(نظر إليّ ياسر عرفات وابتسم" نص واقعي جداً)

عبده وازن
(لبنان)

يوسف بزي يبدو نص يوسف بزي "نظر إليّ ياسر عرفات وابتسم" أقرب الى السيرة الذاتية المقتصرة على سنوات قليلة أكثر من قربها الى "اليوميات" كما يدل العنوان الثاني "يوميات مقاتل". ومع ان الكاتب يتمثل شخصية الراوي سارداً وقائع حصلت فعلاً في تواريخ وأمكنة واقعية، إلا انه يبتعد عن التدوين التوثيقي جاعلاً من نفسه "بطلاً" في رواية يسردها هو وكأنه "آخر". وكان طبيعياً أن تبرز "العين" السينمائية خلال مقاطع كثيرة بدت وكأنها لقطات تصوّرها كاميرا خفية ليست سوى عين الكاتب - الراوي نفسه.

كان في إمكان يوسف بزي أن يجعل من مادة نصه عملاً روائياً، فالمادة غنية ويكفي توظيفها في سياق روائي يتقاطع فيه المتخيل والواقعي، لكنه شاء نصه عملاً سردياً مكشوفاً ومفضوحاً وكأن غايته التخلص من ماضي الحرب و "تصفية الحساب" - كما يقال، مع فترة قاسية ومظلمة من حياته، عاشها "غريزياً" واستطاع خلالها ان ينتقم لنفسه من الحياة نفسها. هذا الراوي الذي صنع من ذاته بطلاً بدأ مسيرته خاسراً أصلاً. فقدان الأب وحلول زوج الأم محله كانا بمثابة الخسارة الكبيرة التي دفعت الفتى الى حمل السلاح، من غير ارتباط سياسي أو ايديولوجي واضح. وكان السلاح حافزاً له على كسر صورة زوج الأم والسيطرة على العائلة. إنها الحالة "البودليرية" بامتياز: زوج الأم يزيح صورة الأب بدلاً من أن يزيحها الابن، ويحل الزوج محله.

أصبح الراوي (الفتى) رجلاً وبات قادراً على قتل الزوج بسهولة. أما الزوج فلم يعد يجرؤ على نعت الفتى (المقاتل) بـ "البغل" كعادته سابقاً. إلا ان الفتى كان يدري انه بدأ حياته "العسكرية" باكراً، في الرابعة عشرة وربما أقل. ولم يكن يضيره أن يعامله رفاقه مثل "ولد صغير" وأن يصفوه بـ "الصغير جداً" وأن يصطحبوه الى المعارك على مضض. ولا يخفي الراوي أصلاً الخوف الكبير الذي يعتريه في ساحة المعركة، خصوصاً عندما يقترب من "الأعداء" على اختلافهم: "نظرت من النافذة ورأيتهم، تيبّستُ والعرق البارد يتصبب من أصابعي وبتّ مشلولاً".
اكتشف الفتى رجولته باكراً، وهو قصد هذا الاكتشاف - لا واعياً ربما - ليقتل، مجازاً، زوج أمه الذي "قتل" بدوره أباه وسرق منه أمه. واكتشاف الرجولة تم عبر اكتشاف البندقية والجنس في آن واحد. غريزة "القتل" ترافقها غريزة "الجنس" في جو يهيمن عليه هاجس الموت. هنا يصبح القتال فعل استرجاع للحياة مثلما يصبح الجنس فعل مواجهة للموت. ولا يخفي الراوي مشاهدته أول مشهد "بورنوغرافي" في سينما "التياترو الكبير" التي اشتهرت خلال الحرب بأفلامها الخلاعية التي كان يقبل عليها المقاتلون بشدة. وبعد هذا المشهد يلجأ الى إحدى المومسات "الرخيصات" مفرغاً فيها شهوته الأولى. ويعترف انه فشل مع مومس ثانية وجدها "مقيتة بروائح فمها وإبطها". ومثلما يستمر "مقاتلاً" في بضع معارك مع العدو الإسرائيلي حين الاجتياح ومع بعض "رفاق" الدرب، يستمر أيضاً في "رجولته" خائضاً مغامراته الجنسية.

لعل ما يميز نص يوسف بزي أيضاً تلك الجرأة التي تعدت الخط الأحمر مستحيلة في أحيان ضرباً "فضائحياً"، والتي يكشف الكاتب من خلالها الوجه الخفي، العبثي والقذر للحرب. ولم ينهه التزامه الحزبي السابق عن المضي في فعل "الفضح" راسماً لنفسه صورة واقعية، شديدة الواقعية، من غير ان يسقط أي تفصيل ولو ضئيلاً. فهو مثلاً لا ينفي عن نفسه صفة "القتل" داخل المعارك طبعاً ولا صفة التشرد والبوهيمية ولا صفة الدعارة والقذارة: "كان اتساخي خرافياً، بهيمياً ولا ماء للإستحمام". لكنه يعترف أيضاً بضعفه أمام ما يذكّره بإنسانيته المفقودة. فعندما قال له أحد المخطوفين: "شكراً يا ابني"، صرخ في وجهه: "لست ابنك" ثم دخل الى غرفة أخرى وبكى. ويعترف أيضاً بالإحساس الشعري الذي كان يتملكه في تلك الفترة وكان يقرأ محمد الماغوط وبدر شاكر السياب.

يسمّي يوسف بزي الأمكنة والمعارك والشخصيات السياسية والحزبية والمقاتلين وكأنه يكتب ما يشبه "التحقيق" الصحافي، غير متهيب مثل هذا "الفعل" الذي لا يخلو من بعض المخاطرة. وغايته "الفضائحية" هذه هي وحدها القادرة على ان تشفيه من "جرح" الحرب التي فرح في الختام انه نجا منها. وفعل النجاة يتكرر مرات كلما خاض الراوي معركة وخرج منها سالماً: "لقد نجوت"، "انتهت المعركة ونجوت"، "لم أصب"... وعندما ينشق الحزب الذي كان ينتمي اليه تقع معركة بين الطرفين ويكتشف أن أخاه حسين كان في مواجهته في الخندق الآخر فينسحب ويطلبه ويذهبان الى البيت. هذه لقطة سينمائية جميلة مثلها مثل اللقطات الأخرى التي يحفل بها النص ومنها: "اللقطة" التي يتحدث فيها عن وقوفه على الحاجز بنظارات "رايبون" الخضراء وبندقية انكليزية، أو "اللقطة" التي يصطنع خلالها اشتباكاً وهمياً مع رفيقه كايد فيطلقان النار على بعضهما وعلى السيارات، أو "اللقطة" التي يقول فيها: "غشاوة غريبة تغمر بصري وها أنا منطلق أرمي الرصاص كمجنون".
التفاصيل كثيرة في هذا النص المكثف، ذي الطموح الروائي والنَفَس "السيروي". ولعله أولاً وأخيراً نص خاص جداً وربما شخصي جداً و "تطهري" جداً. فالكاتب لم يكتبه إلا ليتطهر (في المفهوم الكاتارثيثي الإغريقي) من الحرب وآثامها، من المعارك ووحولها ومن حياة "سفلية" استغرقت بضع سنوات من عمره . وكان لا بد من أن يقطع يوسف بزي نصّه قطعاً مفاجئاً معلناً نجاته من الحرب: "يأتي عمي من أفريقيا، أنا وأخي سنذهب معه للعمل هناك. نجحت في البكالوريا، وصلت الى مطار مونروفيا، خرجت من الحرب. لقد نجوت". انها الخاتمة أو لنقل البداية الأخرى.

الحياة
17/02/06