عناق الحبر والملح على مأدبة المحبّة

ماريا الهاشم

مرئي مكتوبينبش زاهي وهبي في "مرئي مكتوب!"، الصادر حديثاً عن "الدار العربية للعلوم ناشرون"، و"منشورات الاختلاف"، في ذكريات مقالات له نُشرت في "الحياة"، و"السفير"، و"زهرة الخليج"، ليضعها بين دفّتي كتابه هذا، الذي يعبر من ضفّة المرئي إلى ضفّة المكتوب. إذ يقبض على لقاءات تلفزيونية سابقة في برنامجي "خلّيك بالبيت"، و"ستّ الحبايب"، ليزجّ بما وقع من تلك الحوارات في شباك نفسه، في ذاكرة كتاب لا تَنسى، لا كشاشة التلفزيون التي "يصفها البعض بأنها بلا ذاكرة". ينتقي من ضيوف شاشته، أشخاصاً حلّوا على قلبه بجدارة، و"تعلّم منهم الكثير، وأخذ زاداً ومعيناً لا ينضب، ومنه إلى الحبّ، الخفر والتواضع". يحمل قلمه ويمشي إلى حيث يستطيع التعبير بالقلب قبل القلم عمّا يكنّه لهؤلاء الضيوف، فيكون حصاد الحبّ وفيراً. ويأتي بوح قلمه صادقاً، لأن هذا الحبر من ذاك الحبّ. لا يخفي أن حبر قلمه مستمدّ من حبر قلبه، فيعاجل إلى وضع النصوص في نصابها الصحيح: "الحبّ كمحرّض على الحبر والكتابة"، و"بالحبّ كُتبت هذه النصوص". سعي وهبي إلى نشر "ثقافة" الحبّ على صفحاته، نابع من اقتناعه بأن "العالم ينقصه حبّ". حبّ يقلّص المسافة بين الكاتب والمكتوب عنهم، بين الذات والآخر، حتى الاتحاد، بحيث "يغدو الآخر مكوّناً، لا فكاك عنه، من مكوّنات الذات، وتصير الذات مصفاة الرؤية إلى الآخر". فـ"هل من آخر بلا مرور عبر الذات، أو من ذات بلا عبور الآخر فيها؟".

يخوض زاهي وهبي معركته الكتابية مدجَّجاً بسلاحين: الحبر والملح. يكتب بـ"حبر الكتابة"، وبـ"ملح المودّة". ينثر على كلماته ملح الحبّ، فيتعانق الحبّ والحبر على الصفحات، إذ "ثمّة حبر له طعم الخبز المملّح بالمودّة والأخوّة"، كما يقول. يراود وهبي النثر بالشعر، فيكون شاعراً حتى في نثره. إذ إن أنامله الشعرية حاضرة دائماً لتأخذ بيد النصوص إلى برّ الشعر.
مقالات الكتاب تتمرّد على الحدود الزمانية فلا تنقضي بانقضائها، لأنها تستعين بالحبّ على الزمن. لا يترك الكاتب تحت مقالاته زمناً أو تاريخاً يدلاّن عليها. كأنه ينتزع منها زمنها، كي تنجو من مرور الزمن عليها، ومن عدّه العكسي والمعاكس لها. وإن كان يذكر مناسبة بعضها، فيمكن القارئ أن يقتفي أثر المناسبة للوصول إلى الزمن الحقيقي أو التقريبي لما كُتب.
تتشعّب مروحة مقالات "مرئي مكتوب!"، من الأدب، والغناء، والموسيقى، والتمثيل، والمسرح، والتلفزيون، والإخراج، والصحافة، والإعلام، إلى النضال والمناضلين. كما ينصرف قلم الكاتب إلى ناس "عاديين"، من الحياة اليومية، صادفهم فتركوا في نفسه أثراً غير عادي. في كل مجال من هذه المجالات، أعلام لبنانيون وعرب، سطوا على تقدير وهبي لهم، فكتب عنهم، ولهم. يُفرد لسعيد عقل الذي يكلّله "بياض صنين"، وتتفجّر في قلبه "طفولة ينبوع"، قسطاً من حبّه، وإن اختلف معه في الرأي. فـ"أجمل المحبّة وأنبلها يكون في الاختلاف"، يقول وهبي، ويضيف: "سهلٌ حبّ الأشباه والنظراء. صعبٌ حبّ من لا نتّفق معهم في الرأي ووجهات النظر". اختلافه السياسي معه لا يفسد للودّ قضية، ولا يحول دون اعترافه بشاعرية عقل. أما محمد الماغوط، فهو "ذاك الواضح الشفّاف، الجارح من فرط رقّته وحدّته، اللامع كالنصل، المتوهّج كأمسية صيف، والمعبّر عن أوجاع الناس وهموم الفقراء والمتعبين، وكأن الفن عنده هو الصوت الحقيقي، وربّما الوحيد، لآمال الناس وآلامهم". من جهة أخرى، مرّ الطيّب صالح في حياة زاهي وهبي مرور "الطيف الرقيق الشفّاف والمؤثّر"، و"الرقّة تحفر عميقاً كما القسوة، وربّما أكثر". أما منصور الرحباني، فـ"لم يترك الكثير لنقوله عنه"، لأنه "قال كل شيء تقريباً". من هنا، يشعر الكاتب بأن رمال الكلام تُفلت لا محالة من بين أصابعه، إذ "تضيق به اللغة كلما همّ بالكتابة عنه". وعليه، مهما صالت اللغة وجالت، "تظلّ ناقصة وقاصرة".

لأدونيس يقول زاهي وهبي: "لا تعتذر عما فعلت"، بعد الضجّة التي أثارتها استضافته في "خلّيك بالبيت"، حين سأله وهبي عن أحبّ ثلاثة شعراء إلى نفسه، فأجاب: "عباس بيضون، قاسم حداد، وعبد المنعم رمضان". فـ"قامت القيامة على أدونيس، وزعل من زعل من الشعراء، وغضب من غضب... وصار أدونيس عرضة للملامة والإدانة والشعور بالذنب إلى حدّ التفكير في الاعتذار عما لم يفعله". يختم وهبي مقاله: "أحبّ من تشاء وكما تشاء". بعد مرور عشر سنين على رحيل نزار قباني، يرى الكاتب أنه "لا يزال حاضراً كما لا يحضر شاعر سواه. ولا يزال اسمه في دفاتر البنات وكراريس العذارى مرشداً شعرياً للحبّ والأحبّة". فـ"الشاعر الحقيقي لا يصير أبداً ماضياً أو سابقاً أو مخلوعاً أو بائداً، بل يظلّ حاضراً وغداً جميلاً". عن بول شاوول، يقول وهبي: "أجمل ما في الشاعر صدقه... يتميّز بصراحته في كل شيء، صراحة شفيفة، جارحة أحياناً، لكنها صادقة". إلى أن يقول في معرض حديثه عن علوية صبح و"أنوثة المكان": "أزعم الآن أن شارع الحمرا الذي ربطناه طويلاً بأسماء مبدعين كثر، كان ناقصاً لولا علوية صبح"، التي تكتب "لا بالحبر، بل بعصارة القلب وعصب البدن".
أمام فجيعة الشعر بغياب محمود درويش، يسأل الكاتب: "أكان ينبغي أن يموت محمود درويش لنرى وجه أمّه للمرّة الأولى، لنسمع صوتها المتهدّج، لنتعرّف إلى تلك التي عشق عمره خجلاً من دمعها، وتمنّى أن يصير خيطاً يلوح في ذيل ثوبها". ومارسيل خليفة الذي اقترنت موسيقاه بشعر درويش، تعدّت علاقته بالشاعر الشقّ المهني إلى وشائج أعمق وأبعد، "كأن كل واحد منهما تتمّة الآخر، كأن محمود قصيدة مارسيل، وكأن مارسيل أغنية محمود".

أما يوسف شاهين، فكان "الأستاذ" الذي ظلّ "تلميذاً" في "مدرسة الحياة". ورفيق علي أحمد عند الكاتب "ممثّل شعبي لا شعبوي، ثوري لا ثوروي، يمثّل لنا ولا يمثّل علينا، يضحكنا ولا يضحك علينا، يبكينا ويبكي معنا، يشهد لنا ويشهد علينا".

يعرّج الكاتب أيضاً على لقائه بـ"الجميلة دائماً"، جميلة بوحيرد، عندما زارت لبنان. هي "مناضلة لا تشبه سواها، وسيّدة تفيض سحراً وأنوثة وهي تتجاوز السبعين محمّلة ذاكرةً ملأى بالحكايات والدروس. وأجمل ما فيها خفرها وتواضعها ونأيها عن ادّعاء البطولة على رغم كونها أكثر من يستحقّ هذه الصفة". كما ييمّم شطر قلمه بعد قلبه، نحو أمّ أنور ياسين، وسمير القنطار، وفرنسوا الحاج، وغيرهم.

"ما الكتابة إن لم تكن نابعة من الشخصي جدّاً والحميم جدّاً؟"، يسأل وهبي حين يروي دخوله غرفة الولادة إلى جانب زوجته، ويشجّع الرجال على فعل "فعلته". ولادة ابنه، دالي، في غرفة المستشفى، "لا تشبه الغرفة الترابية" حيث أبصر الكاتب النور. مع ولادة ابنه، شعر بأنه "يولد من جديد"، وبأنه "الوالد والمولود في آن واحد". يقول: "أستعيد طفولة لم أعشها يوماً، فأشاركه طفولته لأعيش الطفولة الكامنة في أعماقي"، وكأن طفولة الطفل أطلقت طفولة الوالد، فعاد أدراجه إلى الوراء طفلاً يبحث عن الطفولة التي فاتته، ويلتحق بها، ولو متأخّراً.

النهار
9 يناير 2010