نحمله إلى مثواه وننام معه

("الأعمال الشعرية" لوديع سعادة في مجلّد واحد عن "دار النهضة العربية":)

جهاد الترك

الأعمال الشعريةساحر في ابتكار الحيل هو الشاعر ليوهم نفسه بأنه لا يقل مهارة في اتقان ألعاب "الخفّة" عمّن يمارسون هذه المهنة، وفي ظنهم أنهم يساهمون في تكذيب الحقائق أو نفيها أو العبث بشروطها الموضوعية. هؤلاء يقدّمون عرضاً واحداً في الأمسية الواحدة. يرسمون الدهشة على أوجه المشاهدين. يلقون بهم في هاوية سحيقة من الحيرة والارتباك. يجرّونهم الى حيث يبدو العالم هشاً في مرتكزاته الموضوعية، أو مزيّفاً في ما يوحي إلينا من ثبات في المعتقدات والرؤية والتقاليد الرتيبة. يبدو الشاعر أوسع حيلة من هؤلاء. يستخدم اللغة في تفكيك العالم وإعادة تركيبه على نحو غير مسبوق. يلجأ هؤلاء الى الاستعانة بالأشياء الجامدة. يسعون الى حسن استخدامها. ومع ذلك تبقى هي إياها، أو تسفر، في أحسن الأحوال، عن أشياء جامدة هي الأخرى. ينتهي العرض، وتُسدل الستارة على المسرح، وينفضّ الحضور وفي أذهانهم انطباع ضئيل أو كبير بأن ما رأوه حدث يبعث على الإعجاب. بدوره، لا يقدم الشاعر على إسدال الستارة. لا يتجرأ على إنهاء عروضه حتى لا يتحول شيئاً من الأشياء التي يستخدمها، هو نفسه، لصوغ الوجه المتحرك للعالم الراكد في مستنقع الجماد. ومع ذلك، ثمة ما يجمع بين الطرفين في مشروع واحد: "السحرة" يقدمون ألعاباً ناقصة لا تنطوي أبداً على بديل لهيمنة "الحقائق" الراسخة. قد يجتهدون في زعزعتها قليلاً أو كثيراً. ثم لا يلبثون أن ينهوا مهمتهم على جناح السرعة. تتوقف مهاراتهم عن العمل عند هذا الحدّ. الشاعر يستسلم للريح وهي تقذفه من صورة للعالم الى أخرى. كلما سقطت صورة، صنع أخرى على الفور. والأرجح أن الطرفين يفترقان، الى الأبد، عندما يتلقف الشاعر ألعاب "السحرة" ليمضي بها الى حيث يحيلها ضرباً من الولادة الجديدة لعالم مغرق في الموات. يفعل ذلك باللغة بعد أن يخفّفها من أثقالها المتوارثة بحكم العادة ولعنة التلقين.

هل تنسجم هذه التصورات الأولية مع المناخات المتنوعة لـ"الأعمال الشعرية" لوديع سعادة التي صدرت حديثاً في مجلد واحد عن "دار النهضة العربية" في بيروت. الأرجح لا. ومع ذلك، قد يبدو تناولها، على نحو محدّد، أمراً مفيداً لقراءة هذه الأعمال في الإطار الذي تفترضه بعد انتقالها من حالة النصوص المستقلة بذاتها الى حالة أخرى ذات فضاء شعري مغاير نتيجة لضمّها معاً في وعاء واحد هو مسكنها الجديد. تحملنا هذه المقاربة المحتملة أو المستبعدة على التساؤل عن الأسباب الموجبة التي تجعله عاجزاً عن مقاومة إصدار أعماله في مجلد واحد. وذلك على نقيض الأسباب التي تحول دون أن يستنزف "السحرة" ما في جعبتهم من مهارات في عرض واحد. وإذا كان الأمر كذلك، على نحو من هذه المقارنة الساذجة إذا صحّ التعبير، فإن السحرة قد يظهرون نمطاً من الذكاء أكثر ملاءمة مع مزاج الجمهور الذي يغلب عليه، في العادة، الإحساس السريع بالملل. لا يغيب هذا الانطباع، على الأغلب، عن ذكاء الشاعر، وهو يكشف عن ألاعيبه دفعة واحدة في أعماله الصادرة كتلة متراصة في مجلد واحد. ورغم ذلك، يبدو أكثر ميلاً الى رؤية لحظاته ومتاهاته وانكساراته المتناثرة في نصوص مشرذمة هنا وهناك، وقد التأمت في سياق متواصل. وكأنها ولدت معاً وقد تموت معاً. أو أنه، من ناحية أخرى، تهبّ في داخله رغبة جامحة في الاستمتاع بمشاهدة تجاربه ومغامراته وسقطاته وفورانه، يتنازع أحدها مع الآخر على نحو لا يهدأ طالما أن القدر شاء أن يضع كلاً منها في متناول الآخر.

لا يتكبّد "السحرة" شيئاً من هذا القبيل. ليس لديهم، على الأرجح، ذلك الاستمتاع الدفين بمشاهدة أعمالهم دفعة واحدة. أو مراقبتها على نحو يتآلف أو يتعارض أحدها مع الآخر. ليس هذا الأمر من أولوياتهم على الإطلاق. يهمّهم فقط أن ينجح كل عمل جديد يبتكرونه على نحو يتفوق على نظيره السابق ولو اقتضت هذه المعادلة أن يلغي الأحدث الأقدم والأكثر دهشة الأقل إحداثاً للصدمة المذهلة المطلوبة. قد لا يختلف الشعر كثيراً عن هذا النسق بدليل أن الشاعر غالباً ما ينقلب على نفسه، أو يتمرد عليها الى حدّ العصيان. يعبّر عن هذا "الانحراف" الحاد أو الهادئ بإصراره على استيلاد مجموعة تلو الأخرى. إمّا تنفي إحداها سابقتها، وإمّا تنطلق منها لتعود فتفترق عنها، وإمّا تحاكيها بمفردات أخرى، وهذا إعلان بموت الشاعر وإفلاس الشعر. لا تزال المقارنة ممكنة، في هذا الإطار الضيّق، بين الشاعر و"الساحر". قد يقع الإثنان في مطبّ الاستنفاد، وقد يتمكنان من القفز الى الضفة الأخرى حيث لا تبدو النجاة طوقاً دائماً للأمان.

تداعيات مع وقف التنفيذ

هل ثمة تداعيات ناتجة عن إصدار "الأعمال الشعرية" دفعة واحدة؟ ولماذا يتهافت الشاعر، على نقيض السحرة، على عرض مهاراته وحيله معاً على مسرح واحد وفي وقت واحد أيضاً. الأغلب أن ثمة ما يوحي، بشكل تلقائي، أن هناك محاولة قسرية لاقتطاع كل من المجموعات التي يتكوّن منها المجلد المذكور من جذورها في الزمان والمكان المحددين، وإعادة زرعها في مكان وزمان آخرين لا ينسجمان معها. غنيّ عن القول أن لكل من هذه المجموعات دفقها الخاص بها، ولحظتها التي ولدت فيها، وفضاءها الذي لا ينطبق بالضرورة على المناخ الشعري الذي يخيّم على غيرها. وكأن في الأمر ولادة متعسرة، أو متأخرة على الأرجح من شأنها أن تهب الحياة لجنين ليس هذا أوانه. أو كأن في هذه الأعمال ما يبعث على الاعتقاد بأن النصوص والمجموعات الشعرية التي أبصرت النور، وهي في حالة من الفرقة الكاملة، قد أُجبرت، في غفلة من زمن، على أن تلتقي جميعاً في الوقت الضائع. وهي، في طبيعتها، لا تتمنى هذا اللقاء، ولا تسعى إليه، ولا تعترف به. كما أنها لا تقرّه أبداً.

ومع ذلك، تشاء أقدار وديع سعادة، من حيث تختبئ في البعيد، أن تجتمع مجموعاته الشعرية في مجلّد واحد هي "الأعمال". ليس في اليد حيلة، على الأغلب. سعادة يستمتع بهذه اللحظة بصمت من دون أن يتنازل عن متابعة حلمه في تعاقب المتاهة التي ما أن يخرج منها حتى يدخل إليها من بواباتها الواسعة. هذا هو قدر الشاعر الكبير الذي يمضي بلا هوادة هارباً من ظله، أو متعقباً إياه في كل الاتجاهات. لا ضير أبداً في أن يكون لسعادة أعماله الشعرية. وهذا حقّ مكتسب له قد يكون أكثر رسوخاً لديه من شعراء آخرين كثر، جاءت أعمالهم الشعرية الكاملة، إذا جاز التعبير، تتويجاً شكلياً لانسحاب طوعي من حلبة الشعر الى مقاعد المتفرجين.

لا ينطبق هذا التتويج الشكلي على وديع سعادة. ولا تندرج أعماله الشعرية في ما آل إليه كثيرون غيره من الاستمتاع بمشاهدة الأعمال الكاملة عوضاً عن الاستمرار في الكشف عن مشاهدات لا تتحقق بسهولة الرؤية بل ينبغي الذهاب إليها في رحلة طويلة من التيه الإلزامي. هنا يقوم سعادة بانعطافة حادة مبتعداً كثيراً عن "الساحر" الذي يمارس ألعابه بخفة الوهم وتأثير الإيحاء ليقنع المشاهدين بأن العبث بقوانين الطبيعة هو ضرب من التسلية فقط. سعادة يستخدم الوهم ضرباً من سلطة الشعر للإيحاء بأن ما يعتبر حقائق راسخة هو الوهم بعينه الذي يحتاج بدوره الى وهم أكثر فاعلية ليتغيّر وجه العالم. "الأعمال الشعرية" لوديع سعادة تنتهي حيث لم تبدأ بعد. والأرجح أنها لن يقيّض لها أن تسفر عن خاتمة بعينها. إنها تنطوي في هذا السياق المتحرك، على مشروع يتأرجح بين البداية والبداية، بين التساؤل والتساؤل، بين الهاوية والهاوية، وبين الموت والموت. لا نقع على نصّ واحد في هذه "الأعمال" ينطلق من فكرة محددة لينتهي بفكرة محددة أخرى. ولو كان الأمر كذلك لانضمت هذه الأعمال الى كنف مثيلاتها تعاني من الضجر وسوء أحوال اللغة وتخلّفها عن التقاط النبض الحي الكامن فيها.

لا بداية ولا نهاية

تستوقفنا هذه "الأعمال" وكأنها عمل واحد لم يكتمل بعد. والأرجح كأنها نصّ واحد يكاد يقترب من أول الطريق، ثم يتوجّس شراً منه فيختار طريقاً ثانياً، فثالثاً فرابعاً وهكذا دواليك. لا يأتي سعادة نصه من طريق محدّد، أو متوقع، أو يمكن التكهن به. ثمة عود على بدء دائماً في "الأعمال". كما أن ثمة غياباً لنهاية محددة أو خاتمة مستساغة، على الأقل. لا بداية ولا نهاية في هذا السياق المفعم بالبحث الدؤوب عن أول الطريق وخاتمته. قد يعزى السبب في ذلك الى انجذاب الشاعر الى المتاهة المدهشة التي تقع في منزلة بين المنزلتين. بين البداية والنهاية، في منتصف الطريق بين أوّله وآخره. حتى ولو خُيّل إلينا أن سعادة قد تلمس بداية ما لطريق ما فإنه سرعان ما يوحي إلينا بأن هذا ضرب من الوهم اللذيذ الذي لا يتلفظ به الشعر علانية بل يهمس به همساً. ثمة انسجام ملحوظ بين سعادة وشعره بمعنى أنه لا يستدرجه الى حيث لا يطيق. ولا يجبره على حمل ما لا يتحمل. ولا يقوده الى حيث لا ينبغي أن تطأ قدماه.

يدرك سعادة، على الأغلب، خطورة "التداعيات" الناتجة عن إصدار الأعمال الشعرية في مجلد واحد أو أكثر. يصعب أن تغيب عن ذهنه هذه الحقيقة. كما يتعذر عليه أن ينسى هذه المسألة أو يتناساها بحجة أن للنشر اغراءاته التي تسبق الى مخاطبة العاطفة على حساب العقل البارد. ليس هذا من قبيل الاسقاط أو استنطاق الشاعر بما لم يقله هو نفسه. الأعمال تفي بهذا الغرض نيابة عنه. فهي الناطق الرسمي باسمه، والسفير الأوحد الذي تسلم أوراق اعتماده من دون تردد. يكتب سعادة قائلاً في نص بعنوان "كان هناك":

صعد عالياً على نسيان
وحين مرّ طيف قديم
انزلق على ذكرى وعاد الى الهاوية

تكمن أهمية هذا النص في أنه يندرج في الصفحات القليلة الأخيرة من المجلد، وهو مقتبس بطبيعة الحال من آخر نصوص سعادة التي نشرت على صفحات الانترنت. وليس في هذا ما يشير الى أن هذه المجموعة هي الأخيرة له. فثمة نصوص جديدة، على الأرجح، لم يطلق الشاعر سراحها بعد. يستخدم سعادة هذه الأسطر القليلة التي يكاد يختتم بها كتابه الضخم ليفاجئنا عن عمد بأنه يعود لينزلق الى الهاوية. وكأنه لم يبدأ بعد ليبلغ في نهاية المطاف مأربه من الشعر. الهاوية، في هذا السياق، هي العودة، على الأغلب، الى النقطة التي تسبق البداية التي لا أثر لها في النص، خصوصاً وأن انحداره الى هذه الهوة جاء نتيجة لتسلقه مرتفعاً هو النسيان في حد ذاته. إنه الغياب في عالم المتاهة وقد أطلق عليه الشاعر اسماً ملطفاً هو النسيان. يسقط الشاعر منزلقاً من الغياب الى الهاوية. من الهاوية الى الهاوية. من الغياب الى الغياب حيث لا بداية ولا نهاية. يرجع القهقرى الى حيث لم يكن في بادئ الأمر. ينتهي المجلد بصفحاته الـ450 بالسقوط في الهاوية وهي جنة من الجحيم الذي يطلق غرائز الشاعر وهو يحفر عميقاً في المجهول ليصل الى المجهول، ومن ثم الى بعد أكثر عمقاً في ما وراء المجهول. وكأن بالشاعر يطعن بأعماله الشعرية كاملة وهو يردها الى زمن البدايات الأولى التي لم تتكون بعد، كما يتقدم بها الى زمن النهايات الأولى التي لن تتكون على الاطلاق. إنه ذلك الطعن الذي يحدث هزة قوية في سائر نصوص الأعمال الشعرية فيزلزلها في مرتكزاتها التي لم يتردد الشاعر لحظة في نسفها من جذورها حتى قبل أن يبني أعمدتها.

الصورة لا الفكرة

غريب أمر سعادة الذي يصدر أعماله الشعرية، ثم يسعى الى تفكيكها بدل أن يبتهج بها. وكأنه، في حقيقة الأمر، لم يصدرها. أو كأنه ينتقم منها حتى لا تنضم الى عالم الأشياء الجامدة. يسرع الى تفجيرها من الداخل ليخلخل بنياتها، ليبث فيها روحاً نقية لكن مدمرة فيكسبها بذلك قدرة ذاتية على إعادة التكون وهي لم تخرج من رحمها الذاتي بعد. هنا يحقق الشاعر فوزه الساحق على "الساحر" تاركاً إياه يجتر نفسه في ألاعيبه التي اصطدمت بالحائط المسدود.

لا يبدو أن سعادة يطارد الأفكار في "أعماله" بقدر ما يسعى الى التوغل عميقاً وبعيداً في دلالاتها المتحركة على مستوى الصورة الشعرية. لا أفكار جاهزة في المجلد على الاطلاق، بل صور متوترة سريعة الانتقال من مكان الى آخر، من زمان الى آخر، من مكان الى زمان وبالعكس. والأرجح أنها تنقلب على الزمان والمكان باعتبارهما دلالتين على بداية ما في مكان وزمان محددين. يكتب في نص بعنوان "ليس للمساء أخوة" مفتتحاً به المجلد:

هذه المياه تفتح أقنية الليل في الجسد
هذه المياه وهذه المراكب تقود عمياناً
نسوا أنفسهم على أرصفة الضوء
ونسو أن يرفعوا شبكة العمر.
ثم يكتب في نهاية المجلد نصاً بعنوان "سعل ومضى":
سعل ومضى وجرى سعاله وراءه
حاملاً تاريخاً من الدخان
تاريخاً من هواء كان يختاره هو لحياته.

في النص الأول، المياه التي تمتلئ بها ذاكرة الشاعر هي تلك التي تنساب الى داخل الجسد، وليس خارجه، لم تعد الماء تنبع من حيث ما اعتدنا رؤيتها وهي تفعل ذلك. للماء وظيفة أخرى هي أن تتخلى عن مادتها الأولية التي صنعت منها لتصبح شيئاً آخر أكثر انسجاماً مع طبيعة الجسد وحاجاته وهو يتحرك في دائرة المشهد الشعري. في النص الثاني، يسعل شخص ما، هو الشاعر على الأرجح، ويمضي ليجر وراءه سعاله. يتحول سعاله ظلاً لسعاله. يخرج من السعال ظله، كما يخرج من هذا الشخص ظله. الظل يتبع ظله. الصورة الشعرية تتحول بأكملها غابة من الظلال تحمل تاريخاً من الدخان يتحول بدوره ظلاً للهواء، أو الهواء ظلاً له، يختاره هذا الشخص المجهول لحياته التي أضحت هي الأخرى ظلاً في هذا السياق الرمادي. بين النص الأول الذي كتب في العام 1968 والثاني في العام 2006 لا يزال سعادة يشق طريقه بعيداً في متاهة البحث عن الصورة وهي تنسحب من ذاتها الى ظلها الى غيابها التدريجي لتستحوذ على تألقها في عالم الصمت الأكبر. في النص الأول، يستعد الجسد للانتقال الى متاهة الغياب، الى ظله المتشظي في سكينة الليل. في النص الثاني، يمضي صاحب السعال، من دون أن يلتفت الى الوراء، الى ظله حاملاً معه ظلالاً أخرى. ومع ذلك لا يبدو أن سعادة يطمئن الى ما وصل إليه. فغالباً ما يكون التعرّف الى الظل مأزقاً جديداً، لكن ضرورياً، يحمل الشاعر على الاقلاع، ثانية وثالثة، الى متاهة أخرى بحثاً عن ظل للظل، وعن هاوية في قلب الهاوية، وعن دخان يخرج من دخان، وحياة تسرع الخطى الى حياة أخرى.

متاهة في المتاهة

بين هذين النصين اللذين يُفتتح بهما المجلد وينتهي، في الشكل على الأقل، لا يغادر الشاعر متاهته أبداً. هناك في تلك الأقاصي الشاسعة يتحوّل المكان والزمان والأشياء والذاكرة المنكفئة على نفسها، أصنافاً مرهقة من الكائنات الزائلة أو المتكونة أو المتأرجحة بين الموت المحقق والولادة المستجدة. في هذا التيه الطويل، يخوض سعادة مغامرته الكبرى بحثاً ن الصورة المتشكلة على إيقاع البدايات الأولى التي يستدرجها الشاعر الى النص بالغريزة. يكتب في نص بعنوان "صحراء":

صحراء شاسعة
ليس فيها أحياء ولا أموات
وعليّ أن أتابع الحفر حتى يأتي ميت
وفي نص آخر بعنوان "الغباريون":

إننا نكمل حياة غبار الأرض. هذا الذي يجب أن يكمل حياته أحد، وها نحن نفعل، لا نكمل حياة الأرض بل حياة غبارنا. لا نكمل حياة بل موتاً. جئنا لنرافق الغبار في هبوبه الأخير، نحمله الى مثواه، وننام معه.
صحراء شاسعة هي المتاهة التي خرج إليها الشاعر ولم يعد. يحفر في رمالها بحثاً عن ميت واحد على الأقل هو ظله، على الأرجح، أو شبحه في عالم السكينة. ومع ذلك، هل تكتمل متاهته ليصبح بمقدوره الخروج منها. الأرجح لا. فقدر الانسان، كما في النص الثاني، أن يصطحب غبار الأرض في هبوبه الأخير الى مثواه لنرقد معه. المتاهة لا تنتهي بالاستلقاء الى جانب الغبار. فلا بد بعد النوم من استيقاظ على وقع صحوة قد تكون أكثر صعوبة وإرهاقاً. الموت هو ظل الحياة في النص الثاني. لا تستكمل الحياة إلا بالموت، بظل الموت الذي لا يعود فناء أو عدماً، بل غياب ينطوي على حضور.

الحياة في موت اللغة

كيف يتوسل سعادة طريقه الى الغياب وظله، الى ظل الظل حيث تنفتح المتاهة على مصراعيها؟ باللغة وحدها، على الأرجح، باعتبارها أداة للانقلاب على العالم، ومن ثم الانقلاب عليه من جديد. لا تبدو هذه الاجابة كافية للدلالة على ماهية المشروع الشعري لسعادة، وهو الذي لم يبادر، مرة واحدة. الى تحديد معالمه، ولن يقع في هذا المطب، ولن يقدم على طعن نفسه غدراً بالظهر. اللغة هي وسيلته الى التعبير عن التيه وإعادة تشكيله ليحدث اختراقاً في جدار اللغة عينها، ولكن بعد أن يقتلها ويتأكد من مصرعها. يقول في نص بعنوان "إنها الكلمات الأخيرة وها أنا أهجرها":

الكتابة غياب الحياة... أرش على هذا الثوب الذي أرتديه سماً للكلمات وأركض مجنوناً باحثاً عن الحياة. تسميم الكلمات هو الطريق القويم. موت الكلمات هو كلمة الحياة الأولى... الغياب عدم والموت عدم، لا يمكن استحضارهما. نصير غياباً، نصير موتاً، في رحلة هذا الوهم، الكتابة مرادف للموت.

تموت الكلمات لتنهض الحياة من تحت الرماد. شرط الحياة، في هذا النص، هو قتلها أولاً باللغة وفي اللغة. شرط الغياب هو العدم مقروناً بالوهم عندما تستعيد الأشياء جميعاً بريقها الأول وتبقى كذلك تحن إلى حالتها الأولى قبل أن تصبح على ما هي عليه. الموت والحياة والوهم وقتل اللغة جزء لا يتجزأ من حالة واحدة متكاملة تحدث فوراً وليس بالتدريج. كل من عناصر هذه المعادلة يفضي الى الآخر، وصولاً الى تحقق الموت بالكتابة. ومع ذلك فالموت، بالمعنى المقصود، ليس زوالاً قطعياً، لا شيء من هذا القبيل ولا أفكار جاهزة في هذا السياق، الموت، في هذا النص، هو ظل الأشياء، في رحلة التيه، هو النور الخافت المنبعث من المجهول. نراه من بعيد ولا نصل إليه، ولو خُيّل إلينا أننا بلغناه، فسنكتشف أنه ليس سوى ظل لظل آخر. الظل في "الأعمال الشعرية" هو نفي للبدء والمنتهى، هو تفكيك لوجه العالم المألوف. هو الصوت القادم من ظل المتاهة، هو ظل الظلال في هدوء الصمت وعتمة السكينة المطبقة. كم يبدو الشاعر أوسع حيلة من "الساحر". كما يحتاج "الساحر" الى أدوات الشاعر. "الساحر" وألاعيبه من المتاع الساقط للشاعر.

المستقبل
الاثنين 2 حزيران 2008