محمود قرني

إبراهيم داود القاهرة - “القدس العربي”
يعد الشاعر إبراهيم داود واحدا من أبرز شعراء جيل الثمانينيات، وهو واحد من ممثلي حلقة شعرية يمكن وصفها ايديولوجيا بأنها “منتمية” بالمعنيين العضوي والجمالي.

وربما يصدق هذا الوصف على عدد من شعراء حقبة الثمانينيات المتقدمين، أقصد من ذاع صيتهم مبكرا، وبالتحديد في النصف الثاني من حقبة الثمانينيات، وهي الحقبة التي ورثت ركاما شعريا وسياسيا يراوح دائما بين الموقف الرؤيوي المتعسف جماليا، والموقف الثوري الذي يعتقد بأنه ليس صنيع الثورة بل هو صانعها بامتياز.

تغيرت الصورة مع هذا الجيل على حد بعيد، وصعد العنصر الجمالي الى أعلى السطح، معلنا انحيازا واضحا لجوهر الشعر، دون أن يكون ذلك لصالح الإفراط في المجانية، إلى جانب الوعي بالدور الذي يلعبه مفهوم جديد للقطيعة مع الماضي، والمحاولات الشعرية الست للشاعر إبراهيم داود، التي صدرت في كتاب واحد، عن دار فكرة بالقاهرة، تؤكد الكثير من هذا المعنى.

وربما كان اختيار العنوان يمثل جزءا من شخصية الشاعر إبراهيم داود، وقناعاته ووعيه بوظيفة الشعر، على ضوء انحيازاته.
فمن جانب يبدو التواضع الغامر هو الملح الأول للتسمية، وكذلك يتبدى غياب الثقة المطلقة بالوظيفة الشعرية، ومنح المستقبل فرصة لطرح قناعات أخرى للشاعر ولغيره من الشعراء، الى جانب ذلك فإن العنوان يعكس وعي الشاعر بأن منجزه ليس نهائيا، وربما كان ذلك سببا في تنضيده لبعض القصائد بالحذف والإضافة، قبل أن تصدر دواوينه الستة في كتاب واحد.

يعد إبراهيم داود أول شاعر في جيله “الثمانينيات” يصدر أعماله كاملة في كتاب واحد، وربما كان في الوقت نفسه أكثر شعراء جيله شيوعا، ويبدو حجم الإجماع على تجربته واسعا بسبب طبيعتها الهشة والإنسانية، التي تناهض التركيب والتعقيد، وتؤمن بدرجة كبيرة بقسوة الواقع، ومن ثم رومانسيته.

بدأ داود تجربته الشعرية منذ حوالي ربع قرن وبالتحديد في النصف الأول من حقبة الثمانينيات حيث كان لا يزال طالبا في كلية التجارة، عندما بدأ نشر قصائده الأولى، التي تضمن بعضها ديوانه الأول “تفاصيل”، وكان الاسم نفسه يفسر قناعات داود بأن الشعر سرور انساني، وتفاصيل حميمة لا تحتاج الى شحذ الأسلحة، واستلال القواميس لكي نستقبلها، بل تحتاج منا الى أن نكون اكثر بساطة وأكثر صدقا، وكان الشاعر تحت تأثير هذه القناعات يبدو اقرب الى النموذج الشعري الذي يحتفي بالهشاشة لدى صلاح عبدالصبور وسعدي يوسف، وريتسوس وكفافي ومن سار على نهجهم، وليس غريبا أن تتشكل علاقة خاصة بين سعدي وإبراهيم على المستويين الشعري والإنساني.

وقد ظل داود مرتبطا بالتفعيلة الخليلية وأجوائها في ديوانين، الأول “تفاصيل” والثاني “مطر خفيف في الخارج”، وظلت التجربة تتميز بالكثير من الغنائية، والرومانسية والهشاشة اللغوية المتعمدة التي تقصي الكثير مما تعارفت عليه الشعرية السبعينية السابقة على الشاعر.
ومع بداية التسعينيات انتقل داود كلية لكتابة قصيدة النثر فأنجز في إطارها دواوينه الأربعة التالية للديوانين المشار إليهما وهي: “الشتاء القادم، لا أحد هنا، انفجارات إضافية، وأخيرا حالة مشي” الذي صدر عن دار ميريت عام 2006.

ورغم أن عقد التسعينيات شهد لغطا وارتباكا في المشهد الشعري المصري كله بسبب الإزاحة الواسعة التي أحدثتها قصيدة النثر، فإن جيل الثمانينيات كان الأكثر حراكا، والأكثر ارتباطا في الوقت نفسه، حيث عمد ما سمي بشعراء التسعينيات في هذا الوقت، بدفع من بعض شعراء السبعينيات، إلى التشكيك في النص الثمانيني وفي قدرته على الاستجابة للمعطيات الجديدة بزعم أنه بدأ تفعيليا، ومن ثم فإنه سيواجه صعوبة بالغة في التعاطي مع الأشكال الشعرية النثرية المستحدثة.

وقد تناسى هؤلاء الكثير من الحقائق التاريخية القريبة بل لجأوا أحيانا إلى تزييفها بشكل عمدي، هذا إذا عرفنا أن شعراء جيل الثمانينيات هم من بدأوا الظاهرة إجمالا بداية من فاطمة قنديل وإيمان مرسال وإبراهيم داود وفتحي عبدالله، وعلي منصور بالإضافة لبعض الأسماء التي لم يظهر انتاجها إلا مع بداية التسعينيات مثل الراحل أسامة الدناصوري والشاعر علاء خالد، وغيرهم، وقد قدمت مجلة “الكتابة الأخرى” الظاهرة بشكل ينطوي على الكثير من الشفافية والموضوعية ثم جاءت مجلة “الجراد” التي تبنت الظاهرة التسعينية بعد ذلك بحوالي أربع سنوات، وهذه حقائق تاريخية لا ينبغي إهمالها، وستظل دالة في تناول هذه الحقبة.

أقول إن الظاهرة الجديدة التي بدأها شعراء ما سمي بجيل الثمانينيات، والتي كتب لها الاستمرار، على نفقة غيرها من الظواهر، كانت مربكة وملتبسة بما حوته من تناقضات وصراعات، ومع ذلك كان إبراهيم داود أقل شعراء المرحلة شعورا بتلك الأزمة، لعدد من الأسباب، أولها: عدم انشغاله بالنظر الى الشعراء باعتباره تراكما معرفيا، ومن ثم لم تكن الوظيفة الشعرية إحدى انشغالاته، وثانيها: أن نص إبراهيم داود كان الأقرب روحيا الى الشعرية الجديدة والأكثر تماسا معها، لأنه كان استجابة مسبقة لعدد من المعايير التي ميزت قصيدة النثر مثل ارتكانها على النموذج الشعري الذي يقلل من شأن البلاغة في انتاج النص، وانحراف التركيب الشعري والتزاحم الصوري الى تفاصيل وسردية ترتبطان اكثر بمفهوم الراهنية، لذلك لم تكن الفوارق شاسعة في انتقالة إبراهيم داود من نموذجه التفعيلي الى نموذجه النثري.

وثالث هذه الاسباب ان النص الثمانيني في عمومه لم يُعلِ من شأن الموقف الايديولوجي على نفقة الشعري، وعبر الانتماء السياسي عن نفسه بعيدا عن المنظور الثوري الضيق الذي ارتبط بفصائل اليسار عموما، وانتقل الولاء الشعري الى الموقف الانساني بعامة في صورة الانسان المسحوق والمقهور في مواجهة أنظمة اجتماعية وسياسية قاسية، لذلك كان اقتراب نص هذه الحقبة وما تلاه من الرومانسية أمرا حتميا.

وإذا ما نظرنا الى تجربة الشاعر إبراهيم داود، في هذا السياق سنجدها تمثيلا دقيقا لحقبة تغير شبه كامل وقطيعة ناعمة مع العديد مما كان يعتقد كثيرون أنه مرجعية تقترب الى المرجعيات الفقهية بما أشاعته عن نفسها من قداسة وجيتوية وكهانة.
فلغة داود اللينة تمتح من المعيش والراهني وتستمد طاقاتها الانفعالية مما يسكنها من هواجس انسانية والتقاطات نثرية حية تكتظ في معظم الأحيان بغنائية شديدة الحضور، يقول الشاعر في قصيدة بعنوان “قميص ملون قديم”:
“ألف المكان بعد خمسة أيام، ودق المسامير خلف الباب، وعلق ثيابه كلها، وجلس عاريا يتأملها، وقال بصوت متهدج: ما جدوى قمصاننا الملونة في أيام كهذه؟

“من ديوان الشتاء القادم ص175”
والقصيدة في جوهرها تتناول فهما شديد التبسيط للاغتراب في المكان الضيق، وإسارة الجدرانية المحدودة، التي تواجه عادة حداثة المدنية ولغطها وقسوتها، لكنها - على نهج داود- تظل تتآكل بإنسانها، حتى يفقد القميص ألوانه فينسى مواعيده وفراشته والبط الذي يسكن ذاكرته.

والقصيدة من أهم القصائد الدالة على الوعي الشعري الذي يشكل تجربة الشاعر، من حيث كونها شذرة من شذرات العنف الذي تمارسه الحضارة الحديثة، لكنها لا تمتد بعنفها الى الخطاب المعرفي، بل تظل بالنسبة للشاعر جرحا إنسانيا يغترب ويهرب الى الداخل حيث يحتمي بعوالم محدودة وحميمة تمثل السياج الأوفر أمنا وحضورا.

يقول بذات لغته اللينة في نهاية القصيدة:
“فقد القميص ألوانه، وكادت تدهمني سيارة وكان من الصعب، “تعرفين ما أعني؟”، وضحك المشاة كثيرا، وابتسمت لهم محييا، وأنا أنفض وجهي، وألملم فراشاتي، وأحدد لها موعدا آخر، في المكان نفسه، ربما، بعد سنين”.

هكذا تفقد لغة إبراهيم داود الكثير من القشابة التاريخية، وهو موقف معلن من الإرث الذي ارتبط باللغة كجوهر يكتفي بذاته، حيث تنفتح طاقة اللغة الى وعي آخر يستمد طاقته المجازية من المشهد الشعري المكتمل، في سياق التطور التاريخي للأداء اللغوي الذي اعتد في البداية بالجملة “القرآن نموذجا” والنثر الذي نشأ على هامشه، ثم البيت، ونموذجه المدونة الكلاسيكية، ثم المشهد الشعري الذي ارتبط بالوعي السردي الذي كرسته ما بعد الحداثة، حيث تحول التاريخ الإنساني كله الى سردية كبرى.

ليست اللغة وحدها هي التي تأخذ طريقا فريدة لدى إبراهيم داود، بل تبدو الشعرية في الأعمال الستة لإبراهيم طاقة متوهجة على حروب الذاكرة، فالتداعيات التي تحملها تلك الذاكرة تبدو عصية على النسيان، لذلك يبدو حضورها ضاغطا ومؤلما، وسوف يتبدى ذلك في قصائد لا متناهية داخل هذا الكتاب، لكن تظل قصيدة “67” من ديوان الشتاء القادم، بين تلك الأعمال اللافتة، من واقع سجلها الدامي، الذي يتبدى من لحظة التفجع الحميم على رحيل الأب بينما كان الشاعر في السادسة من عمره وبالتحديد في العام الذي يحمل عنوان القصيدة.

نعم كان داود في السادسة من عمره عندما رحل الأب، لكن شعرية الرثاء هنا تبدو واعية لتلك المغامرة التي يستوجبها مشروع شاعر مختلف ومتشوف، حتى لو بدأت بالبكاء على الأطلال، يقول الشاعر في مطلع القصيدة:

“أبي كان أطول مني بنصف متر على الأقل، جاهدت كثيرا كي أطوله، وحددت بالطباشير على الباب صعودي، “أعلم أنني كنت أخدع نفسي، عندما كنت أشب، لتجد الطباشير مكانا في الفراغ”.

يتذكر الشاعر بعد ذلك أول أيامه في المدرسة عندما ذهب به الأب ووقف يتبادل السجائر مع المدرسين، يتذكر الشاعر المشهد في السادسة، والسبورة التي تضمنت البسملة في أعلاها، ووقوفه امام الحائط وأمامه سواد السبورة، والمعجزات التي كان يحلم بها تأتي من بعيد، والظلام في الليالي الطويلة خارج البيت وحفيف الشجر، وأصوات المزارعين، ثم علاقته بحبيبته، وبيوت مصر القديمة، والحروب ثم تأتي مفارقة القصيدة، أو لحظة اشتعالها عندما يقول: “ابي مات، وأنا أطول منه، دخلت حروبا كثيرة، لم أخسر واحدة، فلماذا تطاردني حرب، لم أكن طرفا فيها، ندما كنت في السادسة؟”.

وربما كانت قصيدة “الأغراض الشعرية”- هكذا عنوانها - من ديوان “لا أحد هنا” تمثيلا دقيقا على تحولات الوعي الشعري لدى إبراهيم داود، بل لدى حقبة شعرية كاملة، فالقصيدة تحمل عددا من العناوين الجانبية المألوفة في شعريتنا العربية هي: الوقوف على الأطلال، الحماسة، الفخر، الوحدة، الهجاء، الرثاء، والغزل.

لكن الأغراض نفسها تتمتع بحرية أكبر من واقعها في المدونة الشعرية العربية، وإن احتفظ المعنى الشعري بالدلالة الأولى للمفردة الوصفية، ففي الغزل مثلا تفقد المرأة أوصافها الميتافيزيقية أحيانا وشديدة الرومانتيكية أحيانا أخرى لتتحول إلى حياة متعينة وكيان يمكن لمسه والحديث إليه، كذلك الأمر ينطبق على ما تبقى من الأغراض الشعرية.

كذلك يتبدى التحول في الوعي الأيديولوجي الذي أشرنا إليه، حيث يغادر الشاعر موقعه كمناضل من أجل منظومة من القيم الرفيعة، الى شاعر ينافح القيم ذاتها، وقد استطاعت قصيدة النثر ان تكون ناجزة في موقفها الجمالي من كل تلك القضايا، حيث أخفض شاعرها من شأن المحلي لصالح الانساني، أو ما يمكن تسميته بتدويل رموزه الحضارية والثقافية، لتتحول مفردات شديدة الإبهام مثل مفردة الحرب، الى معنى له ما للقسوة من رعب باعتبارها فعلا مناهضا للحياة، وتبدو قصيدة “الأيام التي تسبق الحرب” نموذجا دالا لدى الشاعر إبراهيم داود، الذي يقدم صورة أقرب للوعي الشعبي، تكتظ بها ساعات المحنة، حيث: “يحس المسؤولون بالذنب، فيشيدون مساجد جديدة. في منطقة مزدحمة بالمساجد ويعاملون الشعب برقة طاغية” هكذا يتحول مسؤولوا الحرب والطغاة، الذين يعاودون شرب النبيذ مع المناضلين القدامى، ويبحثون عن شعراء يصلحون للمرحلة، ويكتشفون أنهم أخطأوا في حق الشعب، وينهي الشاعر قصيدته بمشهد دال في قوله:
“يحس الفلاحون بالرتابة وهم يزرعون القمح وهم يحرسون القمح وهم ينظرون الى دورهم في المساء، بعد أن اكتشفوا المشهد الذي تكرر خمسين مرة، في الأيام التي تسبق الحرب، حزينا وصامتا”.

إن تجربة إبراهيم داود التي تستحق وقفات أطول، وأكثر عمقا واحدة من اكثر التجارب الثمانينية استصفاء وإخلاصا لمشروعها، ولما تحمله من هواجس تحتفي بالبسطاء، وبمخيال الأهل والرفقاء، والأعداء الصغار، والأوطان التي يتحدث اليها الشاعر بين أربعة جدران.
إن الشاعر عبر هذه التجربة قادر على تحديد احتياجاته من اللغة، ومن المعرفة، وهما جناحا العمل الإبداعي، بما يملكان من تراكم تاريخي مبهر ومخيف في الوقت نفسه.

بقي القول ان داود ظل أقرب الى الروحية العامة بين قارئي الشعر القليلين في ايامنا، ليس لأنه شاعر مجيد وموهوب فحسب، بل لأنه يشعر بالكثير من الحاجة الى ما يعرفه، ولم يستغرقه تغريب النص، ولم تأسره أحلام الآخرين، لذلك فهو ينتمي الى عنصرين يعضد كلاهما حضور قصيدة النثر العربية، الأول: المعرفة الدقيقة بالمكان وتجلياته الروحية، ومن ثم ناسه وأهله بالمعنيين: الواسع والضيق، والثاني: المعرفة الفطرية التي لا تحتشد ولا تتمترس خلف الكثير من التركيب، والتعقيد، لذلك فإن تجربة إبراهيم داود، هي الأقرب في النثرية العربية الى تجربة محمد الماغوط، ليس من واقع وأرضية التأثير والتأثر، ولكن من واقع الفرادة، والإدراك الفطري لاحتياجات متلقي هذا الفن الذي فقد الكثير من محبيه، بكل أسف.

القدس العربي
26 مايو 2009


أقرأ أيضاً: