أكرم قطريب
(سوريا/أمريكا)

أكرم قطريبالطريق بين حمص ودمشق
أين تذهبُ ؟
بلدتُكَ أيها الصديق لن تجدها بعد الآن
إلا في مخيلة الشجر .
أين تذهبُ ؟
اللافتة , على جانب الطريق السريعة بين حمص ودمشق ,
تُنبهكَ أن تبتسمَ ,
بينما التمثالُ الذي على التلة بلا مأوى
ويضحكُ علينا جميعاً.

****

عائلة تشربُ الشاي في بيت بعيد
أيتها الآلام هل سنحتاجكِ إلى آخر السنة ؟
فقط , ببضعة آلافٍ من الأعوام , أو لوقتٍ أقلّ بكثيرٍ ,
إذهبي بثياب الراعي المولود على أطراف الصحراء
واتبعي قدم الطفل الحافية في ممالكِ النبات ,
المطويّ على كتمانهِ ويضحكُ للحظةٍ :

يرسمُ جناحينِ على الحائطِ
وعائلةَ تشربُ الشاي في بيتٍ بعيدٍ
لا أحد يصلُ إليه.

****

خبزُ الله المتروك أمام الدكاكين
خبزُ الله ألفَهُ الفتى الذي يبتسمُ للكاميرا
كي نتذكرهٌ.
خبزُ الله المتروك أمام الدكاكين كي يبرد على مهل.

الفتى الذي يشبه شجرة سرو
لم يسقها أحد منذ عام.

****

حصةُ العصفور
أيتها الحرية ما كنتُ أظنكِ قاسية إلى هذا الحدّ.
العيون تتعقبكِ وأنتِ تعبرين الشارع وحيدة.
لا تقفي هناك أعلى الشجرة :
ثمة من يفقد البصَرَ لأجلكِ ,
وثمة من يأخذكِ معهُ وهو يتخفّى تحت درج البناية.
كلّ يومٍ ننتظركِ في المنام
كي لا تأخذَ منا الوحشةُ حصةَ العصفورِ
والضمير العاري.

ننتظركِ كل يومٍ كما يمكن أن نفعل في الحب.

****

رسوم على الحيطان

الشرفات التي أعلى من شجرة الجوز
لا تُلخصها أيّ كلمة ولا ثمن .
ثيابُ أبنائكِ رسومٌ على الحيطان
يقضمون فاكهة خرافية.

مازلتِ محتفظة بنفس الإبتسامة,
كذلك اللوحة التي انكسر إطارها في باب شرقي
قرب بيت أهلكِ والكتب التي ضاعت هناك والضحكات

لا تُردّ لي أبداً.

****

بلحمهم المرفوع إلى السماء

ياشعبي هي التي لأجل أبنائكَ
تضعُ صغارَ الطير على النوافذِ كيلا يشعروا بالوحشةِ
تحت شجرتكَ المائلةِ :
على هذا النحو وأنتَ تفتحُ بابها على مصراعيهِ
تشيرُ إليها بأجسادهم وبلحمهم المرفوع إلى السماء.

****

لستُ هنا لأحدثكَ عن كارل ماركس

كيف أعثرُ عليكَ أيها الحب
حمولتكَ خفّت في قلوب الذين أعرفهم
ولم يبق منك سوى الأغطية وبعض الصِّبية المرميّين
في ثلاجة شركة الخضار والفواكه.

أيها الحب وأنت من سلالةٍ ضئيلةٍ
لستُ هنا لأحدثكَ عن كارل ماركس وثمرة الهندسة
وأنا أذهب إليكَ سيراً على القدمين
مثل عريس موثوق بالندم.

****

تمثالها موجود في متحف حلب

إلهة المياه والينابيع ثوبُها الطويل يشيرُ إلى تموجات الماء والنهر,
لكنها لا تستطيع حماية الأجساد المرمية في مداخل الشوارعِ ,
مثل نُصب مصنوعة من النحاس الأحمر .
إلهة المياه التي كانت أمَّنا على الفرات ,
المضمومةُ مع القلائد والميداليات والخزف :
تمثالها موجود في متحف حلب .

****

عين تبكي في عربة القطار

وطني بتلك التنهيدة الجبارة والطرقات المقدسة بين مدنكَ,
وعصافير نائمة في الأقنية الرومانية
دلّتني عليكَ وجعلتني أتذكركَ مثل نبي مأساوي
يضحكُ للريح ويتطلّع من فرجة الباب المتروك في البرّية.

يا أبي الممدّد على فراش المرض والذي لم أكن أحتاج لشيءٍ منه
سوى رائحة ثيابه في الخزانة .
ما أتذكره :
أنني لم أجرؤ على التحديق في عينيه مرة واحدة ,
ودون أن ألمسَ نصف الإله الذي فيه
يتمدّد الآن وهو يتخيل النافذة عيناً تبكي في عربة القطار .

****

القدس العربي- 22-9-2012