(عيسى بلاطة في كتابه النقدي "صخر وحفنة من تراب")

عابد إسماعيل
(سوريا)

بدر شاكر السياببلغة هادئة، رصينة، ورؤيا منهجية متماسكة، ينطلق الناقد عيسى بلاطة، الذي يعيش في المهجر الكندي، في قراءته لطيف من الظواهر الجمالية والفكرية كما تتجلى في نصوص مختلفة لشعراء وكتاب عرب، تتوزّع بين الشعر والقصة والراوية والدراسة، في كتابه الجديد "صخر وحفنة من تراب"، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2005). واللافت أن بلاطة يقرأ تلك الظواهر بحساسية مركبّة، تمزج بين النظرة التاريخانية، التي تركّز على النصّ وتفاعلاته الأسلوبية والمعرفية، بصفته انعكاساً لبيئة فكرية واجتماعية وسياسية فريدة، وبين التحليل الأكاديمي، الدقيق، الذي يأبه للهوامش والمتون، ويقرأ العمل الأدبي بصفته وحدةً نصية متناغمة، قوامها جدلية الشكل والمضمون.

يفتتح بلاطة الفصل الأول بمناقشة موضوع الحداثة في الشعر العربي، وفيه يقرر أن الحداثة هي "قبل كل شيء الحرية بجميع صورها" ص (15) من حيث أنها تعني إطلاق المكبوت، والانفتاح على تجارب الثقافات الأخرى، بعيداً من التحجر والانغلاق. وينتقل الباحث إلى دراسة ما يسميه الشخصية القومية في الشعر العربي المعاصر، ويرى في مفهوم الهوية صيرورة متحركة، يجب أن لا يشوبها "تدخل عاطفي" ص (19) يفسدُ نزوعها الإنساني الأعم. ويربط بلاطة بين التوق إلى التحرر وبين نماذج شعرية ونثرية ارتبطت في المخيال الأدبي العربي بالاختلاف والمغايرة، كما في أدب جبران خليل جبران وأمين الريحاني في بدايات القرن المنصرم، وهذه النزعة استمرت في فترة الأربعينات، خلال مرحلة تشكل وعي جديد، عبر عن نفسه، شعرياً، بالتمرد على الأوزان الشعرية التقليدية، كما في النصوص الأولى لجيل الرواد، وخاصة نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وأدونيس. وفي هذا السياق، يرى بلاطة أن المشهد الشعري الحديث ليس سوى حصيلة تفاعل بين التراث والمعاصرة، وإن كان ما يزال ثمة نزوع إلى المحافظة، وإقصاء الجديد، كما تذكّرنا بعض المواقف الرافضة لقصيدة النثر اليوم، ما يعود "بالشعر القهقرى ويؤدي به إلى هاوية التقليد". ص (27) غير أن التمسّك بالهوية، يجب أن لا يلغي التعددية، والمحافظة على التراث، يجب أن لا يقصي الرغبة الدائمة بالتجريب.

وفي فصل عن السياب، يسلّط عيسى بلاطة الضوء على الحياة العاطفية لهذا الشاعر، سارداً تفاصيل شيقة من طفولته الفقيرة، التي شهدت بداية تشكّل ما يسمّيه الناقد المحنة العاطفية، التي تجلت بقوّة في قصيدة "أحبّيني" من ديوان (شناشيل ابنة الجلبي)، التي نظمها الشاعر في عام 1963، وهو في طريق عودته إلى العراق، قادماً من بريطانيا، بعد فشل الأطباء بعلاجه، وفيها السطر الشهير الذي يقول: "أحبيّني/ لأنيّ كلّ من أحببتُ قبلكِ ما أحبّوني". وبرأي بلاطة، تمثل هذه القصيدة وثيقة هامة، تعكس أزمة نفسية، وجدانية، يلخّصها الفشل في الحب، والبحث اليائس عن الارتواء. ويشير بلاطة إلى أن قلب السياب تفتّح على الحب لأول مرة، وهو طالب في ثانوية البصرة للبنين، حين جمعته علاقة عذرية مع فتاة من قريته جيكور. ويستعرض باقة من القصائد الوجدانية، التي تكشف عمق الألم والشعور الدائم بالخيبة، وتجعل المرأة حلماً بعيد المنال، ومثالاً يصعب الاقتراب منه.

ويفرد بلاطة في كتابه فصلاً آخر عن الشاعر توفيق الصايغ، حيث استقى من إحدى قصائده عنوان "صخر وحفنة من تراب"، وفيه يستعرض الناقد طفولة الصايغ، الذي بدأ ينظم الشعر في أواخر الأربعينات، واقعاً فريسةً لهاجس الاغتراب، الذي هيمن على شعره، وخاصّة في علاقته بثالوث الوطن والمرأة والرّوح. ففي شعره الوطني سيطرت نزعة الحنين، وفي شعر الحب طغت نبرة رومانسية حزينة، وفي شعره التأمّلي، ظهرت نزعة عدمية، كئيبة، يصفها بلاطة برغبة البحث عن الخلاص، تجعل الشاعر متأرجحاً بين الشك واليقين، حيث أن "إيمانه العميق هو الذي جعله يتعذّب ويعاني" ص (67)، ويكتشف الخواء الرهيب الذي تركه سقوط الأنساق العليا، خاصة بعد القطيعة المعرفية التي أحدثتها فلسفة نيتشة وهيدغر، والخلل الذي أصاب العالم بعد حربين كونيتين.

وينتقل عيسى بلاطة، في فصل شيق، إلى قراءة الصورة الأدبية في شعر أدونيس وعلاقتها بما يسمّيه "الفكر"، من حيث أن صاحب (أغاني مهيار الدمشقي) لا يكتفي بالحديث عن المرئي، أو سطوح الأشياء، بل "يغوص إلى أغوارها لمعرفة أسرارها" (72)، وبالتالي يدمج بين الجمال البلاغي والبنيان الفلسفي. هذا الديالكتيك بين اللفظي والشّعوري، يجعل قصيدة أدونيس بمثابة كيمياء تعبيرية، تُعنى بالرؤيا والشكل معاً، والبحث المعرفي الدؤوب عن أفق الأنا، بحيث أن الكلمات، كما يعبر بلاطة، تتجاوز "معانيها القاموسية لتصبح وظائف ذات دلالات غير متناهية" ص (79).

وفي أكثر فصول الكتاب طولاً ومتعة، ينتقل بلاطة إلى عقد مقارنة مركّبة بين أدونيس والمتنبي، حيث يكشف عن شغف أدونيس ببلاغة المتنبي وهواجسه الوجودية، فأدونيس لا يخفي إعجابه بشعر المتنبي، وهذا يظهر في المختارات التي أعدّها في "ديوان الشعر العربي المعاصر"، الصادر عام 1986. ويسوق بلاطة قول أدونيس عن المتنبي في معرض تقديم شعره بأنّ "المتنبي يفرزُ نفسَه ويعرضها عالماً فسيحاً من اليقين والثقة والتعالي". ص (89) وهنا يعثر الباحث على قواسم مشتركة، بين الذات الأدونيسية، ورغبتها في تجاوز الفردي وبين ذات المتنبي التوّاقة إلى الخلود في اللغة، كما يشير بيتُهُ الشهير، "وما الدّهرُ إلا من رواة قصائدي/ إذا قلتُ شعراً أصبح الدهرُ منشدا". لكن يمكن أن يختلف القارئ مع الناقد بلاطة في الجمع بين هذين المبدعين، فإذا كان المتنبي قد وجد في ذاته وطناً رحباً شاسعاً، مسلحاً بطمأنينة مستقرة، فإن أدونيس جعل من ذاته اغتراباً دائماً، ينهبها القلق وتتجاذبها التناقضات، بل إن اسمه ذاته يتشظّى، ليصبح حاضناً لدلالات كثيرة، أسطورية وتاريخية ورمزية، كما في ديوانه "هذا هو اسمي"، الصادر عام 1980 مع ذلك، يناقش الناقد بلاطة استحضار أدونيس لشخصية المتنبي في كتابه "الكتاب: أمس المكان الآن"، الصادر عام 1995، الذي يصفه بالعمل الفريد في فكرته وطريقته. ويسترسل الناقد في دراسة بنيوية، ونصية، وفكرية لكتاب "الكتاب"، محاولاً الربط بين لحظتين إبداعيتين فائقتين، تنتميان إلى زمنين متباعدين، تاريخياً، قريبين إبداعياً، ويمثلهما، بالطبع، شاعران كبيران. ويستشهد بلاطة بقول أدونيس، على لسان الراوي في كتابه (الكتاب)، أن ثمة علاقة قوية تربطه برؤيا المتنبي: "للمتنبي ذاكرةُ لهبٍ يتغلغلُ/ في التاريخ، وجرحٌ يتدفقُ في/ جرحٍ/ وأنا قبَسٌ منه". هذا القبس هو اللهب اللغوي الذي حمله أدونيس في قصائده لاحقاً، ولكن من أجل إحداث الاختلاف، وليس التطابق، مع نموذجه الأعلى، المتنبي.

ويختتم بلاطة كتابه بفصلين موجزين، يناقش في الأول كتاب هشام شرابي الصادر في بيروت عام 1978 بعنوان "الجمر والرماد"، وفيه يدرس شرابي الفترة السياسية والفكرية في العقود الخمسة الأخيرة، التي سبقت تاريخ نشر الكتاب، حيث يركز على حدثين مفصليين، الأول نكبة عام 1948 والثاني إعدام المفكر أنطون سعادة عام 1949. وفي الوقوف أمام هذين الحدثين، يعالج شرابي العوامل التي أدت إلى انتكاسة الفكر، وتدهور الواقع العربي، موجهاً النقد الحاد إلى العقل العربي السياسي، وإلى الحزب القومي السوري الذي كان هو أحد أعضائه البارزين ص (120). ويستنج بلاطة بأنّ شرابي استفاد من دراسته للمناهج الفكرية الحديثة، بحكم إقامته وتدريسه في أميركا، مثلما استفاد من درايته العميقة بالتراث العربي، والتصاقه بهموم الثقافة العربية. في الفصل الأخير من الكتاب، يعالج بلاطة ما يسمّيه "إشكالية نقد الراوية"، وفيه يردّ على الناقد بسام فرنجية، أستاذ الأدب العربي في جامعة ييل (Yale) الأمريكية، الذي قدم بدراسة نقدية، باللغة الإنكليزية، لراوية بلاطة الأخيرة، "عائد إلى القدس"، الصادرة في بيروت عام 1998.

إن ما يضفي رشاقة ومتعة على كتاب عيسى بلاطة (من مواليد القدس، عام 1929) هو تنوّع المواضيع التي يناقشها، من شعر وراوية ودراسة فكرية، وهذا يجعل الكتاب إضافة نوعية إلى حقل الدراسة الأدبية، بعد طغيان الدراسات النظرية وهيمنتها. وهذه الدراسة تأتي من ناقد خبر فترات أدبية متلاحقة، وساعده عيشه في المنفى، ولسنوات عديدة، على تعريف القارئ الغربي بالأدب العربي، دراسةً وترجمةً، خاصة أن الناقد بلاطة أصدر كتباً نقدية هامة، باللغة الإنكليزية، كما أنه ترجم أعمالاً عديدة إليها، لأحمد أمين وإميلي نصرالله وجبرا إبراهيم جبرا ومحمد برادة وغادة السمان وغيرهم.

المستقبل
الأحد 19 تشرين الثاني 2006 -