هذا المشروع الشعري الفريد

( "رمية نرد" لستيفان مالارمي في أول إصدار كامل بالعربية لمحمد بنّيس)

جهاد الترك
(لبنان)

استعادة للحظات الحيّة التي استولدت هذا المشروع الشعري الفريدرحلة صاخبة الى داخل جغرافيا القلق، يتجرأ عليها الشاعر المغربي محمد بنّيس وفي جعبته توق الى ارتعاشة الكشف عن اللغة وهي تخلع عنها حجبها لتصبح من نسيج الرؤيا. الوجهة هي: محاولة الاقتراب من الأجواء الذاتية العميقة التي حملت الشاعر الفرنسي الكبير، ستيفان مالارمي، على صوغ قصيدته الفذّة "رمية نرد أبداً لن تبطل الزهر". مهمة مزدوجة يأخذها بنّيس على عاتقه. أولاها بعنوان "صلة وصل مع قصيدة"، يستجمع فيها، على نحو من تبيان أدق التفاصيل التي واجهها، أو اعترضت طريقه، أو كادت أن تضلّله، اللحظات الحية التي سبقت كتابة القصيدة وأعقبتها. الثانية هي تعريب هذا النص الشعري الذي وضعه مالارمي قبل وفاته بقليل في العام 1898. الكتابان "صلة وصل"، والترجمة العربية للقصيدة صادران عن "دار توبقال للنشر" في المغرب، في أيلول ـ سبتمبر من العام 2007 بنسخ محدودة جداً. كل منهما مستقلّ عن الآخر. ومع ذلك، فهما أشبه بتوأمين متلازمين على الدوام، على الأقل في طبعتهما العربية. فالنص المعرّب هو الإصدار الأول للقصيدة بلغة الضاد تتوزع على صفحاته الأسطر وفقاً لرغبة مالارمي في توظيفه مساحة البياض بما ينسجم مع نظرته الخاصة الى الدمج بين فضاء الشعر وفضاء الصفحة. يستخدم مالارمي هذين الفضاءين مكاناً يتوحّد فيه الإثنان لإيصال الدفق الشعري الى تجلياته البعيدة. أما الكتاب الثاني "صلة وصل"، فقد أراده بنّيس، على الأرجح، مقدمة موضوعية، قدر المستطاع، يسترشد بها قرّاء العربية، المسارات الذهنية والاستعداد النفسي وشيئاً كثيراً من نبض المخاض الذي حدا بمالارمي الى استنباط قصيدته المذكورة.

* * *

على هذا الأساس، يبدو أن بنّيس قد بذل جهوداً استثنائية ليجعل من مقدمته "صلة وصل" جزءاً لا يتجزأ، على الأغلب، من الكيفية التقنية التي ينبغي أن تُقرأ القصيدة من خلالها. لا مبالغة في هذا التصوّر، بل محاولة حقيقية لقراءة هذا الجهد في أبعاده الأكاديمية والبحثية الصرف على نحو من توثيق المراحل والمحطات والمراجع والأشخاص والكتابات التي تطرّقت الى مسام هذه القصيدة وجسدها والهواجس التي رافقتها. يتشبّع بنّيس بهذه الحيثيات والمعطيات. يتعقبها في مصادرها المنتشرة نتفاً مبعثرة في بلدان أوروبية عدة، من بينها العاصمة الفرنسية باريس. يسترسل في مطاردتها، إذا جاز التعبير، هنا وهناك وهنالك. وبعد ذلك يفنّدها استفساراً واستقصاء لتلمّس طبيعتها، وفك رموزها، والكشف عن أسرارها. والأهم من هذا كله، استعادتها الى الذاكرة على إيقاع ما نُمي إلينا من معلومات قليلة ذكرها مالارمي نفسه أو دوّنها آخرون عن الحالات التي ألمت به وهو يخرج "مشروعه" الشعري هذا من حيّز التأمل الى الكينونة الفعلية. يستهلك بنّيس، في هذا الارتحال المضني الى عقل مالارمي، "جُرعات" بلا حساب من الوقت والتوتر والحاجة الدائمة الى اليقظة واستدراج المشاهد ولحظات المعاناة وثقل التجربة وهول الرؤيا التي تلبّست مالارمي وهو يلملم شتات قصيدته من الفضاء الكوني الأوسع لرؤيته الشعرية. يسلك بنّيس، في هذه المتاهة، درباً من الوعورة التي لا تستولد إلاّ وعورة أكثر قسوة ودهاء وتصحّراً. فبدل أن ينطلق من القصيدة أولاً ثم يعمد بعد ذلك الى البحث عن خلفياتها ومكوّناتها والعناصر الرئيسية الكامنة فيها، اختار بنّيس مسلكاً أصعب وأكثر إثارة للحيرة والالتباس. نراه ينطلق في الزمن مما قبل القصيدة وصولاً الى لحظة ولادتها التي يغلب عليها أنها أبصرت النور دفعة واحدة. من الوراء الى الأمام. من التاريخ القريب والبعيد الذي سبق المخاض الى بريق المشاهدة المتشكلة باللغة.

مغامرة بين مسلكين

الدرب الأولى أكثر سهولة واستئناساً لأنها منفتحة على التأويل الذي توحي به، في العادة، النصوص الشعرية. كما أنها أكثر استجابة لرحابة المخيّلة القادرة على القفز فوق الحدود والمعوقات والعراقيل. الثانية أكثر صعوبة واستنزافاً للأعصاب لأنها تفترض بالضرورة وضع اليد على الكم الأكبر من التفاصيل التي قد تمهّد لقراءة النص الشعري قبل أن يفيض به صاحبه. بنّيس يستقرّ على الطريق الثانية رغم المشاق التي تكبّدها ومرارة الإحساس بأن في هذه الرحلة ما يبعث على الاصطدام بالحواجز المستحيلة، أو الانهزام أمام جبروت الوقائع المفقودة. ومع ذلك، يمضي مسلماً أمره الى أقداره مستبشراً بأن تسعفه أقدار القصيدة فلا يرتدّ عنها خائباً. مغامرة يلقي نفسه في جحيمها متذرعاً باحتمال أن يلتقي مالارمي في منتصف الطريق أو في نهايته أو قبل ذلك بمسافة قصيرة. يروي بنّيس في "صلة وصل" أن ترجمته "رمية نرد" الى العربية حلم راوده منذ زمن طويل. غير أنه كلما همّ بذلك انصرف عن هذه الفكرة لاستهابته التداعيات التي قد ينطوي عليها الاقتراب من عالم مالارمي. لم يشأ بنّيس أن يدخل الى عقل مالارمي تسللاً أو من دون استئذان. ارتأى أن يفعل ذلك بالولوج من البوابة الرئيسية وفي ظنّه أنه قد يصل أو قد لا يصل على الإطلاق. والأرجح أن هذه البوابة الرئيسية لم يكن الاهتداء إليها أمراً ميسوراً إلا من خلال البحث عن مالارمي في ما رُوي عنه أو ما ذكره هو شخصياً عن بعض ملامح مشروعه الشعري المتمثل في قصيدة "رمية نرد". وهذا ما أحسن بنّيس في التوصل إليه ومن ثم استخدامه على الوجه الأمثل.

فضاءات البياض

من بين المحطات التي ألزم بنّيس نفسه بالتوقف عندها طويلاً والمكوث في أرجائها حتى بعد انتهائه من وضع ترجمته للقصيدة بشكلها الأولي، بعض المسودات الطباعية التي ذيّلها مالارمي بخط يده. يأتي في طليعتها النسخة التي كانت في حوزة شاعر فرنسي كبير آخر هو بول فاليري الذي جايل مالارمي. ومن المؤكد أن الشاعرين قد انهمكا معاً في مناقشة الشكل الذي كان مالارمي يتوق الى اعتماده في النص المطبوع، خصوصاً في ما يتعلق بتوزيع الأسطر في الصفحة الواحدة. ومن المعلوم كذلك أن مالارمي بدا ميالاً الى إخراج القصيدة بقياس يراوح بين 38 سنتمتراً لطول الصفحة المطبوعة و28 سنتمتراً لعرضها. لم يشذ بنّيس عن هذين المقياسين في الإصدار الذي تضمّن نصّه العرب لقصيدة "رمية نرد". والأرجح أن السير على خطى ملارميه، وهو المنهج الذي توسّله بنّيس بعد أن اتخذ قراره الحاسم في إزالة ما تبقى من عوائق تحول دون اقترابه من وهج القصيدة وصمتها، كان يفترض التشبث الدقيق بالخارطة التي رسمها الشاعر بنفسه للمزاوجة بين مضمون القصيدة وظلالها على الورق الأبيض. بدت هذه الأخيرة إحدى الركائز التي يتعذّر على النص الشعري أن ينهض من دونها. لم تعد الصفحة المطبوعة ذات هوية منفصلة عن الأسطر المنتشرة على سطحها الأبيض. استدرجها الشعر الى ملعبه، ثم جعلها تستسلم له، وبعد ذلك أدخلها الى متاهة الرؤيا لتتحوّل، في نهاية المطاف جزءاً حقيقياً وحيوياً وجوهرياً كذلك من الفضاء الشعري. فالمساحات البيضاء التي صمّمها مالارمي بنفسه في الصفحة الواحدة، سرعان ما نكتشف لدى قراءتنا القصيدة في نصّها المعرّب أنها لا تعود بيضاء على الإطلاق، وإن تراءت إلينا في الشكل كذلك. والأرجح أن مالارمي أدرك جيداً كيفية الإفادة القصوى من السكينة المطلقة التي يوحي بها اللون الأبيض ليبثّ فيه كتلاً محدّدة من صوت الصمت، أو الإيقاع، أو الكلام المتواري عن الأنظار كالظلّ الذي يرقبنا من بعيد، فإذا بنا لا نجد له أثراً. ومع ذلك فإنه حاضر بالغياب. سرّه في أن يكون مختبئاً أو مختفياً وهو قاب قوسين منا أو أدنى. قد نعثر في الصفحة الواحدة على سطر أو اثنين، أو كلمات لا تزيد على أصابع اليد الواحدة. أو أننا قد نفاجأ بأن بعضاً من هذه الكلمات أو الأسطر ذات أحجام مختلفة عن نظيراتها في الصفحة عينها أو في تلك التي تسبقها أو تعقبها. وقد نفاجأ أيضاً أن البياض مترامي الأطراف في إحدى الصفحات، على سبيل المثال، يتلاشى حجمه قليلاً أو كثيراً في صفحة أو صفحات أخرى. وقد نرى كذلك أن البياض يزداد كثافة ومساحة في صفحة أخرى نتيجة لرغبة الشاعر في وجوب اعتماد اللون الأسود القاتم لتمييز بعض الكلمات عن بعضها الآخر. إنها من الألعاب "الجهنمية" إذا جاز القول لم يسبقه أحد على توظيفها بهذا الشكل الاستثنائي. ومع ذلك، يفتتح مالارمي هذه المتاهة الشكلية على نحو غير مسبوق لينتقل بها من الشكل في هيئته الخارجية الى المضمون في تجلياته الداخلية العميقة. حسناً فعل بنّيس وهو يعتمد في الطبعة العربية للقصيدة هذه "الخارطة" التي أرادها مالارمي لنصّه الشعري. ولو فعل غير ذلك، لأحدث اختراقاً سلبياً في بنية مالارمي الشعرية على نحو لا تعود القصيدة هي نفسها التي وضعها صاحبها. ولكان أيضاً تسبب في توجيه لطمة قوية الى المشروع برمته باعتباره ضرباً متقدماً من الإعجاز الشعري على مستوى الرؤيا وتوحدها مع دلالات البياض وفضاءاته وتوغله داخل الحدائق الخلفية للكتابة الشعرية.

قضايا ثلاث

قي هذا السياق الذي لا ينطبق على شاعر غير ملارمي، يجتهد بنّيس في إثارة ثلاث قضايا، على وجه التحديد أسفرت عن مقاربة أفضل للقصيدة بغية التمكن من التقاط رموزها الأساسية. وهو إذ يفعل ذلك، فإنه يمهّد الطريق بأدوات موضوعية، على الأرجح، ليضفي على النّص المعرّب ما أمكن من الملامح التي تتميز بها الهوية الشعرية لهذه القصيدة. أولاها وأكثرها أهمية، على الأغلب، الانخطاف التلقائي الذي دأب مالارمي على الانصياع له من دون تردد نتيجة للتأثير الساحق الذي كان يمارسه الشاعر الأميركي الكبير، ادغادر ألن بو، عليه. بدا أن ما يجذب مالارمي الى زميله الأميركي أمر يتجاوز، في حقيقة الأمر، الاعجاب بموهبته الشعرية الى اعتباره إحدى القامات المتفردة بقدرتها على جعل الشعر بديلاً موضوعياً للعالم المغلق على نفسه. زاده اقتناعاً بذلك أن هذا الأميركي القابع في أقصى الكرة الأرضية كان يستهجن نظرية الإلهام في الكتابة الشعرية بذريعة أن الإبداع لا يهبط من أعلى الى أسفل من دون سابق أنذار. ولا ينبغي للشاعر أن يتوقع شيئاً من هذا القبيل، حتى ولو حدث ذلك بالفعل. لا يؤتى الشعر على هذا النحو من الترقب "المجاني" لشحنات من الصور المتدفقة على ايقاع الاحساس الغريزي بمعنى الأشياء. أسوة بادغار آلن بو كان ملارمي أميل الى الاعتقاد بأن على الشاعر أن يتسلق المسافة من أسفل الى أعلى من خلال التخطيط المسبق للقصيدة في أدق تفاصيلها قبل الإقدام على امتلاكها بلعبة الكتابة. صحيح أن الشاعرين الفرنسيين، فرلين وبودلير سبقا مالارمي الى وضع هذه النظرية موضع التطبيق العملي في الكتابة الشعرية، غير أن مالارمي ارتقى بها الى مصاف أعلى. إذ أدخل عليها ضرباً من التحوّل الجذري، إذا جاز التعبير، فنقلها من حالة الحفر في تربة اللغة الى الغوص في فضاء الرؤية الشعرية وصولاً الى ما يسمى بالشعر الخالص لدى رواد هذه المدرسة التي تعرف بالرمزية. بهذا يمكن القول، وفقاً لمصطلحات هذه "المدرسة" التي تحيل الرموز قوة ايحائية نابضة بالحياة، إن مالارمي قلب المعادلة رأساً على عقب على نحو يتعارض تماماً مع توجهات المدرسة الرومنسية التي تتخذ من الإلهام مصدراً أوحد للقبض على الحالة الشعرية.

القضية الثانية التي استهدفها بنّيس معوّلاً عليها وهو يقطع المسافات شوطاً تلو الآخر للاقتراب من فهم أعمق لقصيدة "رمية نرد"، يستقيها مباشرة من كتاب "الواثق" للمستشرق البريطاني، بيكفورد، الذي تناول بأسلوب ساحر، دلالات البيئة المشرقية في زمن الخلافة العباسية.

الواثق هو ابن الخليفة المعتصم وحفيد هارون الرشيد. كان شاعراً يجزل العطاء للشعراء الذين زخر بهم عصره. تولى سدة الخلافة في العقد الثالث من القرن الثالث للهجرة، وعرف عنه ولعه بعلم التنجيم الذي ورثه عن والدته اليونانية. من ناحيته، بدا المستشرق بيكفورد أكثر انجذاباً الى إعادة تشكيل حياة هذا الخليفة بناء على معطيات كانت تلقى صدى عميقاً في نفوس المستعربين الأوروبيين. من بينها تلك الغرائبية المحببة التي اعتقد هؤلاء للوهلة الأولى، أنها كانت تكتنف حياة الناس في المشرق العربي. يقارب بيكفورد شخصية الواثق انطلاقاً من كونه ابناً باراً لهذه الحضارة الملأى بأسرار الأسطورة، وذلك الانسجام العفوي بين الإنسان وتناغمه مع الكون. بدا مالارمي شغوفاً بهذا الكتاب نتيجة لأجوائه السحرية الغامضة التي زودته بمكتسبات وأبعاد شعرية عن الاحتمالات المتعددة لانكشاف الإنسان على بعده الكوني بمنأى عن حالات الاختناق التي راحت تداهم المجتمعات الغربية لأسباب تتعلق تحديداً بالتحولات الثقافية في أوروبا. والأرجح أن افتتان ملارمي بهذا الكتاب بدا من الأسباب الجوهرية التي مكنته من أن يحقّق خطوة أخرى الى الأمام لإنجاز مشروعه الشعري الكبير المتمثل في قصيدة "رمية نرد".

القضية الثالثة هي: انبهار مالارمي بالمضمون الغرائبي لكتاب "ألف ليلة وليلة" الذي راح، في تلك الأثناء، ينتشر في الثقافة الأوروبية كالنار في الهشيم. أسوة بتأثره المباشر بكتاب "الواثق" عثر مالارمي في "ألف ليلة وليلة" على ضالة أخرى كان يفتقر إليها، على الأرجح، ليستكمل بها مشروع القصيدة. نلحظ، في هذا السياق، الذي اشبعه بنّيس ما يستحق من اهتمام ودراية، تلك الشفافية التي حدت بملارمي الى التآلف المدهش مع سائر الثقافات غير الأوروبية التي كان بمقدورها أن تطرح بديلاً للإنسان الهش المتآكل السائر الى حتفه بصمت الهزيمة وانغلاقه الفج أمام البعد الكوني للإنسان المعاصر. دغدغ كتاب "ألف ليلة وليلة" مخيلة مالارمي. أشعل فيها ذلك التوجه الذي راح يحجم عن نظرية استلهام الشعر الى التخطيط المسبق له قبل الصعود إليه والقبض عليه. يجتهد بنّيس في توظيف هذه القضية على نحو بات يقربه من الخوض في تجربة تعريب قصيدة "رمية نرد".
اختار بنّيس أن يسلك، وهو يرتحل الى العقل الشعري لمالارمي، الطريق الأصعب الملأى بالأفخاخ والمفاجآت المحبطة واحتمالات السقوط في هاوية الفشل الذريع منذ الخطوة الأولى التي دشن بها منهجه الصارم. ومع ذلك، فقد نجح، على الأغلب، في تلافي معظم العراقيل التي بدت، للوهلة الأولى، أنها تقفل في وجهه كل المنافذ.

غالباً ما كان يلجأ بنّيس، كما يورد في الكتاب، الى زميلين له هما: ايزابيلا كيكاييني وبرنار نويل وهما من مريدي مالارمي وأشد المعجبين بقامته الشعرية الفارهة. غير أنهما، في الوقت عينه، من كبار المتخصصين بالثورة الشعرية التي أطلقها مالارمي في فضاء الكتابة الأوروبية. وقد أورد بنّيس اسميهما على غلاف كتابه "صلة وصل" نظراً الى مساهماتهما الجادة في إنجاز ترجمة القصيدة الى العربية. يتناول بنّيس، بتفاصيل دقيقة وصادقة أهمية المعونة الأكاديمية القيمة التي تلقاها من زميليه على صعد متعددة.

حافة اللغة

هل تمكّن بنّيس من تحقيق ما كان يمني به نفسه من اقتراب استثنائي من قصيدة "رمية نرد" التي أحدثت اختراقاً عميقاً ولا يزال في الشعر الفرنسي، بالتحديد، والعالمي بشكل عام. الأرجح نعم، على صعيدين اثنين، على الأقل.

أولهما وأكثرهما أهمية المقدمة التي وضعها عن "رمية نرد" وأظهر فيها المعالم البارزة التي لا غنى أبداً عن الإلمام بها لأي قارئ أو شاعر بالعربية معني بفك رموز وأسرار هذه القصيدة.

ثانياً: لاستخدام الأمثل لما جاء في "المقدمة" "صلة وصل" لإنجاز اختراق أفضل للبنية اللغوية المعقدة لهذه القصيدة التي وصفها مالارمي نفسه بأنه أودع فيها مشروعه الشعري الكبير. ولا غرابة أنه أوصى زوجته بأن تحرق المسودات التي كان أعدّها لكتابة هذه القصيدة بعد وفاته. يعلّق بنّيس على هذه المسألة بالقول، إن "رمية نرد" لم تكتب وفقاً لقصيدة النثر أو الشعر الحر. ومع ذلك، فقد استحالت بين يديه مشروعاً حداثوياً بكل معنى الكلمة، تجاوز فيها مالارمي الأنماط والنظريات الصارمة في كتابة الشعر. من جهته، اجتهد بنّيس، على نحو متألق وهو يعرّب هذه القصيدة، في أن يحاور القارئ، على نحو صامت، في المواضع والمواقف التي اقتضت محاولات مستعصية لكن مرهفة للتسلل الى داخل البنية اللغوية التي اعتمدها مالارمي في القصيدة. ومع ذلك، يحقق بنّيس نجاحاً آخر لا يقل أهمية يتمثل في مسألة أخرى قد تبدو محفوفة بمخاطر الترجة وانزلاقاتها المضللة.
هي: أن الإخلال في فكفكة رموز مالارمي اللغوية، من شأنه أن يرتد تهشيماً للرؤية الشعرية الكامنة في متاهة البنية اللغوية.

بدا بنّيس حذراً جداً وهو يتخطى هاتين العقبتين القاتلتين إذا صح التعبير. وصل مالارمي الى حافة اللغة، كما يزعم هو شخصياً، لينطلق بعد ذلك الى رحاب لغة أخرى، الى لغة اللغة، الى معنى المعنى، الى ظلّ الظلّ. أصبحت اللغة لديه مشروعاً حقيقياً يخترعه الإنسان بديلاً من عالم يمارس فعل التهلكة بدماء باردة.

المستقبل
الثلاثاء 24 حزيران 2008