عناية جابر
(لبنان)

رامي خليفةفي الدعوة المفتوحة التي وجهتها (سي.دي.تيك) الى حضور حفل الموسيقي الشاب رامي خليفة تحت عنوان "Scene From Hellek" وهو عنوان إصداره الموسيقي الجديد، كان لنا متعة اللقاء معه الثامنة والنصف مساء الثلاثاء 18 كانون الثاني في قاعة الأسمبلي هول.
قد لا تكون جماهير رامي خليفة، بكثافة جماهير والده الفنان مارسيل خليفة، غير ان محبي هذا الشاب المتفجر موهبة وانفعالا وألقاً، كانوا هناك، وكان هناك أيضا كل من يؤرقه الوقوف في الموسيقى عند حدود معينة. الرغبة الى التحقق مما تفعله آلة البيانو، الحاضن الطبيعي للموسيقى الكلاسيكية، فعلت فعلها في جماهير رامي في الاسمبلي هول، الذين تقاطروا لسماع الجاز على تلك الآلة، ومعاينة التكنيك الذي يجعل أخيرا (البيانو) ينوح، كما ينوح الترومبيت، وكما تفعل أكثر الآلات استغراقا في الجاز وشؤونه.
 
"Scene From Hellek" هي اسطوانة رامي خليفة الثانية بعد "Live in Beirut" التي قدمها كعازف منفرد سنة 2001، عزف فيها باخ، موزار، رافييل، بروكوفياف بالإضافة الى ارتجالات على البيانو. الحفل في الأسمبلي لمساء الثلاثاء، كان اختيارات من إصداره الجديد، المتمحور حول مقولة الخروج عن العزف المألوف، في عرض باهر للتقنيات المستعملة لهذه الغاية. والمسألة، لم تقتصر في عرضه على تقنية لعبة النقر بالأصابع على أوتار البيانو مباشرة والتدرَّج الصوتي لهذه الأوتار، فثمة الروح الحساسة لهذا الشاب الذي خرج عن الخلافات التقليدية في (توريث) الموسيقى، الى الحرية الشخصية المطلقة وإثبات الذات.

الارتجال

حين قدم رامي خليفة حفله في الجامعة الأميركية تكريما لعازف البيانو اللبناني الراحل وليد عقل سنة 1999 حسبنا ان نتاجه الفني سوف يتأطر في استعادات كلاسيكية منذ باخ وحتى مؤلفي القرن العشرين. غير ان رامي، الى جانب موهبته كمؤد لمقطوعات الريبرتوار الكلاسيكي، ما زال يدهشنا بجدية مشروعه الذي يرى الى الارتجال مع ما يتضمن في هذه اللعبة من صعوبة الانتقال من كثافة أحاسيسه الموسيقية الداخلية، وتنفيذها على آلة البيانو بشكلها الصوتي المعروف. فرقة "Spring Septet" التي أسسها وجال معها في العديد من حانات الجاز الباريسية، ساعدته تماما، وعمقت علاقته بمشروعه الارتجالي، ومنحته يسرا وسلاسة في التعامل مع النغم.

في كل من حفلات رامي خليفة الكلاسيكية قديما، كان يقتطع لنفسه دقائق عشر او نحو ذلك، ليلعب ما تريده روحه في ارتجالات سريعة. ليل الثلاثاء، كان اللعب كله، وفق رغبة رامي، ووفق عشقه المؤجل، فاكتظت الأسمبلي بجماهير أتت تقاسمه الجاز. فهذا الشاب القادم من ذاكرة ومخيلة موسيقى شرقيتين في الأساس، اختار التخصص في العزف على آلة البيانو، لينحاز أخيرا الى تلك الهوامش البسيطة من الارتجال التي كان يقتطعها في الحفلات، معززا بموسيقاه الشرقية، من الجامع الذي يقرّب بين الموسيقى الشرقية وموسيقى الجاز، وهو جامع يتجلى في العناصر التي تجمع بين الموسيقيين: الارتجال والتفرد والتقسيم والسلطنة. عناصر موجودة في هذه الموسيقى وتلك، ارتاحت لها ذائقة رامي خليفة مع بقائه أمينا لتراث تربى عليه، وأكاديمية كفيلة بضبط مطلق فوضى فنية.
هذا من الناحية النظرية. أما التطبيقية فهي ما لعبه رامي خليفة في حفله ونتناوله الآن. إذ صحيح ان كلا من خصائص الجاز وخصائص الموسيقى الكلاسيكية تختلف اختلافا بيَّنا، غير ان الشاب الموسيقي (مواليد 1981) عرف كيف يصنع التوافق في ما بينها على آلته البيانو، من رغبته الى التفرّد ومن فطرته الموسيقية الرائعة، المصقولة بالتكنيك والدراسة، وموهبته في ملائمة الأنغام بعد إخضاعها (مزاجيا وداخليا) للتعديل المطلوب الذي طهّرها من الشوائب فأتت طبيعية في تلك الحرية التي تمتلكها أنامله التي تتوضح بالانتقال من مفتاح الى آخر على البيانو، فاختفى كل ما من شأنه ان يُفسد التوافق بين صنفي الموسيقى.

أسلوب خاص

يتميز رامي خليفة باللعب في مجال اللحن المنزلق (تمرير الأنامل بسرعة على مفاتيح البيانو) محافظا مع ذلك على صفاء التوافق اللحني، ويستعمل الاهتزازات النغمية باقتصاد كبير او هو يحذفها أحيانا، كما يُقلل من استخدام التلوين اللحني.

الارتجال عند خليفة الشاب غير مجاني او وليد هوى لحظوي، بل هو مشروع جدي، وهذه ميزته الإضافية. فهو يرتجل في العزف غارفا من ذاكرة بعيدة وقريبة، جاهزة لأي تحد محتمل في التوليف، كما ويهتم بصورة خاصة بجعل مستمعيه راغبين في الاشتراك معه في عمله الإبداعي.
لا يبدو رامي خليفة منشغلا جدا باستعمال (مسند القدم) لآلة البيانو في عزفه، حيث نسمعه يبدّل النبرة من خلال انقطاع جزئي او لحظوي (Silence) عن العزف، ليعود بشكل ماهر الى التقاط الوزن بكامله مرة أخرى. وهو الوزن الأكثر تعقيدا أحيانا، من كونه غير مدوَّن ويحتاج الى جرأة وهيام بالعزف. او هو الوزن المعتمد على جملة واحدة وبسيطة، ويروح خليفة يستدعي معها الجُمل الثانوية حتى يستقيم العزف في ارتجاله المتنوع.
هذا جزء من أسلوب رامي خليفة الذي يعزف على طريقة الوقفات الإيقاعية، أي بتقسيم النبرات العادية الى نبرات غير عادية، مشدودة مع ذلك الى الضربة الأساسية فنرى عنده ان الإيقاع السري 4/4، وهو أساسي، مشدود بشكل جيد في خلفية العزف، ويشكل دائما نقطة انطلاق العزف بتعقيدات الإيقاع المزدوج.

أحب ان أرى الفنانين في هيامهم بمادتهم وإبداعهم. رامي خليفة من الذين أحب ان أسمعهم وأراهم في آن. رؤيته منفعلا الى هذا الحد، تُعيد الاعتبار الى الحياة والى الشغف بها، والى الخير والحب والجمال، الأمر الذي يبدو نادرا الآن. جذعه الملتوي على آلته، نقره بالأصابع وبباطن الرجل وبكل خلية في دمه، تجعلك تتشكك انه من غير هذا الزمن. تمكنه على آلة البيانو وقدرته على ريبرتوارات لشوبان وباخ وبيتهوفن ورحمانينوف لم ترضه. بل اندفع خليفة الى تأليف مقطوعاته الخاصة التي سمعناها، في ميلوديات معجونة بالروح الشرقية والإيقاعات الشرقية، ومخفوقة بموسيقات الشعوب وبالأصل الأكاديمي الغربي في حقل مزاوجة مدهش.
السفير- 2005/01/22

****

رامي خليفة في أمسية الأسامبلي هول
إمتحان التجريب القاسي والمستحيل

مي منسى
(لبنان)

رامي خليفةأيكون البيانو، تلك الآلة الموسيقية النادرة بجمال صوتها، مساحة للاختبارات المستحيلة والتجارب الهجينة، من دون ان ينتقض باخ وبيتهون ورايل وغرشوين وشوستاكويتش ولا ننسى خاصة شوپان الذي سبر إسرار البيانو وكتبها آيات للأجيال؟
لو لم أكن من المدمنين المزمنين للموسيقى من شرقها وغربها ومن الزمن الغريغوري والباروك الى المعاصر النغمي واللانغمي، لقلت في نفسي ان رامي خليفة يدوزن آلته وقاعة الاسامبلي هول تغصّ بجيل رامي وتنتظر ان يبدأ كعادته في التحليق الارتجالي على ملامسه، ولا سيما أن ليلة الثلثاء كانت خاصة تجمع بين الأداء وبعده التوقيع على اسطوانته "مشهد من هليك" Scene of Hellek.
ولو كنت مبتدئة في معاشرة آخر ما توصل اليه الابتكار في عالم الصوت الحي والالكتروني والموسيقى المعدنية الجافة، لظننت ان رامي في معالجته بطن البيانو وشحذه من مطارقه الجوانية واحشاؤه اصواتاً هجينة تطرق على السمع، يلملم فرائد ما زالت صماء ليعلنها بعد حين في ما عرفناه منه وبين أنامله متعة للعين والسمع.
خمسون دقيقة والامتحان القاسي يتكرر على مساحة اختصرها رامي في الملامس الخفيفة للبيانو، وأنا انتظر من هذا الذي أدهشني في أدائه كونشرتو من مقام صول لرايل، والكونشرتو الرابع لرخمانينوف، وارتجالاته الفذة فتى معاصرا دخل لب الجاز والروك ولم يقلّد سوى عصبه المبدع، ورافق والده مارسيل خليفة في حفلاته، فأضاف بالبيانو لغة الغرب الى مشرقية الأب، وآنا أنتظر ما يعيد هذا النهر الخارج على مجراه الى مجاريه، وما يردع العازف المنفرد المسحور باختباراته عن هذه الإيقاعات الغدارة المشوشة على الذوق السمعي، ولو انه سعى الى ان يخلق من البيانو أكثر من آلة ليكون خشبة دربكته، ومطارقة إيقاعات معدنية تستهتر بالهارمونيا. وما يشغل الخيال ويجعله يتصور في كل ضربة على الملامس مشهداً يتواصل مع المشهد التالي. ويسهّل في آن واحد بين الفنان وجمهوره. كانا معزولين احدهما عن الآخر فما يربط المبدع بجمهوره هو تلك الأحاسيس المسنونة على حد شفرة، المولّدة في كل عبارة وتعبير ألواناً منسلخة من بطن الآلة في موهبة ومهارة. علماً ان الداخل قلب البيانو والمدوزنون عادة، يعلمون ان هذه الهندسة الدقيقة، المدهشة، هي دعوة الى الموسيقى لا الى ما يخرّب الموسيقى ويلغي أوصالها. كأن تاريخ البيانو في هذا الفجر من القرن الحادي والعشرين يدخل دروباً لم يتصوّرها أحد. فمنذ اختراعه، وكان اسمه "بيانو – فورت" لم يتوقف تطوّره التقني، متفاعلاً مع كل جيل من المؤلفين ومع كل مؤلف كلاسيكي او رومنطيقي او معاصر او ذاكرة حية لهذه الآلة المعجزة، إذ نهلوا من الينابيع واستنطقوا ثقافة الأرض التي هم منها ونسجوا عليها الموسيقى الاختبارية والتجريدية ومن الحدث الصوتي والهندسة الموسيقية. الموسيقى ثقافة لها ماض ومستقبل وهوية، وأجرؤ على القول أني لم أفهم من مشهد رامي خليفة غايته. صفّق الناس ولم أصفق. كنت أنتظر من أسلوبه المتقطع هذا شهادة تفصح عما في مكنونه من ظاهرة صوتية جديدة، وبقيت كمبتدئة وظني بعد خمسين دقيقة ان رامي يدوزن بطن الآلة وملامسها.

النهار" السبت 22 كانون الثاني 2005