصالحة مع بعضها على سطوح لوحاته. فهو في مركباته التعبيرية يعتمد هيمنة الحدس والمخيلة، هيمنة الرؤية على المعرفة الذهنية، وإسقاط حالته الفردية على الإنسان الذي يشغل كل مساحات لوحاته مرسومة بسرعة دون تفكير معمق أو تعقيد، بتعبيرية تلقائية يتجاور الأحمر الناري والأزرق الليلي مع الأصفر المحترق، يوحي بالتضاد، ويحمل قدرا كبيرا من التكامل المتوازي بين نقيضين.
تتصف اللوحة عند جبر بالتسطح المعتمد للأشكال، التي تبرزها لمسات الطلاء نفسها الدالة على الخطوط المضطربة المستمدة من حركة الأجسام البشرية وإرهاصاتها التعبيرية، إذ أن سطوحه الملونة التي لا تحددها في العديد من الأحيان إلا خطوط تتصف بالصلابة وعدم الانتظام ، قد أضافت قدرا ملموسا من الحيوية البصرية على الشكل المطلوب إنجازه والتي تشعر المتلقي بتلخيص بليغ ومفاجئ للموضوعات التي يطرحها الفنان، مع أن ما يطرحه يعتبر سهل القراءة ويتيح في اغلب الأحيان فرصة التقارب مع الواقع المرئي، ذلك انه يتخذ من الإنسان موضوعا يعبر من خلاله عن أحاسيسه.
إن تعبيرية جبر علوان التي قامت على تشويه الأشكال وعنف اللون اللاواقعي، وعملت على استثمار مصادر الاضطراب، لا زالت ملتزمة بمشاكل الناس الذين صورهم بمحبة وروعة، ومرتبطة بعالم الظواهر التي تحيطنا اجتماعيا، تبدو وكأنها لحظة معاشة، رسالة ملونة صامتة غير متحركة، إلا أنها تولد لدى المتلقي انطباعا بالحركة التي تحيل كل ما هو مجرد حسي، ومنطلق من العام إلى الخاص، إذ يمكن أن يقال بان فنه استدلالي، يبدأ بتجريد بنية اللوحة بطريقة لا تحمل أي إيهامية، إنها بنية سريعة تتمثل بوضع مساحات كبيرة من اللون تقوده لتحديد الشكل المطلوب إنجازه.
تعبيرية جبر علوان ذات الصلة الوثيقة بالحياة الواقعية، تتشبع بمرونة جميلة في استخدام اللون، والتي يعمل بها الضوء على الإيحاء بتجسيم الأشكال وإعلاء قيمة التعبير فيها، فهي تنحو للتخلص من المفهوم، والتبسيط في الشكل، يساعد الفنان اللون الذي تزهو به الشخوص والسطوح الخلفية، وفي حالات أخرى يلاحظ المشاهد انطفاء هذه الألوان لتطغي عليها الألوان الرمادية، ذلك أن اللون بقيمته التعبيرية عند الفنان يتحدد بمساحات مختلفة الملامح والهيئات، يكاد يتساوى مع الوحدات التي يتناولها سطح اللوحة ومن مستويات مختلفة للتجربة.
الدراسة الأكاديمية لهذا الفنان امتدت عدة سنوات، ابتدأها في معهد الفنون ببغداد وأكملها بسنوات عديدة في أكاديمية الفنون بروما( دراسة الرسم والنحت)، ومكنته من اكتساب مهارات أدائية مصحوبة بكثافة الممارسة التقنية لمعالجة سطح اللوحة وبالذات علاقة الضوء بالظل، والكتلة بالفراغ، وقد بنى كل هذا على حسيته بأهمية هارمونية اللون وتناقضاته، والتحوير في الشكل، إضافة إلى استلهام الصور المرئية للواقع وتأويلها إلى موضوعات جديرة بالرؤية، تبني نفسها بنفسها بعض الأحيان بقلق صوفي للإنسان العراقي يحاول تخطي الواقع ليستنبط عوالمه ومفرداته الخاصة.
لقد أتاحت تجربته قدرا كبيرا من الشجاعة في التحرك في أحيان كثيرة بفطرة وسجية، وأحيانا بتلقائية، لأنه يرى بان المبالغات التقنية في حرفيات الرسم وما رافقها من تبريرات عند العديد من الفنانين العرب، هي ذات طابع أدبي غالبا ما تفتقر إلى الوضوح والرؤية الواعية، فهو يرى أن هذه الظاهرة قد تحجب عن الفن الكثير من أهدافه، فالفن لديه يعد إنجازا فرديا، ويتوجب على الفنان أن يكون ملما بالوسائل التي يستخدمها و يرتأيها.
تعبيريته لا تتبع في مسيرتها العامة منهجا فنيا محددا تلتقي عنده جميع أعماله، إلا أن خبرته الطويلة ونضوجه قد أكدا انطباعيته ودفعاه لان يطورها منطقيا وبشكل منهجي، ليصبح أكثر اقتراب إلى أنبوب اللون والاعتماد على ضوء المرسم الاصطناعي الذي أتاح له عدم الخروج من مرسمه لمواجهة الطبيعة والناس، وهكذا أمحت الظلال والظلال المنقولة والأضواء الخافتة، واستأثرت باهتمامه الألوان الحارة المتبدلة دوما لتعطيه القوة التعبيرية لمساحات اللون الصافي ولتقودنا نحو الوقائع المهمة التي يريد إشراكنا بها. ولهذا أيضا استخدم اللون الصافي لتحديد المساحات اللونية المسطحة وتخلى عن المنظور الثلاثي الأبعاد، فأصبحت خطوط اللوحة تنفرج بدلا من أن تلتقي في نقطة مركزية واحدة، بل إنها تذهب في كل اتجاه معبرة عن عوالم الفنان الذي لا يرى موضوعه منطلقا من نقطة محددة وتبعا لتخطيط منظم.
تمزقات جسد المرأة، وذلك الشكل الرمزي لشاعر محتضر، أو ذلك الموسيقي الذي أصبح جزء من آلته الموسيقية، او ذلك المتأمل العربي بحذره وكيانه الضخم الممتلئ بالرغبة، وصور المقاهي، والمهاجر.. الخ كل هذه الموضوعات عبارة عن محاكاة تعبر عن شعور كبير بمحبة الإنسانية، رسمها بألوان جنونية تذكرنا بكوابيس السرياليين، إذ أصبحت هذه الكوابيس بمثابة كوامن لا يمكن استئصالها من تفكيره، باعتباره فنانا يحاول على الدوام إخضاع بناء اللوحة لبرنامج قاسي وعبثي، مبتعدا عن النبرات، وهذا ما يجعل لوحته مثل الحقل التصويري الغير مشذب، إلا أنها زاهية تحركها الضربات اللونية المنفعلة المتحركة والخطوط المتموجة المتكسرة المعبرة عن حس داخلي عميق ولربما ألم نفسي( عراقي) ينعكس في جميع أعماله ونعتقد بان سبب ذلك يعود إلى رغبته في الإنجاز السريع، فهو لا يعود إلا نادرا لتصحيح او وضع بصمات لونية جديدة لأنه يعتقد بأنه ضد عملية ( التزيين) فقد اختار أن يكون إلى جانب أتباع مذهب العفوية والذي يفترض عدم تحديد الشكل ومراقبته الواعية والدقيقة.
لقد تبنى جبر علوان في جميع أعماله أبجديات فنية يمكن قراءاتها بصورة لا تخلو من رضوخ، اكتسبت حضورا ذو دلالة من خلال أسلوبها التشخيصي، إلا أن هذه الأعمال التي يجتزئها من محيطها الإنساني، واستخدم فيها ضربات الريشة العريضة والسريعة، يحاول تمويهها وجعلها تتسم ببعض الغموض من اجل أن تكتسب معنى جماليا خاصا، لا يختصر على حالات الإدراك التي تؤثر على مشاعر اللذة والألم عند المتلقي، فهو يدرك بان المشاهد لأعماله يجد فيها بعض الجاذبية الجمالية، وقدرا من الارتياح الاثاري الفكري، وهو بهذا يؤكد على أن الفن يحمل صفات عاطفية تستمد قوتها من إثارة الانفعالات والتي لا تأتي إلا إذا انتزعت الأشياء من مواقعها وأشكالها المستقرة، لتتحول إلى مواقع وأشكال أخرى مختلفة ومغايرة، بل ومتضادة.
ونرى في أعماله الأخيرة التي تقترب إلى الواقعية، لونية جديدة أكثر تألقا وصفاء، وبملاحظة للطبيعة البشرية أكثر دقة ونفاذا كما هو الحال مع مجموعته الأخيرة التي خصصها عن المقاهي التي أعاد بنائها بتلك العفوية والاحساسات المباشرة،وجعلها موضوعا حيويا يلامس حياة الناس في كل مكان، وقد جسد بها الانتقال السريع من الإدراك إلى الحركة التصويرية ليسجل وجوه الناس التي ترتسم على وجوههم تجزئة الضربات اللونية ومجاوراتها لبعضها البعض بحسب تآلفها، وبحيث يتم مزج الألوان بصريا، فالألوان في هذه المجموعة تتفاعل في ما بينها حتى في اصغر الأجزاء من مساحة لونية، فالقيمة اللونية هنا تتحدد قيمها بواسطة الضوء الذي تتلقاه، فهي ليست ثابتة، بل تتبدل مع تبدت الضوء نفسه.
* * *
جبر علوان: شخوصي مزيج من الوحدة والتأمل والترقب
التحليل باللون
ـ ثمة علاقة خاصة تربطك باللون، والذين يعرفون أعمالك يمكن ان يميزوا ويعرفوا لوحاتك عن بعد، ويقولوا: هذه ألوان جبر علوان، فكيف تشكلت وتطورت علاقتك بالألوان؟
ـ أنا درست النحت، ولكن اللون هيمن على مشاعري، واللون هو فلسفة تعبيرية بحد ذاتها، وأنا أحاول من خلال اللون تجسيد مفاهيم خاصة بي، فمن خلاله أستطيع التعبير عن الشكل الجمالي للإنسان، عن حالات الفرح او الوحدة، ومع الزمن تطور هذا اللون، فوصلت في أعمالي الجديدة من خلال اللون إلى مرحلة التحليل النفسي للشخوص المرسومين.
ـ هل لديك شروط مسبقة تتحكم باختيار الألوان في اللوحة الواحدة قبل او أثناء عملية الرسم؟
ـ عندما ارسم أكون في حالة تحرر من الشروط المسبقة، لأن الفنان هو مجموعة مكتسبات، وعليه أن يترك مساحة واسعة للاوعي. فاللوحة أحيانا تفرض شروطها، فيحدث لي أحيانا وأنا ارسم أن أغير الألوان أو الأشكال قبل انتهاء اللوحة.
ـ هل لاحظت او شعرت أن ممارستك الطويلة في الرسم، بلغتك الخاصة، تركت أثرا على حياتك الشخصية وعلاقتك ومشاعرك، مثلا؟
ـ أية عملية إبداعية صادقة تؤثر على كيان الإنسان المبدع، تهذب وتشذب الزوائد ويصبح الإنسان صغيرا أمام إبداعه.
الفن يصقل السلوك، وإذا وجدنا بعض المبدعين التي تتضخم لديهم الأنا فهذه مشكلة، او حالة مرضية.
ـ عندما نحاول قراءة أعمال بعض الفنانين قد نحتاج إلى مفتاح أو لوحة مفاتيح خاصة، وهذا ما ينطبق على بيكاسو ودالي وجياكومتي مثلا، فما هي الفكرة الأولية التي تشكل مفتاحا يستخدمه المشاهد العادي لقراءة لوحاتك؟
ـ حاولت منذ البداية أن تكون لوحتي بسيطة، وخصائص اللوحة هي فن بصري، يخاطب العين مباشرة، واعتقد أن لوحتي تخاطب عيني أنا مباشرة، ولهذا فإنني اشعر بمتعة بصرية أثناء العمل، متعة سهلة ومقروءة لي، وحيث أنني بسيط أصلا، فأعتقد إنها سهلة لعين القارئ، ومع ذلك فان هناك أبعادا وخفايا لا يكتشفها المشاهد في القراءة الأولى، فهو يحتاج إلى التأمل، بعد المشاهدة الأولى، وهذا يمكن أن يكون المفتاح
ـ من خلال استعراض سريع لأعمالك القديمة والجديدة يمكن أن نكتشف انك تميل إلى اللوحة ذات الحجم الكبير، فما هو السر في ذلك؟
ـ أنا أفضل اللوحة الكبيرة لأنها تمنحني حرية واسعة في التعبير وتمنح نفسها حرية في الامتداد، فاللوحة الكبيرة كالبحر، يشبع خيالك وتصوراتك ورغباتك، بينما اللوحة الصغيرة كالنهر الصغير الذي يقيد الخيال ولا يدعو إلى مزيد من التأمل.
الاحتفال بالجسد البشري
في أعمالك احتفال بالجسد البشري وتمجيد لحركته وانطواءاته، وهذا الاحتفال يأخذ أشكالا من الأناقة والغزل، والحب الخفي الصامت، والإثارة الرفيعة، وسبق لك أن اشتركت مع سعدي يوسف في إصدار مجلد خاص بعنوان "ايروتيكا"يضم قصائد ورسوما خاصة بالجسد البشري وتجلياته، فماذا ترى في هذا الجسد، عادة؟
ـ إن الاهتمام بجماليات الجسد البشري يدخل في يوميات السلوك العادي، لدى الناس، ذكورا وإناثا، وفي كل مراحل حياتهم، ولكنه عند الفنانين والشعراء يأخذ أبعادا أخرى، فهو نبع دائم للإبداع.
ـ يمكن أن نقول إن للجسد البشري لغة خاصة به، وهذه اللغة يمكن اكتشافها في نبض الجسد الحي، او في إيقاعات الجسد المرسوم في لوحة، فكيف تفهم ذلك؟
ـ للجسد البشري رموزه ولغته، وبين المليارات من الناس لن نستطيع إيجاد جنسين متشابهين بكل التفاصيل الكبيرة والصغيرة، في الشكل والحركة، والعضو الواحد في الجسد تتغير وظيفته، فاليد الواحدة لها آلاف الوظائف، ويمكن للفنان أن يميز بين حركات الأيدي المختلفة، فهذه يد نجار، وتلك يد موسيقي، وهما يختلفان عن يد المصارع، وهناك حركات العيون التي تمثل مرايا النفس البشرية، والأمثال الشعبية في اللغات المختلفة تحمل إلينا صورا لا تنتهي من معاني حركات الأعضاء البشرية، في حالاتها المختلفة.
إن الطبيب يتعامل مع الجسد البشري بطريقة مختلفة عن الفنان، ويقرأ لغة الجسد من موقع الباحث عن الخلل في إيقاع الجسد، وهو يلتقي مع الفنان في بعض المسارات، لكن الفنان يحلل الجسد البشري، ويبدع منه حالات كثيرة، جمالية وتعبيرية، ونفسية.
وإذا كنا كبشر نتعرض للاستغلال والاضطهاد في أجسادنا ونفوسنا، فلماذا لا نحرر أنفسنا في تعاملنا مع جماليات أجسادنا التي تشكل جزءا من جماليات الحياة على الأرض.
ـ تبدو العين البشرية في رحلتها اليومية في الزمن الراهن مرهقة بازدحام المرئيات المتحركة والثابتة والملونة، فما هو انعكاس هذه الحالة على علاقة العين البشرية باللوحة التشكيلية او النحت؟
ـ تعددت الفنون، بأنواعها وأساليبها بحكم التطور الطبيعي والقفزات التقنية، لكن بعض الفنون تظل متماسكة على الرغم من المزاحمة، وهكذا تستمر حركة الحياة والفن في إيقاعات متوازية، متعايشة بما فيها اللوحة والمنحوتة. حينما يضجر الإنسان في أوروبا من الزحام والضجيج يهرب إلى المتاحف، أو إلى أي نوع من الفن، وإذا لاحظنا أي نقص في اهتمام الناس بالفن فهذا لا يعني خراب العلاقة القديمة بين الإنسان والفن، وإنما بسبب تسارع الحياة اليومية والاحتياجات الإضافية للعمل والركض وراء المشاغل اليومية المتزايدة.
ـ أنت كفنان عربي تعيش في ايطاليا، كيف ينظر النقاد إلى تجربتك من حيث العلاقة المزدوجة بالشرق والغرب؟
ـ منذ البداية كانت تربيتي الفنية حديثة ومكتسبة، فقد درست الفن بشكل أكاديمي على أيدي أساتذة درسوا في أوروبا، وبعد أن انتقلت إلى ايطاليا منذ ثلاثين عاما صرت قريبا أكثر من مصادر الفن الحديث، وتعمقت تجربتي الفكرية والفنية معا، لكن هذا لا يمنع أن القول بأنني شرقي احمل شخصية مركبة من ثقافتين، فالقراء والنقاد في أوروبا يشيرون دائما إلى جذوري الشرقية، بينما القراء والنقاد العرب يشيرون إلى تأثري بالغرب.
كيف تنظر إلى الواقع الراهن للفن في أوروبا، كمشهد يمكن أن ينعكس على راهن الفن في العالم؟
ـ ليس هناك شكل واعد او نموذج من الفن الجديد يطرح في أوروبا، لكن هناك تنويعات كثيرة على الاتجاهات التي ولدت بعد الحرب العالمية الثانية، فهناك الفن المفهومي (Conceptual Art) وفن التركيب (Installation) ودخلت إلى الفنون عناصر أخرى كالفيديو والفوتوغراف والكمبيوتر وكل وسائل التقنية والاتصال، ولكن كل هذه العناصر لا تلغي كلاسيكيات الفن كاللوحة والمنحوتة، وإنما تتعايش معها، بشرط وحيد هو انتسابها إلى الإبداع، فلا يطغى فن على فن آخر، وفي المعارض الكبيرة مثل بينالي فينيسيا يمكن أن نجد اللوحة إلى جانب أعمال مركبة أو فوتوغرافية، أو عرض فيديو، او نجد جسدا بشريا حيا او كائنا حيا بين العروض الأخرى.
ـ ماذا تعني لك ايطاليا، وما هي الخصوصية التي تربطك بها؟
ـ ايطاليا هي اقرب البلدان الأوروبية إلى روحي وروح الفنان الشرقي، كذلك فإن ايطاليا كانت ومازالت مزارا للفنانين العالميين، لأن لها سحرها الخاص، وكثيرون هم الذين استقروا فيها بعد زياراتهم الأولى إليها.
كانت الحياة في روما سهلة بالنسبة إلي، بحكم تسامح الإيطاليين، وكانت روما تقدم لي غذاء فكريا وجماليا، فالمدينة ذاتها تشكل متحفا حيا كبيرا، في شوارعها ومعابدها ومتاحفها وساحاتها وطبيعتها المعمارية، وهي امتداد معاصر للتاريخ الحضاري.
وفي ايطاليا طبيعة متنوعة وبيئة غنية، من البحر إلى السهل إلى الجبل، وفيها كثافة في تعداد الألوان، فهي تختصر ألوان الطبيعة، والشعب الإيطالي يملك ذائقة فنية عالية في كل وجوه حياته من الطبخ إلى اللبس إلى العمارة إلى الفن والحب.. فكيف لي، أو لأي فنان، إلا أحب ايطاليا؟!
ـ إن كل الشعوب التي تهتم بالثقافة والفنون تحاول أن تستلهم تراثها الثقافي والفني البعيد، ونحن ننتمي إلى حضارات قديمة كان لها دور كبير في تنمية الفنون، فما هو سبب انفصالنا عن هذا التراث القديم؟
ـ لدينا تاريخ حافل بالحضارات القديمة التي قدمت الأبجديات الأولى وأنواعا خالدة من الفنون، فيما بين الرافدين وبلاد الشام ومصر والجزيرة العربية، وبرزت بين وجوه هذه الحضارة، العمارة والنحت والرسم، ولكننا انفصلنا عن هذا التراث، في ظروف معتمة من التاريخ العربي، في عصر الانحطاط الذي دام قرونا، ويجب أن نعترف بأن العرب لم يكونوا متعصبين ضد الفنون، في كل مراحل حياتهم، وعلينا العمل لاستعادة علاقتنا الإبداعية والحياتية مع تراثنا الثقافي والإبداعي.
ـ كان الشرط الأول لموهبة الفنان هو التشريح، ولكن حركات التحديث في الفن أزالت هذا الحاجز، وطرحت بدائل مختلفة، فما هو البديل الراهن للشرط القديم: التشريح الأكاديمي؟
ـ كان الفنانون القدامى يهتمون بالشكل الخارجي وإتقان التشريح، ولكن قراءة الحالة النفسية بدأت في عصر النهضة، ومن خلال محاولة مايكل أنجلو إضافة وصف الحالة، مع التشريح المتقن. ففي تمثال "الرحمة" الذي يمثل العذراء والمسيح طفلا، جاء وجه العذراء اصغر من وجه طفلها تأكيدا لعذريتها.
وبعد مايكل أنجلو دأبت التيارات الفنية المستحدثة على الخروج عن الشروط الأكاديمية، حتى صار التشريح شرطا منسيا، وصار الشرط الوحيد هو "بناء العمل الإبداعي".
ـ من خلال تجربتك الطويلة في عرض أعمالك في المدن الأوروبية والمدن العربية، كيف تنظر إلى نوع الاختلاف في قراءة أعمالك بين المشاهد الأوروبي والمشاهد العربي؟
ـ المشاهد الغربي يمتلك ثقافة تشكيلية لها جذور بعيدة، لذلك تأتي قراءته للوحة أعمق وأكثر تحليلا، من المشاهد العربي او الشرقي، لأن اللوحة فن جديد في الشرق، كما أن المعارض غير مألوفة في الماضي.
في الغرب، الفن متاح للعين منذ الطفولة، في الشارع والبيت والمتحف والمدرسة والكنيسة، وهذا يساهم في تنمية الذائقة التشكيلية الفردية والعامة.
والذائقة التشكيلية أيضا مرتبطة ببقية الفنون، كالعمارة والموسيقى، والنحت، والسينما. ومع ذلك فإن المشاهد العربي حقق خطوات ناجحة في الاقتراب من قراءة العمل الفني وتذوقه.
إن ثقافتنا العربية تعتمد على الكلمة، وعدد كبير من الفنانين التشكيليين العرب نقل الكلمة إلى اللوحة تحت تأثير هذه الحالة.
ـ من خلال متابعة قراءة أعمالك يمكن أن نلاحظ غياب بعض التفاصيل في الشخصيات التي ترسمها. لماذا؟
ـ عندما ارسم جسد الإنسان بشكل عام أحاول أن الغي كثيرا من التفاصيل البسيطة لضرورة العمل الفني، كالعيون وغيرها، وأركز على بعض التفاصيل الأخرى كالأيدي أو حركة الوجه تبعا للموضوع الذي أريد التأكيد عليه.
في شخوصك مسحة خفية من الحزن او الحنين إلى شيء ما، فما هو سر هذا الحزن، وما هو مصدره؟
ـ أنا لست مع الحنين بشكل عام، أنا مع الذاكرة، فالحنين مزور لأنه يعطي صورة جميلة لكل الماضي، أما الذاكرة فيدخل العقل في ترسيمها، او صياغتها.
إن حنينك إلى مكان أليف كنت تحبه في طفولتك يحجب عنك كل ما هو سلبي في ذلك المكان، مثلا، أما الذاكرة فإنها تعطيك كل التنويعات الايجابية والسلبية في ذلك المكان.
في شخوصي أجد الوحدة والتأمل والترقب لشيء ما.. سيحدث، او قد يحدث شيء آخر، مختلف عنه تماما.
لماذا الوحدة؟
ـ هي حالة اغتراب عام، اغتراب مع الهم، انفصال عن الواقع والحاضر، وهذه نتيجة لقسوة الحياة التي نعيشها، وهيمنة التقنية والانحسار الاقتصادي.
* * *
لوحة جبر علوان - الشفرات الابستيمية وأفق اللون
يعد التنوع في توظيف الشكل والمضمون من بين عدة أساليب فنية اختارها الفنان جبر علوان ليؤكد قدرته علي أن يلتقي مع العالم في نقطة الإبداع..إن جبر علوان لم يخرج من أسلوب الفن الرافد يني بل خرج وكسر فن التكنيك الأكاديمي السائد وخط لنفسه أسلوبا خاصا به ومغايرا يستلهم الإرث الرافديني كمناخ وبيئة وموضوع عاداً إياه الشرارة الأولي للاقتراب من الواقع الآني اللحظوي ليضفي توهجه الفني علي لوحته لتبث للمتلقي كشفرات وومضات عن الم وكبت قد يكونان تاريخيان بزمن معلوم إيحائيا وليس حسيا، أي أن سيميائية لوحاته لا تشير إلى رمزية اللون الستاتيكيه بل جعل من اللون شخصا ثالثا وتجاوز أن يكون - اللون- كأحد أبعاد اللوحة بل أعطاه شخصية حسية موحية ومعلنة عن كيانها. إذ لم يعط شيئياته( موضوعات لوحاته) الشكل المجسد بعلاماته المماثلة أو المشابهة بل جسدها لونيا وليس تخطيطيا أو تصويريا بل أكتفي بوصفها لونا وهذا يعد أسلوبا تعبيريا متفردا به من بين الفنانين العراقيين في الداخل والخارج، أي أن ملامح وسحنات مخلوقاته ذهنية لا مرئية وان شغلت حيزا وبعدا في لوحاته.
لم يجسد الأنثى المتخيلة(المرأة الحلم) بل جسد ضحاياه - ليس بمعني الارتكاب الشخصي بل ضحاياة ثيمة لوحاته.
إن جبر علوان اختزل العالم التصويري المرئي بالأنثى أي انه اسقط إفرازاته الثقافية والنفسية والاجتماعية بكتلة لونية تشير إلى أنثي ذات خصائص مختلفة وهذه الخصائص تمثل الإشكالية التي نحن بصددها.
إن تدفق اللون بغزارة علي السطح التصويري هو بمثابة نزف فكري ونفسي وإجهاض لهم ذاتي وكوني فكلما فاض به هذا الهم وانحبس تكثف كتل اللون علي سطح خامته وعلي أشلاء ضحاياه وعلي مكوناتهم وأشيائهم بل علي أجسادهم الممزقة والمتشظية بين الواقع الظاهري والواقع التصوري المجسد بفرشاة وأصابع مشاكستين وانثيالات أدوات معنية بفن التشكيل أحيانا وفي أحايين كثيرة قد تكون أدوات تركها الفنان بين أحشاء مكانة لها علاقة باللوحة أو قد تكون لها علاقة بشيئيات جبر علوان الإنسان.
المرأة لديه معزولة ومنتظرة تحيطها الجدران ومشوهة النظرة وجهها غير مرئي، إما تكون بعيدة عن الإدراك الحسي للمتلقي، أو مرسومة بخدعة بصرية إنها نائمة بخدر الترقب والانتظار أو ناعسة أتعبتها الأقدار، لطخ وجهها بفعل الفرشاة أو بفعل ذاتي، تخفي نظراتها بيديها من دنس قد ارتكبته أو من خجل المواجهة مع القدر، لقد أدمنت الوقوف خلف نافذة أو في مدخل باب أو بجوار جدار، تترقب منفذا للحياة أو لوظيفة أنثوية قد تؤديها برغبة الموت والانتحار والخلاص.
لقد تعمد الفنان من وخز أنثاه بأفيون الاستسلام واستلب منها جرأة التمرد والانفلات، المرأة هنا متلاشية بلون الثلج والبياض والعدم أي ليس لها كيان وكينونة في هذا العالم.
أنثي جبر علوان مستسلمة للانتظار والأداء السلبي بوصفها انثي، إنها تتكيء علي مسند أو جدار أو علي أكتاف رجل استلبها وكبلها بقيود وأودعها الدهاليز المعتمة.
اللون الأحمر كما نشاهده على سطح لوحاته بكثافة يشير لمحرمات الحلم للإفلات من قبضة قدر بيئوي وحياتي ومثيولوجي.
أنثي جبر علوان شرقية الملامح والبيئة وقد أضاف لها سحنات وصفات (الآخر) فارعة الطول والبياض والشقرة والعري، بتعبير آخر اختلطت سمات أنثاه المجسدة فالواقع الحسي البصري للنظرة الأولي توحي أن هذه الأنثى ليست شرقية ولكن فاحصة تكتشف تكنيكا قد أوهم فيه المتلقي أن سحنات وسمات الأنثى تنتمي إلى بيئة أخري بالرغم من ترف ملامحها ومكوناتها تكتشف فيها بؤس الشرق طاغيا علي هذا الترف الصنيع وبرغم الوهج اللوني وطرافة التجسيد ودهشة المتلقي للفضاء السحري للوحته.
إن الاغتراب بدلالات الاختلاف الشكلي للأنثى وسيميائية والملابس والإكسسوارات وملء فراغات سطح اللوحة بالديكورات والأثاث ليؤكد علي حقيقة هذه الغربة المرسومة علي وجه إناثه ودلالاته النفسية والاجتماعية والفكرية وهي اختزال لذاتية فردية توحي إلى معاناة الفنان من قسوة الاغتراب، فإقصاء المرأة ونفيها خارج الحياة هي بحقيقة الأمر تأكيد من الفنان بوعي أو دون وعي علي هذه القساوة.
لم تشر لوحاته إلى المرأة بوصفها أم أي قد أعطاها جدب وجور للأمومة وهو تأكيد علي الجمود وعدم فاعليتها وتجريدها من المشاركة الحياتية الايجابية أي أن المرأة هنا تلتقي عند نقطة السكون لا الحركة أي أراد أن يقول إن الذات مهما تعددت أشكالها فهي متقوقعة غير منتجة حضاريا وفكريا ووجوديا، أي أن الذات خرجت بالإقصاء من لعبة المشاركة في البنية والصيرورة الاجتماعية والثقافية وهذا مجسد من خلال استغراقه للأبعاد الثلاثة في لوحاته، انه لم يطلق الذات الإنسانية أن تعتمل وتشارك في المحيط بل علي العكس انه أوغلها في الداخل وكبلها وجردها من الحضور الإنساني ليؤكد حقيقة العزلة بالإكراه وجرد الذات من الانتماء للمحيط حيث جعل من الثيمة (المرأة) واللون والفضاء أدوات فنية تعبيرية مجردة عن حقيقتها الإنسانية المتعايشة بل جعل من آلياته أدوات فنية يكررها ويستنزفها من هذا التكرار، وخاصة عمل علي استنزاف اللون عن طريق اعتصام اللون وبكثافة وحدة للتعبير عن التظاهر والاحتجاج والإملاء علي سطح اللوحة بالقسر المتوائم مع موضوعته (التغييب والتهميش للمرأة - الأنثى الحلم- ) للأرائك والملابس والإكسسوارات الأعنف أنوثة، أما الجدران والنوافذ فأنها هامدة أي لا تؤدي وظيفتها كأشياء صنيعة للنفاذ والاحتماء والاستقرار والديمومة والولادة، انه يفصح من خلال ذلك إن شيئيات لوحاته هي نقطة البداية- الولادة - للنفاذ إلى الفضاء الخارجي (المحيط) ليعبر عن ذاتيته والعالم الإنساني ولاسيما إصرار الفنان علي الانتماء للمحيط كمدخل لفعل المشاركة بالحضارة الإنسانية كفن وفكر وجمال وبناء.
والسؤال الذي يطرح هنا ما المعادلة الثيمانية التي يطرحها الفنان هنا تكتفي بموضوعة الاغتراب أم أراد أن يجسد حلم المرأة أم المرأة الحلم؟
يشير ( عفيف فراج) في هذا الصدد من اجل المقاربة نورد ذلك ( إن المؤامرة الأساسية علي حرية المرأة تكمن في تحديد اختزالها إلى جسد وتجريدها من أسلحة الفكر والعمل المنتج التي تشكل الضمانة الوحيدة للحرية والتجربة الحرة).
في لوحاته العديدة وخاصة ما بين عامي 1993 و1997 المنشورة في كتاب صدر في روما 1997 التي تضمنت أهم أعماله وكذلك كراس صدر في بيروت عام 1995 أيضا تضمن عدد من لوحاته، نجد أن الفنان جبر علوان كرس جل اهتمامه بهذه الموضوعة ( المرأة) ويؤكد علي إن المرأة مستلبة حتى من الحلم كما أسلفنا ولو نظرنا بشكل متأن إلى لوحته(ليلة ممزقة) 1994 وهي بمثابة تجسيد وتصوير مخيلة الفنان إلى المرأة في ليلة زفافها من زاوية يراها هو فقد جسدها في بذلة عرس ذات ألوان زاهية وخاصة اللون الأصفر المشع والأبيض الناصع والأزرق الصافي وكلها تشير إلى الحلم الوردي للمرأة الا أن هذا الحلم قد اغتيل فنزفت الدماء وامتلأ سطح لوحته واندمجت الدماء برمزية عالية مع الألوان الداكنة لفضاء لوحته وخاصة لون الأسود والجوزي والأزرق الداكن والرمادي وأغمضت العروس عينها ما بين لحظتي الموت والتأمل، أي أعطى لاستباق الزمنين بعداً واحداً ورمزين يشكل أحدهما الآخر، أولهما إغفاءة الحلم من حيث تتويج المرأة بهالة الأنوثة والنشوة المفعمة بنشوة الانتظار الأنثوي للبلوغ بوصفها انثي قد حققت حلم حياتها المختزلة بهذه الليلة لتؤكد ذاتويتها ولتحقق مجد زهوها وفرحها ومنالها بعد سنين عجاف، وثانيهما لحظة أخرى هي أقرب إلى ( الاكشن) والصدمة باغتيال كل تلك التداعيات والهواجس وتمزيق هذه الليلة (الحلم) من قدر كلفها أن يتحول البياض إلى نزيف دم سال وخر من علو صدرها حتى اتخذ أخاديد علي بياض بدلتها وقدميها حتى السواد.
الدم لم يكن رمزاً أنثويا، وفعلاً ذكورياً إنما يرمز الدم هنا إلى القتل والاغتيال واستلاب الحلم، وكذلك اغتيال الليلة المنتظرة الليلة التي تمثل الانتقالة بين زمنين زمن الانتظار والترقب إلى زمن الحقيقة والواقع العياني ومن زمن مليء بالارهاصات والتشويش الفكري والنفسي والبايلوجي واتساع استحضاراته إلى زمن متبدد بلحظة ضغط زناد سلاح أو إشعال فتيلة احتراق لتحيل كل ما هو مرئي إلى آخر غير مرئي محال، ولهذا أراد الفنان أن يجرد الجسد بوصفه كياناً حسياً إلى آخر مطلق فلم يسقط الجسد(العروس) علي الأرض بعد أن نزفت الدماء ولم تلامس قدماها أرضاً أو أفراشاً أو أي ملمس مادي وإنما كان جسد العروس طائراً في فراغ يغزوه السواد والعتمة وهو جو صوفي أختلقه الفنان لعروسه الحلم الممزقة بفعل الخطيئة كأن هذا الطقس الذي جسده أراد أن يفتح لنا قراءة أخري خالية من مفردات الفرشاة والسطح التصويري والفضاء والإطار هذه القراءة هي قراءة روحية وفكرية وتأملية للحلم أي تساوت هنا قيم الحلم الأنثوي والذكوري واندمجت بفكر واحد هو الفكر الانسانوي الشرقي تحديداً ليقترب من أيدلوجية التجريد.. والمطلق هنا هو السمو للذات الحالمة والراقصة علي إيقاع شرقي كما يصفها عبد الرحمن منيف(إنها تراث بابلي من الشعر والملحمة والموسيقي والبناء، وصولاً إلى الحالات القصوى من الحزن والخوف والعنف والبكاء والهذيان ورغبة الخلود، وقد تتجاوز ذلك إلى سؤال الطفولة البريء والشائك، لماذا وكيف وأين؟
انه لو ترك وهو يرصد نساءه كان يري ابعد مما يظهره العري، كان يرصد الإنسان - المرأة.. والعذاب).
وفي جو آخر لسرقة الفرح واستلاب المرأة بوصفها أنثي في لحظات ينبغي أن تكون أنثى ويجسد ذلك جبر علوان في لوحة من إحدى لوحاته لامرأة أجتلست الأريكة أو توسدتها لتؤكد حضورها الأنثوي وقد اتقدت ألوان لوحته بالألوان المخملية والنرجسية الخافتة والتي تبعث جواً يثير مكامن التراث وكينونتها لتؤكد الحس الأنثوي والذكوري ويترك جبر علوان أنثاه ترسم وجودها والقها وكينونتها المزعومة علي السطح التصويري بالإيماءة أو الإشارة الفصيحة للمنتظر ( الرجل) فيجسده جبر علوان بهزالة الجسد وشبحية الملامح وفيض الغريزة الذكورية وهذان العنصران(الهزالة والشراسة) يشكلان مفارقة قيمية إذا أراد أن يقول إن المرأة بوصفها انثي لوحته وأنثى ألوانه وفضاء لوحته وسطحها قد اغتيلت أنوثتها من رجل بهيئة شبح أو من رجل هو الآخر مستلب الرجولة، وبسيمائية عالية جسد جبر عزاء شخوصه واستلابهم وفشلهم في صنيعهم الحياتي بزمن معلوم فأعطي لوناً مخملياً ساحراً للوحته وبكثافة لونية وطاقة تعبيرية من خلال تدفق ألوانه بكتل كما أسلفنا ليجعل من هذه الألوان باعثاً لأمل منشود تركه في فراغ اللوحة وهي إشارة من لدن الفنان إذ يمكن للمستلبين أن يبنوا لهم كياناً ووجوداً في الفراغ.
جريدة (الزمان) - العدد 1913 - التاريخ 2004 - 9 – 13
****
جبر علوان يذهب بنبيذه كما بخيال ريشته إلى المُنتهى
هناك فوق الغيوم، وأنا عائدة من روما، بدأت أستيقظ من نوامي، وراح سحر تلك المدينة يستعيد صحوه في ذاكرتي، مُشرقاً من عتمةٍ ما، في خوابي الروح، وقد طفحتْ بدّم الحجر والوتر والكلمة واللون.
والحق أني لم أكن لأعوّل البتة على ذاكرتي، فأنا من الذين يكتنزون مفاتيح كثيرة ويضيّعون الأبواب. أسترخي كالإسفنج، وأترك لحواسّي أن تتشرب ماء ما يغشاها وتغشاه. ولهذا قلّما ما يبقى في رأسي من جمال الأشياء والكائنات، أية أسماء أو أشكال، إذ تضحي كلها جروحاً نازفة في مخيلتي وملطخة بأحاسيسي وأنا أحزّ أصابعي من دون انتباه.
هكذا مشيت في روما من دون خرائط، أضيع فيها لئلا تضيع فيّ. هكذا تركت أسرارها تهتدي إلى قدميّ، ومقابض أبوابها إلى مفاتيح التيه في نظرتي. وهكذا لم يندهش "جبر علوان"** حين اتصلت به هاتفياً في مرسمه (وهو الذي بين الريشات والألوان، ما من هتاف أرضي أو سماوي يخترق غيهبه) وأخبرته مجيبةً عن سؤاله، بأنّ "العصفورة" هي التي كانت دليلي إليه. هو يعرف أنّ الضياع في روما يعني الشمس والماء والبخور، يعني رقصاً ممزوجاً بالعبادة، يعني أنّ القلب يصير قلوباً لفرط النسيان عن ظهر قلب، يعني أنّ الجسد لخفّته تروح تتنازعه عقول الطيور، فيطير ويهتدي بدليل ومن غير دليل.
في اليوم التالي، وقفت أطرق باباً أخضر حديدياً، من دون أي جواب، وإذ بي بعد مضي دقائق، أرى "جبر علوان" يناديني ويلوّح لي بيده من أمام باب خارجي آخر لمرسمه، يتقاطع عنده الشارعان اللذان يطلّ عليهما. وكان أن سرت إليه أصافحه، بينما بوادر الألفة والمودة بدأت تلوح بشائرها من خلال ابتسامته الدافئة المرحبة.
بضع درجات هبطناها معاً إلى المرسم المعتم بعض الشيء، والذي بأرضيته الحجرية، وجدرانه العتيقة، وأثاثه البسيط، يرسّخ في الذهن ظني بأنّ ثمة علاقة ما، بين ميل الكائنات السماوية إلى الجنة التحتأرضية، وميل الكائنات الأرضية إلى الجـنة الســماوية.
موسيقى كلاسيكية هادئة، مكتبة صغيرة، مقعد جلدي منحته ريشة الرسام غبطة التحليق في مكانه، بيانو مركون إلى حائط، ثم أخيراً غرفة صغيرة نيّرة، يبدو جلياً أنها الغرفة التي فيها يعمل علوان، والتي عبر باب خشبي عتيق، تطل على حديقة محاطة بأبنية قديمة لا يتناهى من حيوات قاطنيها أكثر مما يحتاجه المرء ليشعر بالدفء، وبأنه في رحم تلك المدينة، ومع ذلك غـــير مرئـــي.
بعد جلسة وحديث، بدأت جولتي بين الجدران. جولة خاطفة أولى، تبعتها جولة تأمل ثانية، ثم استسلام كلي لأمواج الغريزة وهي تدفعني تارة باتجاه جاذبية أو حيوية العنق نصف المضاء في هذه اللوحة، وطوراً باتجاه صخب موسيقى الباطن التي تصدح بها كثافة اللون في تلك.
نساء، نساء كيفما تلفّت، كلهن نحيلات، فارعات الطول. نساء نصفهن في العتمة، حالمات، مستوحدات، راقصات، غانيات، عازفات. نساء يسكنّ ويسكنهن الليل، ليل نهار. مخلوقات حب وشبق وأسرار وأحلام وخيبات.
هرع جبر يشعل النور مستغرباً كيف أستطيع الرؤية في نور الغرفة الشحيح. ابتسمت وأسرّيت في نفسي: هو لا يعرف أني من جيل الشموع؛ جيل لبناني أمضى أكثر من ثلثي عمره وحتى الآن، يقرأ ويكتب ويمارس معظم طقوس حياته في شبه عتمة. ثم أن المناخ الليلي لتينك اللوحات، جعلني أكتفي من الضوء بالقدر الذي يمنحني متعة الرؤية والحلم معاً.
لوحات متعددة الأحجام، قلما تخلو إحداها من آلة موسيقية ما: سكسوفون، بيانو، كمان... الموسيقى هي الرئة التي يتنفس منها اللون في لوحات علوان، حتى أنّ ريشته تعزف وهي ترسم، وتبدو الأجساد التي يرسمها مأخوذة بطاقة غير مرئية، تنمّ بها حال الاسترخاء العضلي للجسد. فهي أجساد صاغية، حالمة، شاردة، راقصة، ونائية بأذهانها ووجدانها عن مكانها وزمانها. حتى أننا ونحن أمام لوحات تضمّ لفيفاً من الأشخاص حول طاولة ما في مقهى ما في أمسية ما، ينتابنا شعور بأن التمام مثل هذا الشمل إن دلّ على شيء، فعلى وحدانية كل فرد، إذ انّ كل شخص منهم يبدو غارقاً في عالمه الخاص، مستوحشاً، متفكراً، وكلما كان دانياً بجسده، كان نائياً بروحه.
في إحدى اللوحات على سبيل المثال، تجلس امرأة لصق رجل، بينما وجهها غير مدارٍ نحوه، ونظرتها تبدو ثابتة مسمّرة أمامها، محدّقة في اللاشيء.
الأحمر، الخمري، المخملي، الناري الأنفاس، المشبع بالرغبة، هو اللون الذي يستصرخ به علوان براكين الجسد المتفجرة والهامدة. الأحمر الذي يولّد تحولات حادّة في طبيعة المتأمل، من الابتسام إلى الأسى الغامض، ومن النشوة إلى الاستغراق.
في احدى من اللوحات، نجد أن الأحمر هو لون كمانٍ تشرّبَ خشبُه نشوةَ العازف. وفي أخرى، هو لون تغرق في لحمه فتاة شرقية الملامح، بشعرها الأسود الطويل وبشرتها السمراء. ونلمح كثافة لونية من الأحمر والأسود والأبيض تصرخ بحدّة لصق بعضها بعضاً وقلّما تمتزج، ربما لتؤكد الحقيقة الصارخة لماهية ما تشير إليه. فالمرأة في هذه اللوحة، يضرم الأحمر ساقيها وسريرها ووسادتها، ويغدو البياض الذي يكلل صدرها كما لو أنه قرص السدّاة في زهرة بركان، دخانه يكتسب سواده الفاحم من ظلمة غابات شعرها الذي يحترق.
الأحمر حاضر في معظم لوحات علوان، حتى ولو بخفر، أو بلمسة خفيفة خاطفة. ربما هو أحياناً إشارة خفيّة إلى سر ما، أو هو دليل ضائع، خلّفه وراءهم مقترفو النسيان، أو هو أبجدية غواية قد تتجلى بحرف واحد في خصلة شعر، أو بقصيدة كاملة من ساقين.
وفي لوحة أخرى تظهر راقصة الباليه، بلا ذراعين. نراهما تتماهيان مع نسيج الأفق لفرط ما تحلقان عالياً. والراقصة جسد يرفرف بساقيه. كائن يتخفف من الجاذبية الأرضية، ولا حاجة بها إلى أن تتمسك بشيء. درجة اللون الذهبية الدافئة لأرضية هذه اللوحة تتماهى مع لون جسد الراقصة، كأنها بثوبها الأبيض لؤلؤة من كنوز الأرض تتوق الى الخروج من الصدفة.
أحياناً نشعر أن علوان يرسم بعينين مغمضتين؛ أنثى خيال وخيال أنثى هما جــــناحا ريشته. ثمة مساحات لونية في أفق اللوحة تتعذر فيها رؤية أي أثر للريشة، إذ تبدو أنها في طبيعتها الأولى كانت ملساء ومصقولة، ثم تبعتها لاحقاً لمسات أو ضربات عريضة حرة ربما من أعمى.
لوحة علوان ثمرة ناضجة. الألوان الصارخة فيها ليست بهرجاً للإغراء، بل هي على درجة من الدفء والعمق توحي بالاستواء. الألوان الضاربة إلى الزرقة والرمادية الباردة، لها أيضاً نصيبها في بعض اللوحات، خصوصاً في تلك التي تجسّد غربة الشخص عن مكانه وزمانه، حيث يتبدى العالم الخارجي فيها ضبابياً، غير مرئي، وحتى غير موجود بالنسبة الى الشخص الحالم أو الشارد، والذي لا تقزّحه سوى ألوان عالمه الباطني وحسب. يرسم علوان حياة الأشخاص كاملة من خلال طبيعة حركة أجسادهم، أي في طريقة وقوفهم مثلاً أو جلوسهم. تتجلّى عذاباتهم، اندفاعاتهم، انكساراتهم، وحشتهم، حبهم، رغباتهم، شهواتهم... من خلال طريقة مَيْل رؤوسهم، أو انحناء أيديهم، أو ارتخاء أجسادهم، إلا أننا حين نصيخ السمع إليهم، لا يتناهى إلينا أي من أصواتهم؛ إنهم كائنات باطنية لا تحدّث إلا نفسها. ونلاحظ أنّ ريشته تتخفف من التفاصيل الصغيرة والدقيقة للمظهر الخارجي، وتحاول أن تقول الشخص بلغة الجوهر ونوطة الباطن.
"جبر علوان" فنان ذو حضور دافئ شفيف، وهو مضياف، رحب ويتقن الإصغاء. هو كائن يمجّد الوحدة ويذهب بخيال ريشته إلى المنتهى.
أخبرني أنه يعمل عشر ساعات يومياً، وفي جو عابق بأنغام الموسيقى الكلاسيكية أو الجاز. وحدّثني عن علاقته الأثيرية بروما. قال انه تنقل في مدن أوروبية عدة، ولكن من يعرف مذاق العيش في روما، هذه المدينة المُلغزة السحرية العجائبية، فإنه لن تطيب له الإقامة في أي بقعة أخرى من الأرض. أخبرني أيضاً عن عدم احتماله الطقس الحار، وقال: لذا سأسافر بعد أيام لملاقاة أهلي في دمشق أو عمان وليس في بغداد. وقلت: فنان بهذه الدماء الحارّة، لا عجب في أنه لا يحتمل الحرّ أو الحصر في أماكن مغلقة لمدة طويلة. فقال: لذا أنا لا أفكر في السفر أبداً إلى نيويورك أو سيدني أو بكين.
لا أعرف لماذا ذكّرني الرسام العراقي "جبر عــــلوان" بالرســــام الروسي "أوريست كيبرينسكي" الذي عاش أيضاً فترة من حياته في روما وقضى فيها. ربما لأنه ارتعش في ناظريهما هواء هذه المديــــــنة الأزرق ذاته، وقرع نواقيسها ذاته، ومرمر تماثيلها، وياقوت عناقيدها، وليلها المهيب، وماضيها السحيق. أو ربما لعلاقة الأول باللون الأحمر والأخير بالسحر.
على أمل اللقاء مجدداً في مكانٍ ما من هذا العالم، ودّعته، وسرت في مغيب روما هاصرة جمرة في يدي.
**
رسام عراقي ولد في مدينة بابل عام 1948.
خريج معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1970.
مقيم في روما منذ عام 1972.
حائز على درجة الدبلوم من أكاديمية الفنون الجميلة في روما عام 1975.
أقيمت له معارض في العديد من المدن والعواصم العربية والأوروبية منذ عام 1975 وحتى وقتنا الراهن.
له عروض دائمة في العديد من المتاحف الفنية في كل من بغداد ودمشق وقطر والبرتغال ومطار أبو ظبي وغيرها…
الحياة 05/08/13
******
جبر علوان: تسريد الذات المغتربة وانشطارات الروح
قبل لقائي به لم أكن أعرف عنه الكثير بينما الجميع كانوا يعرفونه حتى لو لم يتسن له - حتى ذلك الوقت - أن يقوم بزيارة القاهرة. كان اسمه قد بدأ يتردد لماماً بعد صدور ديوان سعدي يوسف (أيروتيكا) مشفوعاً بنصه البصري (الذي أراد له أن يكون الكاماسوترا بأسلوب غربي لكن بريشة فنان عربي)... وعلى الفور تداولت الأيدي الصور والأشعار كاختلاس لذة محرمة. ليلة سفري إلي روما أعطاني المخرج السينمائي الكبير محمد كامل القليوبي- (والذي كان صديقاً له وكانت تربطني بالقليوبي صداقة عميقة)- لفة محزومة من صور فوتوغرافية- لهما معاً- طالباً مني أن أحملها إليه وهكذا كان قد نصب لي الشرك فاندفعت داخله ملبياً رغبة غامضة لا راد لها. أما الشرك الذي وضع في طريقي كخيوط عنكبوتية غير مرئية فكان لوحاته التي هي حياته مروية عبر فضاءات جمالية. هكذا تعرفت جبر علوان في منفاه والذي ذهب إليه طواعية في بداية السبعينيات.
أما لقاؤنا الأول فكان في منتصف التسعينيات - طبعاً من القرن الماضي - عندما ذهبت إليه في مرسمه القديم الذي كان يشغل حجرة أرضية واسعة من مبنى قديم (والذي تم هدمه بعد عام تقريباً من قبل بلدية روما) كان يقع بالقرب من سوق "vittorio emanuel" بشارع يسمى "الأمير أوجينو" يقطنه كثير من المهاجرين الآسيويين وتصطف على جانبيه دكاكين الجزارة "الذبح على الطريقة الإسلامية" وبعض محلات تأجير شرائط الفيديو للجاليات الهندية والبنجلاديشية.. هناك في تلك الحجرة وبين لوحات وأنابيب الإكليريك دقيقة الحجم وبخر الهواء المكتوم برائحة السيجار الذي يدخنه تجرعنا أولى قطرات النبيذ الأحمر التوسكاني.
ألعاب انشطارية
إن لوحات جبر علوان هي تسريد narrativit لذاته واغتراباته وانشطاراته الروحية - وأيضاً الإسلوبية - فهي مجرد انعكاسات مرآوية لوضعه الإنسانى الذي وجد نفسه عليه مقسراً على قبوله، وقد تمزق بين عالمين وزمنين وثقافتين. إن الانشطار والثنائية والهوية الممزقة، والتي هي ركيزة أساسية لعوالم هذا الفنان لا تطول - فقط - القناع الإبداعي له دون فصل حاد بين لوحاته / حياته لكنها بالأحرى تخترق هويته الشخصية - بل اسمه - كأنه شخص لا أحد يعرفه على وجه اليقين. جبر - أو - جابر كما يروق للآخرين - وله - أن ينادونه بهذا الاسم وكما يعرف أيضاً في ايطاليا والمحافل الأوروبية GABER وليس (جبرا) كما نعرفه نحن، والذي يغفل تاريخ ميلاده في تقديم سيرته البيوغرافية مكتفياً بذكر العام الذي ولد فيه 1948 ذلك لأنه ببساطه يجهل اليوم والشهر اللذين شهدا ميلاده في احدى القرى النائية لبابل. فلم يكن متاحاً في ذلك العهد تدوين شهادات للمواليد وهكذا ترك حراً في هذا العالم - دون قيد أو شرط - في أن يختار اليوم / الشهر الذي يرغب في أن يحتفل فيه بميلاده. في نهاية العام 1972 يهجر جبر (بابل) إلى روما فيما يشبه صدمة التعرض للضوء المفاجئ بعد نعاس طويل، حيث مجتمع التحولات العنيفة الذي لا يزال يئن تحت مشكلات بنيوية حادة. روما ما بعد 1968 كانت بحق هي بابل أوروبا: مثقفون.. مهاجرون.. حركات يسارية.. فوضويون.. أجنحة يمينية فاشية متطرفة.. ازدهار فني.. مافيا واغتيالات سياسية. هذه هي روما التي ذهب إليها(جبر) في داخل هذه المشهدية الكرنفاليه يجد نفسه وحيداً، موزعاً منقسماً بين عالمه الأول الذي جاء منه وعالمه الثاني الذي وفد إليه. لم يخلف الماضي وراءه تماماً، فقد حمل معه عبقاً مطلسماً من أرضه القديمة: ارتجافات عباءات سوداء فضفاضة يستتر وراءها شبق حسي عارم. ظلال هفهافة لسلطة أبويه جاثمة. حرارة ضوء سيتفجر بوهجٍ قاسٍ عبر ذاكرة وعين شخص يشعر بوصمة نفي يظل يلازمه ويشرخ روحه كبقية أصدقائه من العراقيين الذين نفوا أنفسهم بعيداً عن أنظمة سياسية متعسفة أو عن مصير موت في غياهب سجون لا يعرف عنها شيئاً في صورتها الحقيقية سوى تجريد الألم حتى يمكن للعقل استيعابه. هؤلاء - الذين جمعتني وإياهم سهرات عامرة بالمسرات - لم يُسلم أحدٌ منهم وجهه تماماً إلى الأرض الجديدة التي هاجروا إليها فقد حملوا معهم أشجانهم وآلامهم وخلافتهم السياسية فكان التشظي في كل صوره والخوف وقلق الحاضر والحنين المعذب ومجاراة الحداثة الأوروبية كلها معارك محتدمة فيما بينهم، كعرض ليلي يتلوه سكون مطبق - بعد شعشعات الشرب - وصوت ناظم الغزالي وبكاء وأصوات ملتاثة تنفي عن نفسها تهم وجرائر تخصهم وحدهم. في روما تبدأ مكابدات "جبر" الحياتية بالعمل كرسام بورتريهات في ساحة "نافونا"، أن يرسم العابرين والغرباء "مثله" في نفس الوقت الذي يكرس نفسه لدراسة فن النحت. في العام 1975 يحقق أول معرض شخصي له في جاليري LA GIADA بروما عارضاً أعمال تلك المرحلة والتي لا تنبئ على آية حال من الأحوال بصيرورته الفنية حتى ليخيل للمرء "أنه كان يمتلك عدداً من الأيدي داخل قفاز واحد". كان قد أخبرني متذكراً تلك الفترة: "أنه كان يائساً من الإتيان، كان ينتابه الشك في مقدرته على الرسم". إن تحولات "جبر" الفنية لعنيفة وتشي بعراك حاد مع النفس، وآلام روحيه في الداخل. أن يصل إلى رؤيا عميقة تجسد عوالم خرساء غير قابلة للتصريح بها. لقد سار في كل الطرق مجرباً كافة أساليب وتقنيات التصوير الأوروبي متنقلاً بين محاكيات شتى لطرق متعارضة فيما بينها. لقد جرب كل شيء في الحقيقة من أجل الاستكشاف والإمساك بحقيقة الفن الذي على شاكلة روحه.
خلال الثمانينيات أو تلك المرحلة المزدهرة كثيفة الغنى والمميزة لعمله الفني - كان يبدو أنه قد أمسك بالعطية الفنية التي ظل يبحث عنها - فيما وراء قلقه- أمسك بشيء كان عصياً بالفعل وأنه قد وجد ذلك الشكل الخيالي الذي يتفق مع ماهيته. في هذه الفترة يرسم "جبرعلوان" عن المنفيين والمتروكين في العراء. الهائمون على وجوههم تحت لواء الغربة والغرابة. هؤلاء الذين تتلاعب بجسومهم وأرواحهم النزقة قوة ما غير منظورة. نتأمل في هذه المتتابعة البصرية والتي تضم ثلاثة لوحات حققها "جبر" في النصف الأول من الثمانينيات: في اللوحة الأولى "أجنبية في المتحف" سنرى امرأة مطموسة الوجه تقف متأمله لوحه آخرى تمثل شقاً في أرضية اللوحة في داخله شكل شائه الملامح لامرأة خطوطها مغيبة في خليط لوني. اللوحة الثانية "طالب أجنبي" والتي هي صورة ذاتية للفنان نفسه حيث تصدمنا نظرات الرعب في عين شاب يحمل بعض الكتب ناظراً خارج الإطار منجذباً كلياً خارج وجوده داخل المسطح. اللوحة الثالثة "أجنبي في روما" والتي تمثل ذورة هذه المرحلة حيث يصور "جبر" ذلك الكائن الإنساني الذي يمتلك وجهاً كقناع يطفو به من وراء ستار أسود يحتل 2/3 من اللوحة وقد ابرز يده في وضعية متشنجة على خلفية مرمدة اللون وكأنما يؤدى عرضاً هزلياً أمامنا نحن جمهرة المتفرجين لذلك الغريب الذي يبزغ في غرابة في لعبه اتفاقية - بيننا وبينه - لكن الوجه الطفلي المربد بزرقة شاحبة يوجه إلينا نظرة صارمة وصادمة كأنما يشهدنا على إثم ما؟? لقد وجد "جبر" أن الحل الأمثل لإشكالياته الوجودية أو حالة التشظي التي وجد نفسه معتقلاً داخلها في منفاه هو إسقاط "المكان" وحيل المنظور بتحويله إلى بقع لونيه وشظايا فاقده للتنظيم، حيث يستحيل المسطح إلى وعاء أقرب إلى الإفراز أو العصارة اللونية. فاللون لا يتطابق أبداً مع الشكل بل يلتهمه التهاماً في طقوسية شرهه. إن اللوحات السابقة هي اقرب إلى "تعليقات" ذاتية لعابر متورط بين نوازع وذكريات تشوش عليه واقعة، وتمنعه من الانخراط العاطفي في الحدث / العرض. إنه ذلك الأجنبي الذي لا يمنح نفسه أبداً لأحد أو لمكان لأنه ليس له مكاناً على هذه الأرض. إننا أمام مفارقة عضوية مدهشه تعنى بالتشابك الملغز بين الصانع ومخيلته من ناحية، وبين متطلبات الوجود ومتطلبات الفن من ناحية أخرى. إن مفارقات "جبر" الحياتية تتشابك بمفارقات الخلق والإبداع: قد ظلت السلطات الإيطالية تعانده في منحه المواطنة حتى بعد تدخل العديد من المثقفين و الشخصيات العامة حيث انتهى به إلى تمزيق هويته الأصلية وكأنما يعلن في عرض كرنفالى (إنني لا أنتمي سوى لذاتي، أنا حيث تطأ قدمي الأرض) حتى نزلت وزارة الداخلية عن اعتراضها ومنحته الجنسية الإيطالية في عام 1994.
انشطارات أسلوبية
في هذه المرحلة تتبدى عبر أعمال "جبر علوان" بعض الخصائص المكونة لعالمه الفني حيث يفصح عن ولعه "بالبنية الكرنفالية" التي تتردد كثيراً في مشهده التشكيلي: فالتخفي والمواراة وتبادل الهويات هو قانون المشهد الذي يتنازعه عنصران رئيسيان يتسيدا اللوحة: الخفه / الرسوخ - هذا الحراك المرئي الخفي كما في لوحة "أجنبي في روما" أو في لوحتين أخريتين حققهما في العام 1986 "القناع / نساء من عالمين" في لوحة القناع سنجد استعاره بصرية لمشهدية الكرنفال الفنيسي الشهير حيث يحتجب الوجه الحقيقي وراء القناع المصنوع والمشطور إلى نصفين يتنازعهما الأصفر/ الأزرق. أما لوحة "نساء من عالمين" فيجتمع مرة أخرى الانقسام والانشطار ملبياً هوى داخلياً - بل غواية ساحقة - عند الفنان داخل بورتريه جماعي يمثل ثلاث نساء جالسات وإن كن مختلفات عن عالمنا الإنساني - واللوحه تحيلنا في تكوينها إلى أيقونة فنان العصور الوسطى الروسي "أندريه روبلوف" في الثالوث المقدس ولكن بوجوه محورة وكائنات غرائبية وحيث يقيم من أردية النسوة خريطة من مسطحات لونية متداخلة وهو ما يحيل إلى صميم الأسلوب الكرنفالي المثقل بماديته وزخرفيته الفادحة التي تلغي أي عمق أو وحدانية للكائن. من الممكن هنا أن نشير إلى استخدام "جبرعلوان" لأسلوب الباستيش PASTISHE في الجمع بين طرائق أسلوبية أو عمل استعارة تناصية مع لوحات وأعمال فنيه بعينها وهي سمه مميزة لأعمال بعد الحداثة تشير إلى حرية الاقتباس من أي عمل سابق دون أن يبدو أنها واعية بأية دوافع لهذا الاقتباس. كما أنه يفيد في بناء مشهده من فنون أخرى مثل السينما / المسرح وتقنياتهما المختلفة حيث يلجأ إلى تقنية الشاشات أو فتح نوافذ داخل المسطحات التصويرية في متن اللوحة يعرض داخلها مشاهدات أيقونية. أيضاً يعمد "جبر" في كثير من لوحاته إلى طمس وجوهه أو إحراقها في كثافة لونية مشبعة تمحو معها الخطوط الخارجية للوجه كما في لوحة بعنوان "تعبير" التي تمثل بورتريه لامرأة قد التوت تقاطيعها وتشوهت. ذلك الوجه الفقمة والمنتفخ بجزام روحي كما لو أن ما تحت الوعي يسري في أوصال العضوي حتى يخيل للرائي أنه قد استنسخ من وجوه "فرانسيس بيكون" المنتفخة وأجسامه العضوية المشوهة في أوضاع قسرية تبرز الثقل غير المرئي لوجود يضغط الجسم البشري داخل منظور فراغي ليسطحه. هذه الانطباعات المرتسمة على الوجوه والناتجة عن تصادمات بين وعي خام بفرديته وألم قهر وعزل اختياري. في جانب آخر من عمله يعكف "جبر" على تيمة الاستدعاء لمشاهد طفولية حملها معه في منفاه لكنها على الدوام منزوعة الحنين. إنها شهادات لشخص لا ينتمي سوى للمسطح الذي يسجل عليه صوره. في لوحه بعنوان "اختي" mia sorella يعرض علينا وجه امرأة نائمة مفتوحة العينين بينما يدها ممدودة كأخلاط لونية شائهة بجوار رأسها، معلنة في ألم في تلك الوضعية كأشلاء أو كإعلان صريح على الشهادة. "وجبر" نادرا ما يمعن في رسم تفاصيل الوجه لكنه هنا فان الوجه المستدعى من الماضي يتسم بوضوح تعبيري مكلل بألوان متألقة.
ينفي "جبر" عالمه الفني عن الواقع المعتاد المباشر. إنها عوالم مصفاة من لوثة اليومي موضوعة داخل اسلبة بصرية تمثل انعكاسات هشة للعالم، فعوالمه المغوية تنتمي أكثر إلى مرسمه أو المكان الذي يبتدع فيه خيالاته وشخوصه التي تتحول إلى أشلاء لونية أو عصابيات متألمة تروع في تكتلات غنائية خاصة "اللوحات التي تعالج عوالم نسائية" بل انه ينفي نفسه أيضا عن أشكال الثقافة الشعبية الرائجة اليوم في أوروبا وأمريكا بتقنيتها الشائعة مثل استخدام نتف المواد المستعملة او عوالم الشاشات vedio art فهو يظل دائما رصينا ووفيا لطرائق أسلوبية اشد قدما لكنها مدعوكة على طريقته. يظل عنيدا ومصابرا وسط تيارات متلاطمة من سوق الفن الذي يرفع راية التغيير يوما بعد يوم ليلبي مطالب "الكتل الجوف" وتحولات المزاج في منظومة إعلامية رأسمالية شرهة. إن مادة "الاكليريك" التي يبتدع من خلالها تشكيلاته معجونة بمزاجه وسيطرته الكاملة على أدائه فهو يبدع للحظته دون وضع تخطيط مسبق للوحته. فتجربة التشكيل تحمل دوما معها مفاجآت غير متوقعة، وفعل الإبداع يشبه ما يحدث في "ألعاب الفيديو التفاعلية" من حيث تتبع مسارات ثنائية بين الشاشة واللاعب، وهذا ما يحدث أيضا بين الصانع والمسطح في محاورات ثنائية الطابع تشبه المضاجعة مع اليد والمخيلة. أن عناصر المشهد البصري عند "جبر علوان" لا تبعث أبدا على الراحة، إنها مرهقة لعين الرائي بالرغم من اقتصاره على مفردة أو مفردتين تشكيليتين. وفي الحقيقة فان "جبر علوان" هو بحق فنان الابتسار كشاعر مشحون بدلالات شعرية يفجرها عبر عدد قليل من مفردات اللغة. انه ببصيرة نافذة لا يرسم اللوحة إنما يقوم بالتخديم عليها، فمشاهده التشكيلية تبدو وكأنها قد التقطت في تسارع لذة يبغي صاحبها أن يفرغها سريعا مستعيرا تقنيات الكاميرا المختلسة/ المراقبة في التصوير السينمائي. انه مصور اللحظة الدرامية الحرجة فالمفارقات البصرية التي يختارها ليشيد منها لوحاته، تحمل تاريخيتها التي تخاطب خيال الرائي فيما وراء سرديتها التشكيلية المعلنة، إنها لمحات مشوشة كما تتداعى في ذاكرة عشوائية أو هذيانية بكيفية انفجارات ضوئية خاطفه لا تترك للمرء أن يتبين محتوى ما يراه، فهي مضغوطة إلى أقصى حد ممكن وكأنها مجرد اقتراحات بصرية لحالم وقد أجريت عليها عمليات التكثيف والمونتاج التعسفي غير الخاضع لأي قانون سوى الانفعال اللحظي للصانع نفسه، حيث لا تترك هذه المشاهد للرائي سوى تفسير بدئي لما يراه أمامه. إنها إحدى ألعاب الفن الماكرة في صنعتها والتي توحي للرائي انه قد امسك بإبعاد الرؤية لكنها في الحقيقة لا تمثل سوى رؤيا أثيريه للوجود وقد تجاوزت السطح الخلاب للعالم.
انعكاسات مرآوية
لا يكتفي "جبر" بتصوير المنفيين والموصومين من حوله بل يظل يبحث في نماذجه البشرية ritratto عن انعكاسات لذاته المنعزلة، فيرسم الشعراء المجانين وأيضا السحرة. إنهم جميعا احتمالات وجوديه له، "الجواهري" الشاعر العراقي في عذابات المجاز والمنفي، أما الساحر الذي يصوره وحيدا تفر من أكمامه الحمام والخيالات، بلا مشاهدين "يا له من ألم أن تعجز ألعاب الفن عن جذب الآخرين!" ذالك الساحر المتيم بألعابه والذي بمنزلة مبتكر لأشكال احتيالية هو صنو ورصيف السأم المنفي في كبرياء خيالاته النهمة الى الظهور والتجسد، فقط تسيطر "اليد" على المشهد بكامله، تلك اليد التي يكتنفها دائما التواء عصابي متشنج وكأنها مفصولة ومعزولة عن بقية الشكل. إنها تمثل لزمه ودال متكرر leitmotiv في لوحات "جبر" والتي تحمل في داخلها إشارة ضمنية وصريحة ليد الصانع - الرسام. تلك اليد المشبقة التي تبغي أن تجرح السطح وتكاد تكتسب في اللوحات زخما عضويا كأنها تمثل احد الأطوار التخليقية لكائن ما، مثل حوافر الكلب الذي صوره في لوحة من لوحاته وهو يهرع بشراسة نحو عطية ما ملقاة على أرضية اللوحة ؟ انه الكلب المختار بعناية فائقة- دون الكلاب جميعا- ليكون صرخة الفنان وهو يلهث ككلب للإمساك بتخاييل روحه. كلب.. وعطية ملغزة.. وأرضيه زرقاء كأنها وحشة الموت. في عام 1995 يعود "جبر" مجددا ليعرض لوحه أخرى عن الشاعر "الجواهري" لكنه يصوره وسط أجواء غرائبية والشاعر جالس في وضعية تأمل وانفصال مستخدما التعبير التصويري المعتمد على تداخل الألوان ودرجاتها والتي تبدو معها الأشكال غير محددة. حيث يكلل الشاعر برداء احمر تحوطه شلالات لونية كإسقاطات ضوئيه لسينوغرافيا اللوحة، التي تتناص مع لوحه أخرى لفنان الباروك الهولندي "رمبرانت" لوحة: "النبي ارميا حزيناً على دمار اورشاليم" حيث يستعيد المشهد التوراتي هناك في بغداد المدمرة بالقصف مستدعيا الشاعر بعد موته وخراب المدينة التي نفي "جبر" "نفسه عنها".
يتردد عبر لوحات "جبر" وبصخب تأملاته الخالصة في الفن وجوهره وأسلوب المحاكاة، فكثير من لوحاته تتقوت على طبيعة عمله كفنان تشكيلي وهو احد الموضوعات الأساسية التي تشغل اهتماماته، والتي يصور فيها نفسه وهو يمارس عمله أو ما يطلق عليه "ميتا لوحه" في سعيه إلى تحويل حياته نفسها لعمل فني. في إحدى اللوحات او autoritrato والتي يلجأ نادرا فيها الى تجسيد المنظور الفراغي للمكان مشيدا لوحته من وحدات هندسية، مبرزا أبعاد المكان / الاستديو حيث يجلس جبر محاطا بلوحات من أعماله، بينما يعمد بشكل توثيقي إلى رسم ملامح وجهه بدقة مدهشة تصل الى النزعة الفوتوغرافية. وفي لوحة أخرى يصور نفسه عاكفا على تشكيل وجه هائل لامرأة بازغة التقاطيع بينما قد احتلت موديل طمست ملامحها الجانب الأيسر من الفور جراوند وقد أعطت ظهرها لعمل الفنان. ان "جبر" في الحقيقة لا يكتفي بالتخلي عن الأصل (العالم/ الموضوع) في مقابل (الصورة/ الذات) بل يبحث عن تبرير للحياة في الفن ذاته، وبتعبير آخر فإنه يقوم بتشويه الأصل، فالفن هو التعويض الوحيد عن صدمات الحياة وعلى انه اصدق تحقق واكتمال لوجود هو في ذاته ناقص وغامض المعنى. أن الفن عند "جبر علوان" ليس تحريرا من اسر الوجود أو تعبيرا عن بهجة الحياة أو على الأقل محاكاة للعالم، بل أنه يذهب بعيدا مثلما ذهب من قبلة "فرنسيس بيكون" الذي لا تخرج أعماله عن كونها سجلات غامضة عن الطبيعة البشرية بكل تناقضاتها المفجعة.
أشباح الإطار
خلال النصف الأول من التسعينيات يتبدى "جبر علوان" في كمال ذروته الفنية معنيا بشيئين أساسيين يقومان فنه: قيمة الفن عبر المكابدات التجريبية في خلق نص تشكيلي يتسم بالفرادة وأيضا الذاتية، وقيمة التجربة البشرية بكل غرابتها المفارقة لوضعها المحكوم عليه بالنفي والموت اللذان هما السقف والأرض عند فنان مثل"جبر" يظهر هذا جليا في اللوحات التي تعالج بشفافية جريحة العلاقة الغامضة "بل الملتبسة" بين الرجل والمرأة. أو موضوع الحب الجسدي وعاطفة الحب المثقلة بصور الانشقاق كما في المشهد المستعار من شكسبير "لوحة عطيل وديدمونة حيث يقع الرائي في الالتباس الواقع في منطقة رؤيوية سحرية لا تبين إذا كان المشهد هو لحظة القتل أم انه العناق الجنسي؟..... أو في لوحات أخرى تعالج النفي الجسدي للشهوة المحمومة وهي موضوعات تغلب عليها بلا شك سوداوية الكاتب السويدي "اوجست ستراند برج" أو كآبة "ادفار مونش". إن شخصياته المصورة - بألم شخصي - تبدو وكأنها مقبلة لحظتها على التفجر، أو أنها قد انتهت لتوها من تفجر مدهش. إنها مشاهد قلقة لوجود مهدد بعنف طاغ وتثبيت للحظة مقتطعة عن سياقها - لحظة معلقة - وفي انقطاعها تتقرر حتميتها المؤلمة، لحظة غارقة في ضبابيتها أو هيوليتها، كأننا نبصر اللوحة عبر حاجز يفصلها عما نراه بالفعل. أما وجوه نسائه فهي دائما مطموسة وقد شوهن بلطشات فرشاة عنيفة. إن نساء "جبر" يتفجرن من بعضهن البعض كيرقات منجذبات إلى الانحباس في اسر اللون والإطار، مستنسخات بصورة كربونية ليس لهن شبيهات لكنهن أيضا مسطحات الأعماق، وكأنهن مقسرات على أداء عرض مسرحي، متكلفات في أوضاعهن الغنائية داخل اللوحة.
...عندما التقيته كان يقترب حثيثا من الخمسين من عمره. كان يبدو هادئا أمام الجميع، وإن كانت عيناه تخفي قلقا يشوبه الحزن والأسى. في ذلك الوقت كان قد حقق العديد من المعارض الهامة في باريس وبلجيكا، كما اقامت له بلدية "رافينا" معرضا كبيرا قام بتقديمه وزير الثقافة والبيئة الايطالي "آنذاك" (فيلتر فيلتروني) "لكنه كان أيضا في سبيله إلى التخمة والرفاهية الفنية التي تنتهي الى تكرار كل شيء. كان بداخله تساؤلات يائسة لفنان في منتصف العمر لم يصل بعد إلى إجابة ما.. وماذا بعد؟ لا شيء سوى السأم والضجر... كان يرسف في قيود الصنعة ونشدان المخيلة أن تأتي بجديد، يخبئ انفعالاته وراء التلهى بصور الحياة اللذيذة وكان في قرارة نفسه يعي مأزقه، وكنت أرى بوضوح عبر عينيه نظرة عدم الرضا والقنوط وهو يقف أمام لوحة لم تكتمل بعد دافعها الوفرة الفنية وليس العوز إلى يقين فني يقيمه من عثرته. في لحظات كان يفاجئني بغير متوقع عبر لطشة فرشاه كثيفة سريعة ومخاتلة تغير كل شيء في لمح البصر أو قطع حاد لوجه. أشياء من هذه القبيل تأتي عفوا ويكون "جبر" في تلك اللحيظات المارقة قد نسي تاريخه وشهرته ويعود خفيفا متألقا كأنما يبدأ توا من جديد، لا يعبأ بشيء من حوله وكأنه في عناق شهواني مع خيالاته الثملة. في اليوم التالي عندما أمر عليه أجده جالسا في صمت يدخن سيجاره وهو يتطلع الى لوحته التي تكون قد تشكلت نهائيا، وقد أضاف إليها لمسات غير مرئية - اخالها سحرية- وقد أخرجتها من حيز المشابهه بما كان قد حققه من قبل.
"يلوح لي إنني سأظل على الدوام سعيدا في المكان الذي لست موجودا فيه، واذا شئنا المزيد من الدقة: حيث لا اعثر على ذاتي"... هذا ما قاله يوما الشاعر(شارل بودلير) ولكن من الممكن أن يردد "جبر علوان" نفس العبارة وهو ينظر مبتسما بسخرية إلى حياته ولوحاته.
خالد عزت / ناقد ومخرج سينمائي مصري له فيلم تسجيلي بعنوان " أبيقوري الجسد والروح ) والمقال مأخوذ من موقع مجلة " نزوى " العمانية
* * *
جبر علوان: المرأة عقدة الفن التشكيلي
يفتتح مساء اليوم الأحد على صالة الرواق للفنون التشكيلية آخر الفعاليات الفنية التشكيلية ضمن ربيع الثقافة معرض الفنان العراقي جبر علوان الذي يحتفي بالمرأة.. بجمالها .. بحالاتها عبرها تأملها .. عبر الغوص في وحدتها وحالات اغترابها، حول هذا المعرض والكثير من الأمور ذات الارتباط باللوحة الفنية وبالشأن الثقافي. وكان لـ’’ لوقت ‘’ هذه المحادثة مع الفنان:؟ حدثنا عن ثيمة المعرض؟
- لا توجد ثيمة موحدة بالمعرض ، هناك حالات وغالبا المرأة موجودة في اللوحة التي هي حاضرة وتعبر عنها ، طبعا من خلال البحث في اللون، بشكل عام هو تأمل في المرأة ، حالة الوحدة ..حالة الاغتراب ، بالإضافة إلى حالة بعض الموسيقيين على الرغم من أن الموسيقى تبعث بعض الأحيان ضجيجا ما لكنه يكون ضجيجا إيجابيا ممتعا إلاّ أنه في حالة صمت، عازف لوحده.
؟ ولماذا المرأة باستمرار؟
- المرأة ليس لأني أوّل وآخر من يرسمها، المرأة كانت ومازالت عقدة الفن التشكيلي عموما، منذ بدأ الإنسان يعبر عن حالاته وعواطفه بالرسم أو بالنحت كانت المرأة هي العنصر الأساسي، وقد اعتنى بها الإغريق في النحت، ثم الرومان في عصر النهضة وما قبل عصر النهضة، الإغريق عبروا عنها بشكل جمالي، هذا في عصر النهضة وقبله جوته أبقوا من المرأة الشكل الروحي متمثلا في مريم العذراء، حولوها إلى مسالة روحية وما بعد عصر النهضة ظهرت طقوس جمالية في اللوحة تمثلت فرضا في لوحة الموناليزا وهكذا في بقية المدارس الفنية ، كذلك التعبيرين خلقوا حالة التعبير في المرأة وأحسن من عبر عنها الفنان النرويجي موخ في لوحة الصرخة بعد تناولها فنانو المستقبلية الإيطالية وبيكاسو.
المرأة هو موضوع شائك ومعقد واعتقد أن الإنسان ذاته لم يكتشف المرأة، فكيف بالفنان الذي هو يبحث في حالة المرأة.
أنا أعتقد أن المرأة هي كوكب بعيد لم نستطع اكتشافه لحد الآن. أنا أحاول من خلال اللوحة في حالة المرأة.
؟ الملاحظ في أعمالك الفنية أن البحث هذا يتم عبر ألوان ابتهاجية فرحة إن جاز القول مالسر في ذلك؟
- أنا بطبيعتي أحب الجمال ومتفائل وما يدور من حولنا هو موضوع حياة درامية .. مما يدور في بلدي العراق وفي العالم أجمع وحتى في الدول التي تدعي أنها مستقرة إلاّ أن هناك حالة اغتراب ووحدة عند الإنسان ، في اليابان وأوربا مثلا ، وبالتالي كل ما يحيط بنا من خراب ومن دمار روحي أحاول الابتعاد عنه ، أحاول تمجيد الجانب الجميل منه..التقط الجميل ، لم لا قد أكون أنا أريد أن يكون العالم جميلا بهذا الشكل لذلك ابحث عن الشيء الإنساني والجميل.
البحث عن هذا الجميل وفيه الذي تتحدث عنه ونبذ العنف والدمار وتعويضه ببحثك الجمالي الفني في حالات المرأة.. هل يمكن القول أن غربتك الطويلة عن الوطن السبب في ذلك؟
ربما يكون الإنسان في وطنه وهو مغترب ، أنا منذ كنت في العراق وحتى عندما بدأت المجيء إلى المنطقة العربية أحاول البحث عن الجميل وإيجاده ثمة أشياء كثيرة جميلة من حولنا ، فلإنسان لكثرة ما حوله من أشياء جميلة لا يراها ، يمر عليها مرورا عابرا وهذا لا علاقة له بالغربة، طبعا الأكيد أن فردا يعيش في مجتمع متحضر ومتمدن ذو تجربة عميقة في العمل الفني أو الجمالي يختلف ويؤثر، ما يدور حولي من متاحف وطبيعة عرض الأزياء هي جميلة .. السينما .. المدينة نفسها ، كل هذه الأمور تؤثر على الذوق.
؟ يلاحظ في السنوات الأخيرة تركيز جبر علوان في عروضه على الدول العربية ما السر في ذلك؟
- في الحقيقة هو ليس تركيزا بقدر ما توجها للدول العربية أيضا كمناطق للعرض، وجودي في روما 35 سنة وروما تعني الانفتاح على الدول الأوربية الأخرى وإقامة أكثر من أربعين معرضا شخصيا في أوربا وخارجها وعلاقتي بالقارئ والمشاهد والناقد تشكيلي والفنان الأوربي أخذت طابعا معينا ولكن في نفس الوقت أنا ذو ثقافتين ، ثقافة غربية وثقافة شرقية بحكم هذه الفترة الطويلة التي عشتها بأوربا وبالتالي هنالك تشوق أو فضول لمعرفة المنطقة العربية وهذا الفضول لا يتأتى عن طريق فقط زيارة أو متابعة الأصدقاء أو العيش في بلد ما إنما عبر الاحتكاك معهم بالعمل ، وأردت معرفة ردة فعل المشاهد العربي سواء كان فنانا أو ناقدا أو فنانا أو إنسانا بسيطا ومدى تلقيه لهذا العمل واعتقد أن الفنان من غير جمهور.. من غير ناس يبقى مع نفسه فينحصر، فردود فعل المشاهد ومعرفتها جد مهمة، وهذه تنوعت واختلفت من بلد لآخر وأنا اغتنيت كثيرا من خلال الست سنوات الأخيرة من العرض في المنطقة العربية روحيا ولونيا. لذلك أتردد عليها، إنما شغلي واعتمادي الأساس على الصالات الفنية في أوربا.
؟ كانت للفنان جبر علوان ومن ضمن التجارب تجربتان مهمتان واحدة مع الشاعر الكبير سعدي يوسف والأخرى مع الروائي عبد الرحمن منيف حدثنا عنهما؟
- التجربتان مختلفتان تماما بالتأكيد: التجربة الأولى مع الشاعر سعدي يوسف، هناك موضوع جدا مهم وحساس بنفس الوقت وهو الايروتيكا ، اتفقنا نحن الاثنين أن يتناوله هو شعرا وأنا أتناوله رسما وجمعنا هذه التجربة، واعتقد أن هذه من الأشياء التي يجب أن تزاح نحن مملوئين بالجنس وأحد مشاكلنا تغطية وتكبيلها،أو النظر إليها من مفهوم متخلف باعتبار ذلك عيبا وهذا غير صحيح ولا يجوز الحديث عنه أو تناوله أو يجوز بسبب الدين ، لكن هذه سبب أزمة روحية لدى العرب، الانكماش وعدم انفتاح على الجنس، هو يمارسها بشكل خاطئ ، يمارسها لكن ليس بشكل جمالي إنما بشكل حيواني، لو يحرر الإنسان العربي ( رجل وامرأة ) لكنا بخير، هذه ليست تجربة جديدة ، هناك شعراء في العصور السابقة تحدثوا عن هذا الموضوع .. عن جمال جسد المرأة ، أبي نؤاس وعمر الخيام مثلا ، في العصر الحديث تغزلوا في جمالها لكنهم لم يتحدثوا عن الايروتيك ، والرائد في ذلك الشاعر نزار قباني الذي تغزل كثيرا في جسد المرأة لكنه لم يصل إلى الايروتكزم رغم عظمته في وصف حال المرأة، عموما هي مجرد تجربة بسيطة قمنا بها، تقبلتها بعض الأوساط الثقافية بكل إيجابي وفي بعض الدول منعت من الدخول والتداول باعتبارها حراما إلاّ أن الكتاب سوق بصورة أكبر نتيجة هذا المنع.
أما تجربة عبد الرحمن منيف فيه شيء آخر، عبد الرحمن منيف هو أوّل من حاول تقديمي للمنطقة العربية وأول من شجعني على المجيء إليها. واعتقد أن ثاني معرض شخصي لي بالمنطقة كان في سورية هو من تنظيم ودعم عبد الرحمن منيف وكان دائم التأكيد على العرض بالمنطقة العربية ، كانت تربطني به علاقة صداقة حميمة نتحاور حول الفن، هو رجل يحب الحب كثيرا بعمق وله قراءات جيدة للوحة ونتيجة معايشة طويلة تفضل بكتابة مادة طويلة عن أعمالي وصدر في كتاب مصحوبا باللوحات.
***
جبر علوان: رغم كل شيء.. اللوحة ماتزال بخير
افتتح مساء أمس (الأحد بصالة الرواق للفنون التشكيلية معرض الفنان العراقي جبر علوان. ويأتي المعرض في إطار الفعاليات الأخيرة لمهرجان ''ربيع الثقافة'' التي تقام على الصالات الخاصة.
**
ولد جبر في مدينة بابل، وتخرج من معهد الفنون الجميلة ببغداد. حاصل على شهادة أكاديمية في النحت وأخرى في الفنون الجميلة من روما. ''الوقت'' التقت بالفنان على هامش زيارته للبحرين وكان لها معه هذا الحوار الذي تنشر الحلقة الثانية منه:
؟ نعرج قليلا صوب المحترف العراقي الذي هو في حركة مستمرة ( رغم ما يمر به العراق من وضع ) هذا بالنسبة للداخل، ناهيك عن فناني المغترب ، الذين هم الأكثر حضورا سواء في الدول العربية أو الأجنبية ، هذه الجذوة وهذا البروز بم تفسره؟
ظاهريا صحيحة وهذه متأتية من طبيعة الشعب العراقي ، قد أتحث حاليا عن الذاكرة ، الزمن ضمن وضع العراق السياسي وجبروت السلطة ودكتاتوريتها قد أضعفت الفرد العراقي وهذه نتيجة ما يمر به الشعب العراقي الآن ، تفريغه من محتواه الثقافي ، كان العراق مختلفا ، كان ثورة من تقبل الشيء الآخر ، انفتاحه على الثقافات الأخرى، واندماجه بها وفيها ومحاولة محاكاتها أو الإبداع فيهان كان منذ عشرينات القرن الماضي ، تجلى ذلك في ظاهرة الأدب.. الشعر.. الفن التشكيلي، العراقي كان متطلعا لاكتشاف الآخر على الرغم أنه ليس مسافرا أو محبا للاغتراب كالفرد اللبناني أو السوري أو شعوب منطقة البحر المتوسط، العراقي يتقبل كل أيديولوجية جديدة ، تقبل الشيوعية رغم أنها فكر أوربي، تقبل القومية العربية، ولكن ضمن تكوينه كشعب قارئ أيضا هذا خلق حركة ثقافية مندمجة مع بعضها ، الشعر يؤثر في الفن التشكيلي والعكس أيضا ، كانت أساساته جيدة لذلك ظهرت بوادر التجديد في الشعر ، ظهرت بوادر حركة تشكيلية عميقة ، صحيح أن مصر سبقتنا في ذلك لكن تجربة العراق الفنية تعمقت ، فخلق أساسا قويا وجيدا للفنان التشكيلي العراقي، الفنانون التشكيليون كانوا أساتذة رائعين بنوا مدرسة فنية جديدة ، جواد سليم.. الخ ، هي تمتد إلى جذور عميقة لا اعرف بالضبط سبب هذا الحضور والبروز، رغم الجوع والقتل هو مستمر في العملية الإنتاجية، صحيح أن تنوعها قلّ بسبب الحصار ، بسبب ما مورس على الفرد العراقي ، إلاّ أنه ما يزال يرسم وينحت ، والفنانون العراقيون المتواجدون في الخارج لهم خصوصية معينة، هذا ما أقدر التحدث عنه ، لكن لو كان باحثا سايكولوجيا، أو باحثا اجتماعيا لاستطاع التعبير بصورة أكثر عمقا.
المرأة العراقية منذ أربعينات القرن الماضي كانت متعلمة متحررة أخذت مواقعها في الشعر والفن التشكيلي وفي مؤسسات الدّولة، مثلا في العام 1959 كان في العراق امرأة وزيرة للبلديات هذا لم يكن يحصل حتى في إيطاليا.
؟ هل مارست النحت؟
نعم درست النحت إلاّ أن صعوبة توفر الإمكانيات كالأدوات والمكان الواسع حال دون ذلك، طبعا سحبني اللون ومتابعة اللوحة الفنية.
هل تؤمن بالاختصاص في الفن أعني توقف الفنان عند مجال معين فقط ، مثلا الرسام يكون ساما فقط، أي أنه لا يجرب النحت أو الجرافيك ؟
هذا الأمر نسبي ، بعض كبار الفنانين بقوا يبحثون في شكل واحد ولوحة واحدة فقط موندليان وموراندي ولم يطرح هذا السؤال أبدا، نحن في المنطقة العربية نطرح مثل هذه الأسئلة ، في النهاية ما ينتجه الفنان هو مسئول عنه.قد يتنوع الفنان في اشتغالاته والكثير من الفنانين قدموا أشياء متنوعة لكن يبقى الأثر المهم ، ما تبقى تعد تجارب يستفيد منها الفنان، تجارب يشعر الفنان أنه بحاجة إليها.اعتقد أن كل فنان يعمل تجاربه الخاصة والتي ربما لا يعرضها. الكثير من الفنانين جربوا النحت والجرافيك..الخ ربما تكون مكملة وقد يبدع الفنان فيها إنما المسالة نسبية تعود لذات الفنان وروحه، ما مطلوب من الشاعر أن يكون مخرجا سينمائيا ولا من الروائي أن يتناول الشعر.
ربما سيبدع فيها لكن هي حالة ذاتية للمبدع ، الفن متعة ذاتية ومسئولية أيضا ، أما أنه يجرب من أجل الآخر فهذا غير صحيح. اشتغلت ( انستليشن وجرافيك ) في أوربا لكن أحس أن ذلك شيء عابر.
أنا مراهن على شيء واحد هو التشخيص والبحث فيه. نحن مجموعة من الفنانين في روما ومنذ السبعينات كنا نراهن على التشخيص والنقاد وصفونا بالمتخلفين وأنتم راكدين والعالم من حولكم يتحرك.. التجريد والأعمال الفراغية والمركبة والفيديو ساد وأنتم مازلتم ترسمون لوحة تقليدية. اليوم هذه اللوحة عادت إلى مكانتها.
كيف تقيِّم حضور الفنان العربي في أوربا؟
صار للفنان العربي حضورا لكنه قليل، بسبب النظرة العنصرية التي كونها الإعلام الأوربي تجاه المجتمع العربي ، هناك مفادها أن المنطقة العربية منطقة متخلفة.. بدوية لا تعرف غير الحروب ولا يمكن أن يبرز منها فنان مبدع مواكب للحركة التشكيلية الأوربية، يتأتى ذلك بسبب الإعلام وبسبب الإعلام الصهيوني أيضا والإعلام المتخلف في أوربا، بسبب أساسي وأكيد هو المؤسسة العربية والحكومات العربية، لأن الحكومات العربية لم تواجه هذا السؤال .. كيف ننشر ثقافتنا أيضا في أوربا، لم يعملوا على دعم المعارض ولا دعم الكتب ولا ترجمتها ولم يعملوا على دعم المؤسسات الثقافية، فكان سببا لهذا الأمر ، الأوربي عندما يذهب للمنطقة العربية بقوة في طرح الثقافة التي ينتمي إليها سواء الفرنسية أو الأمريكية أو الانجليزي مثلا، بالعكس نحن لا نطرح شيئا، للأسف كل ما نطرحه بشكل متخلف وجامد وجاف أو بمفهوم الدين الإسلامي الذي تريده المنطقة العربية وليس الدين الإسلامي الحقيقي، حتى من أسس وأقام مؤسسات بهذا الاتجاه اعتمادا على طرح أن هويته إسلامية ، صحيح أن هويتك إسلامية وثقافتك إسلامية، ليس هذا الحل مثلا، هناك أسباب كثيرة تواجه الفنان هناك ولكن في السنوات الأخيرة برز اتجاه يساري في أوربا يحاول كسر كل تلك المفاهيم السابقة ويدافع عن الناس المغلوب على أمرهم ، ترجمت في الآونة الأخيرة كتب من العربية إلى اللغات الأوربية و كتب عن بعض المعارض الجيدة، بعض الفنانين نشطوا خصوصا عندما نال الروائي المصري نجيب محفوظ جائزة نوبل للآداب وترجمت أعماله لعدة لغات أوربية ساهم في كسر هذا الحاجز ، ترجمت بعض كتب عبد الرحمن منيف وبعض الكتاب العرب ، كذلك ساهم الكتاب العرب في باريس ولندن في أن يكونوا واجهة جديدة لكنها نسبيا قليلة، هي بحاجة لدعم ووقت، في أوربا استطاع العربي أن يدخل المؤسسة الرسمية كمدرس وطبيب ومهندس، أغلب الأطباء في انجلترا هم عراقيين وعرب، وفي ألمانيا سوريين واللبنانيين في فرنسا مثلا، بمعنى أنه دخل العربي كفرد، لكن كثقافة لم تدخل للأسف. وهذا أحد الأسباب، الفرد العربي وحيدا هناك ماذا بمقدوره أن يفعل؟ رغم ذلك نرى هناك بروز لبعض الفنانين العرب في مناطق متفرقة من أوربا.
الوقت- 7-8 ابريل 2007