عهد فاضل
(سوريا)

عهد فاضلالكلام عن النقد الأدبي كما لو أنه مخلّص الشعر والشعراء من أزمة النص لا يُفْهَم إلا من قبيل تصدير المشكلة. النقد ليس دواءً. والنص ليس ذلك النوع من المرضى الذين يتماثلون للشفاء بمجرد تناول العقار. وإذا بقي المنظور الى النقد بصفته منتج المعايير وحارسها فهذا يعني التحاقاً ليس في مصلحة صانعي النصوص. عندما نقرأ كلاماً في أزمة النقد الأدبي نرى الأزمة ذاتها في نقد النقد, بمعنى أن نقد النقد, غالباً, لا يحدد, على المستوى الشكلي, الإطار المصطلحي للأزمة. بل يأتي الرأي على شكل تصدير لمشكلة الشعر وتهرباً من استحقاقات النص نفسه.

ويلاحظ, عموماً, ان معظم الشاكين من النقد الأدبي ينتمون الى ما قبل جيل الثمانينات وهم جيل السبعينات الذين وحدهم يعرفون السبب الجوهري للمشكلة: جيل السبعينات الشعري يشكل التباساً مفهومياً واضحاً. والذين نالوا حصصهم من هذا الجيل لا نراهم يتحدثون عن أزمة النقد. هل الموضوع ذو بعد شخصي؟ في الأمر شيءٌ من ذلك.

هناك مجموعة من العناصر التي طرحت مع نهاية الستينات, ولم تكن مقاربتها من خلال ما يسمى "الفكر الشعري" بل من خلال النص الأدبي. وترى هذه القراءة ان أحد أهم العناصر التي أسست لوصف النقد الأدبي الحالي هو العنصر الأول: غياب المثال الشعري. ان غياب المثال الشعري "الملهم" ترك أثره الكبير في مسألتين أساسيتين, الأولى إنتاج النص. والثانية المعايرة. فقيمة المثال الشعري, التاريخية, هي في ذلك التسهيل والرواج للنماذج, إذ لا يعود النص من الحرب مدافعاً عن نفسه, بل يدخل في النموذج, ويتطابق. وصانعو الأدب يعرفون القوة اللامنظورة للنموذج - المثال, وخصوصاً في المرحلتين: الرومانسية والحداثة. كان المثال الشعري في هاتين المرحلتين يمتلك القوة الدافعة للتطابق وما يشتمله المثال من ثقافة تعزز فكراً شعرياً حارساً للنموذج - المثال - الجديد. والعلاقة مع المثال الشعري لا تفترض استلاباً كما يمكن أن يفهم من القراءة الأخلاقية له, فقيمة المثال تكمن في الإلهامية الدافعة ومستوى التبشير الذي ينطوي عليه.

واستمرت الرافعة الإلهامية في العمل منذ ديوان وأبولو ومجلة شعر اللبنانية حتى نهايات الستينات. هذا إذا لم ننس قوة الإلهامية للمثال في شعر بدر شاكر السياب. مع السبعينات, الالتباس الشعري, حصل نوعٌ من الارتجاج البنيوي للقصيدة, فهي ستولد بلا مثال, وستتشكل في نوعٍ الانقلاب عليه. وفي هذه الفترة صار المثال الشعري (الغربي) محوراً لثقافة أخلاقية محاكمة وامتداداً كولونيالياً مبشراً. فماذا كان البديل؟ جميع متتبعي شعر تلك المرحلة يلحظون سطوة بلاغية وميلاً فائضاً للفظ مع تنازل عن قيم رومانسية المنشأ: كالذاتية والطبيعة وتضاد الفرد بالجماعة. والكلام ليس عن أدب السبعينات بأسره, بل هو عن الصورة العامة له وضعف أثره في الأجيال اللاحقة. وإذا أردنا أن نشير الى صانعي نصوص, من تلك المرحلة, تركوا أثراً واضحاً في الأجيال التي تلتهم نشير الى عباس بيضون ووديع سعادة, كأهم تجربتين تركتا أثراً على الأقل في جيل التسعينات. كما كان هناك مجموعة من الأسماء البارزة كقاسم حداد وحسن عبدالله ونزيه أبي عفش. هذه الأسماء لم تخرج انقلابياً على المثال, ولم يعكس نصها توتراً تدميرياً له, بل عملت على مقاربة من النوع شبه المستحيل بين القوة اللامنظورة للمثال واستبطان الكينونة. العلاقة بين الكينونة والمثال هي التي وفرت الأرضية لإنتاج هؤلاء لنصوصهم ولخلق افتتان جعل من الأجيال اللاحقة تنجذب وتتأثر, على خلاف لغة استبدلت الكينونة بالهوية (!) والمثال بالعاطفة. والفارق بين الكينونة والهوية ان الأولى سرٌّ للذات, أما الثانية فمعطى جماعي مسبق (وهذا يتلاءم مع أصوات تلك المرحلة). بين هذين الفارقين نشأت أزمة جيل السبعينات, من داخل هذا الجيل, قبل أن تكون خارجه.

الرؤية الشعرية

هذا هو العنصر الأول الذي ترصده هذه القراءة, معتبرة انه العنصر الأهم, غياب المثال الشعري. العنصر الثاني مشكلة الرؤية الشعرية التي تكاد تكون العامل الأول, لكننا فضلنا البدء بالمثال ليكون الحديث عن الأزمة من جزئها الأخير أو مسببها المقيم الأخير.

أما مشكلة الرؤية الشعرية فامتدت منذ ترجمة "لامرتين" وحتى سان جون بيرس وايف بونفوا. وما بينهما من مثال التصوف الذي أعلى جانب الرؤية على الشكل. فقد دأبت حركات التغيير, واستمرت, في نقدها المضمون, أو المعاني, ومن هنا آثرت مفاهيم "الروح الجديدة" والعلاقة بين الكائن والأشياء وسواها. ولم يكن من خط شكلي واضح إلا في الفارق بين التفعيلة والعمود, وبين العمود والنثر. ولم تنتج هذا التغييرات تحولات عميقة في المعايير والمصطلحات الضابطة لحركة النص الجديد. وعلى خلاف الثقافة النقدية التي رافقت الشعر العربي التقليدي وأنتجت عشرات المصطلحات التي تولت "حراسة" هذا الشكل الشعري طويلاً, ما زالت من دون الإشارة الى الحجم والأثر. قصيدة النثر لم تتأثر في إطارها العام بهذه المسألة, فالأخيرة تتسيد المشهد الشعري وانتصارها طغى على قابليتها للدفاع, لتنحصر الأزمة في شكلين شعريين اثنين: العمودي والتفعيلي. ومن هنا كانت الإشارة في البدء الى ان الشكوى تأتي في الغالب من جيل السبعينات, وهو الجيل المنقلب على النموذج والملتبس في البدائل. هذان الشكلان هما اللذان تأثرا بأزمة الرؤية ما دفع بكثير من منتجيهما الى الاهتمام بالصورة والإيقاع لخلق توازن مع انتصار النموذج النثري. انتصار النثر كان سيفاً ذا حدين, فمن جهة شاع النموذج, ومن جهة أخرى تركه الانتصار بلا فكر شعري موازٍ. وهذا أدى الى نصوص كثيرة لا تتفق عليها حتى مناخاتها. ويخضع النثر التسعيني كذلك لمفهوم غياب المثال ومفهـوم الرؤيــة الشعريــة في كثيــر من التجــارب. إلا ان مــا يخفــف من حـــدة المواجهة هو ان النثر نموذج منتصر.

العنصر الثالث هو التحول الثمانيني. هذا الجيل هو المرآة العاكسة لأزمة جيل السبعينات, فمن جهة لم يتناقض أدباء هذا الجيل مع المثال ومنهم: (منذر مصري وعبده وازن ونوري الجراح ويمكن ضمّ إليهم اسكندر حبش ويوسف بزي من جيل التسعينات) فمنتجو النصوص هؤلاء أدركوا في شكل مبكر الفارق بين الهوية والكينونة فتجاوزوا الأولى وكتبوا الثانية. وفي الوقت ذاته لم يكن معنى الكينونة لديهم مفهوماً هيولياً داخلياً, وحسب, بل تجلى, في شعرهم, من خلال معنى مضاف للكينونة على أنها منطقٌ معكوس, أي في شكلها التاريخي. من هنا نفهم قوة المكان عند يوسف بزي واسكندر حبش ونوري الجراح, هذا لأن كينونتهم الشعرية ذات مفعول عكسي, لتصبح المسافة التقليدية بين الكينونة والصيرورة عملاً مدرسياً أولياً لا أثر له في إنتاج النص. لا نرى الكينونة المعكوسة, مثلاً, عند عبده وازن ومنذر مصري, فهي أقرب لديهما الى الداخل. ان المشهد الثمانيني ومن خلال الكينونة المعكوسة لم يحقق عدم التوتر مع المثال, وحسب, بل أنتج مستوى شعرياً جديداً يستمد نقده من نفسه. وعدم الإشارة الى التغير الذي أحدثه هذا الجيل هو من أسباب "الأزمــة" النقديـــة. فهناك عملٌ شعري كثير حصل ويحصل إلا ان شيئاً من عدم الاكتراث أنتج ملاحظة خاطئة ينبغي تصحيحها.

العنصر الرابع هو الملف التسعينـي. فهذا الملف يأخذ طريقــه الى التكامل مع شيء من التعبير عن مكان صارم لم يستفد من دينامية الكينونة التي ابتكرها الثمانينيون, فنقرأ كثيراً في أدب هذا الجيل ملامح ثابتة محددة تلفظ التأويل باتجاه تطابق اللفظ والمعنى كنوع من الخليليـة في النثر(!), لكننا نقرأ قلق كينونة دينامياً عند البعض كأحمد السلامي, خصوصاً في قصائده الجديدة, وجوزف عيساوي وخضر الآغا وأحمد النسور وناظم السيد وعابد اسماعيل ومحمد المزروعي. في مثل هذه التجارب نلمح الاقتراح الثمانيني مستمراً ما يعكس شيئاً من السياق الممتد منذ "لن" أنسي الحاج مروراً "بأحلم وأطيع آية الشمس" الأدونيسية وصولاً الى جميع "الناجين" من السفن الثلاث: السبعينية والثمانينية والتسعينية.

العنصر الخامس هو مفهوم القراءة. فقد راج مفهوم تقويمي للنقد يجعل منه أداة فصل وحسم بين شعر ولا شعر, وهو من أدوار النقد الأخلاقية الضعيفة الأثر. ومفهوم القراءة وحده يقوم مقام الحكم, فالقراءة فعل افتتان. والنقد, قراءةً لا حكماً, هو الموازاة الجوهرية لحركة النص. من هنا, قراءتنا هذه. موازاةٌ وليست أحكاماً وان بدا فيها افتتانٌ ما, فهو مصير القراءة في معظم الأحيان. وهي رؤية لما يمكن تسميته "أزمة نقدية" بدا أننا لا نوافق عليها في جوهر القول وظاهره.

الحياة
2004/07/13