إبراهيم اليوسف
الشارقة

“يتيمة كأنني/ أحدث الليل/ عن شوقي/ ووحشتي/
فلا أرى إلا/ خيالك في الظلال/ ولا أرى إلا ضياءك/
في الظلام/ وحين أسمع/وقع خطوك/ في خفق قلبي/
أقول عاد/ . . . . . . . . . . . ./ فيصدمني الغياب”
حمدة خميس "إس إم إس"

تعد مجموعة الشاعرة حمدة خميس “إس إم إس”، التاسعة بين سلسلة مجموعاتها، بعد “اعتذار للطفولة” ،1978 و”الترانيم” ،1985 و”مسارات” ،1993 و”أضداد” ،1994 و”عزلة المكان” ،1999 و”مس من الماء” ،2000 و”غبطة الهوى” و”عناقيد الفتنة” اللتين صدرتا في كتاب واحد، وهي من الإنجازات الأكثر بروزاً في تجربة الشاعرة، لتمثل تبلور رؤيتها، تجاه قصيدة الومضة، أو الفلاش، أو اللوحة، أو السوناتا، أو البرقية، والتي باتت بعد انتشار وسائل الاتصال الحديثة، ورسائل “الموبايل” تسمى بقصيدة ال”إس إم إس”، حيث تشكّل اختماراً لتجربة الشاعرة نفسها، مع النصوص المضغوطة التي كتبتها من قبل، ويجد القارئ أن الشاعرة، افتتحت مجموعتها الجديدة هذه بنص، هو في التالي -مفتاح- المجموعة، ليمثل الرسالة النصية، تماماً، تقول:

احتفاء
بكل الذين أحببت
وأحب
كل الذين عبروا
زارعين حديقة
في الذاكرة
وجمرة في الشعر

وبعد هذا المفتاح السريع، تأتي مقدمتها التي دونتها بعنوان “اقتراب” لتتحدث، وبصراحة عن سبب إقدامها على كتابة هذه النصوص، وتحت هذا العنوان تقول: “أتاحت تقنية الاتصالات المذهلة،عبر الهاتف الجوال “الموبايل” فرصة نادرة للمتراسلين لم تتحها الوسائل القديمة المتمثلة في الرسائل الخطية التي كانت تستغرق زمناً في الوصول، كما تستغرقه في الرد، فسرعة الكتابة وسهولة تقنيتها وسرعة الرد جعلت من التواصل بين البشر عبر الرسائل، لحظة خاطفة حميمة، آنية وتلقائية، ومختزلة، وهذه السرعة منحت المتراسلين، من دون إحساس بالترقب، أو المراقبة” .

وتعتبر هذه المقدمة النثرية، وبحق، مفتاحاً ثانياً، جد مهم، لفهم رؤية الشاعرة، تجاه شكل النص الذي استقرت عليه، بعد تبلور رؤيتها، على نحو واضح، حيث كان نصها التجريبي متوزعاً بين النثر والتفعيلة، وهي تحاول الإمساك جاهدة بجمر الحداثة هنا وهناك، متراوحة من حيث طول الشريط اللغوي،بل إن هناك مسألة مهمة، لابد من الإشارة إليها، هي أن الشكل الجديد، ليس معلقاً في الفضاء، وإنما يتفاعل مع المضمون، عبر طريقة التعامل مع المفردة، والصورة، تقول في المقدمة نفسها: لو انتبهنا إلى تدوين تراسلنا من خلال جهاز “الموبايل” مع الأصدقاء، والمعارف، والأقرباء، عبر سنوات عديدة، على الورق، أو شاشة الكمبيوتر - بعد أن أصبح الورق والحبر في عداد النسيان - لكنا قد سجلنا ذاكرة الزمان والعمر وذكرياته، من دون حاجة إلى ما يسمى بالمذكرات اليومية مثلاً، أو دونما حاجة إلى أن يجلس الكتاب والأدباء يوماً ويقرروا كتابة سيرهم الذاتية، عبر خيانة الذاكرة، لكن الشائع إلى الآن، أن المتراسلين يلجؤون إلى المحو كي يتيحوا لسعة “الموبايل” مزيداً من الاستيعاب للرسائل القادمة، من دون أن ينتبهوا إلى أن رسائلهم على قصرها وانخطافها، هي تدوين للحظتهم وأفكارهم ومشاعرهم وتقلبات أحوالهم، كما أنها تدوين للزمن عبر قدرة الموبايل التقنية في تثبيت التاريخ وساعة الإرسال، كما قدرته على حفظ الرسالة، أو أرشفة الرسائل الواردة والمرسلة، تلقائياً أو اختياراً” .

هنا، لم نعد أمام مجرد مقدمة نثرية، كما أشير أعلاه، بل نجد أن الشاعرة تذهب أبعد من ذلك، حيث تضع أصبعها على المقاربة التي سجلتها ثورة الاتصالات السريعة، بين المبدع ولحظته، ونفسه، لتكون التفاصيل المتناولة من قبل الشاعر هي القصيدة ذاتها، والشاعر ذاته، تقول: في تراسلي مع الأصدقاء، من الشعراء، والكتاب، والأقرباء، والعابرين دروب الحياة معي، تملكني هوس الرد بنص شعري تلقائي، مشاغبة حيناً، وعاتبة حيناً، ومحتفية في أكثر الأحيان، ينبثق حالاً، من لغة المرسل وفكرته أو مضمون رسالته، بغض النظر حتى عن مستوى العلاقة أو حميميتها، والنص في هذه الحالة لايكون خارج سياق الرسالة وغايتها، بل إنه رد في المضمون وعليه، حتى بدا لي أنني وقعت أسيرة الشعر وسحره، دون انتباه إلى أن الآخر قد لايستطيع مجاراتي - وهذا ماحدث فعلاً بالنسبة للكثيرين منهم - ودونما طلب أو توقع لأن يكون الرد نصاً شعرياً، في ما يشبه المساجلة . وقليلون جدا هم الذين كانوا يردون بنص شعري تلقائي، أو محفوظ، أو منقول، ولم تكن غايتي في الرد بأسلوبي هذا من قبيل التعدي أو التعالي، فالمتراسلون معي شعراء، وكتّاب، وباحثون، ونقاد، قديرون، لهم باع أطول من مني في اختصاصاتهم” .

تؤسس خميس - هنا تحديداً - لولادة نصها المومض، وتتحدث عن كيفية رؤيته للنور، وهو - على الدوام - نتاج حالة انفعالية، إما أن يكون في سياق رد على المرسل إليه، أو محاولة من قبلها، كي تعبّر عن إحساسها، في لحظة كتابة هذا النص الوامض، عبر بناء نص، يطفح برائحة دمه المشيمي، تقول عن هؤلاء الأصدقاء الذين تخصُّهم بهذا النوع من النصوص المرسلة إليهم، عبر رسائل “الموبايل”، هم “أصدقاء بيني وبينهم جذر محبة وجسر تقدير ومودة فائضة، ولأنهم كذلك ربما غفروا لي طبعي المشاغب . لذا وبالرجوع إلى طبعي المتأصل في احترام كل كتابة، صدرت مني ومن الآخرين، وبحرصي المتأصل أيضاً، على حفظ كل قصاصة، اتسعت أو ضاقت، رغم طبعي الفوضوي، وذاكرتي الغربالية، احتفظت بتراسلي مع بعضهم، إن لم يكن مع الكل - ولم أمسح إلا ما لا أهمية له، كما بدا لي في تلك اللحظة، أو بناء على طلب الجهاز لأفرغ ذاكرته” .

على هذه الطريقة تبين الشاعرة خميس كيفية تعاملها مع المادة الخام الأولى، لنصوص الموبايل، فهي تخضع لعمليتين هما: العفوية والغربلة، وإن كانت الغربلة تجهز على العفوية، إلا أن الشاعرة توصف تدخلها في التعامل مع متون النصوص المدوَّنة، على أن التغييرات تكون طفيفة، كي تخلو من الاستفاضات والزوائد، في ما إذا وجدت، بل لتمسح عنها غبار النثر والترهل، وفق طريقة تعاملها مع المادة الأولية في نصها، المعنون ب”المنتجة” في فن السينما، حيث تبدو هنا “بصمة” الشاعر المبدع، تماماً: “فيما بعد، وحين جلست هادئة في رحاب عزلتي، ألملم ما تناثر في ذاكرة الكمبيوتر من أعمالي وجدت تلك النصوص الشعرية، والمخاطبات السردية فأبهجني لطف مضامينها وطرافتها، وقررت أن أوثق نصوصي الشعرية المرسلة وتدوين رسائلهم - احتراماً للخصوصية - في ديوان يحمل عنوان طبيعتهم . إس .إم .إس” .

في هذا المقطع تقترب الشاعرة، من نفسها، ومن عالم مجموعتها الشعرية، هذه، ومن خصوصية رسائلها، هي، كطرف في ثنائية المرسل والمرسل إليه، الموجودة عادة، في لغة الخطاب، والمراسلة، إلا أن النص يجعلنا أمام طرف فقط، من حصيد ثنائية الرسائل المتبادلة بين طرفين، ناهيك عن إعمالها “مبضعها” الفني، كي تحذف تلك الزوائد، والاستطالات التي لا تخدم رؤيتها للشكل الفني الجديد الذي تعد ممثلة شرعية له، وواحدة ممن كتبن في فضائه، تقول أيضاً: “ولأن ثقافتي العربية خارج سيولة الزمن ربما لأني بدوية المنشأ أسفت أنني لم أدون تاريخ النصوص حين ولادتها على “الموبايل”، وهذا ما يحرك المخيال لدى المتلقي، نفسه، ليكون شريكاً له، في تصور البعد المفقود، في تلك الثنائية الافتراضية” .

ولعل طريقة تعامل الشاعرة مع الزمن، يتم بدوره على نحو عفوي، فهي لم تتقصد في إغفال تواريخ كتابة نصوصها، وهذه نقطة جدّ مهمة في العلاقة بين النص الشعري وزمن إنتاجه، من جهة، وعلاقة الشاعرة خميس مع الزمن، من جهة أخرى، فهي لاتشطبه، بل تود لو استكملت به نصها، وهذا ما ينم عن علاقتها بالزمن، فالتأريخ، ربما يبدو ضرورياً لعلاقته بحميمية اللحظة المتناولة، وإن كانت معالجة النص من قبل الشاعرة، تجعله يرتفع عن أن يكون مجرد مذكرات عن علاقة الذات الشاعرة بالآخر النخبوي، لأن النصوص لا تكشف عن مجرد ردة فعل الخطاب الشعري، تجاه هذا النمط من العلاقة المرتكزة على وعي عال، وإنما يستكشف جوهر ما هو شعري، في العلاقة مع الآخر، وهو المحدد بموقعه الثقافي، من قبل مقاربة الشاعرة خميس، التي تقول: “لم أجد حاجة لنقل رسالة المرسل مرفقة بردي الشعر الغالب، عادية اللغة وواضحة المعنى، يقترب أغلبها من اللغة المحكية . لذا سأعتقد أن القارئ للنصوص سوف يستنتج مناسباتها من سياق النص ذاته، من دون حاجة لقراءة الرسالة المرسلة ومضمونها، لأني أثق بذكاء قارئ الشعر وقدرته على كشف خلفية النص، وحتى السرية التي تتضمنها الدلالة” . وتضيف: “وحين أقول قارئ الشعر” أعني به المتلقي العادي الذي تستهويه قراءة الشعر، ولا أعني الناقد المحترف . وها أنا أجمع تلك النصوص - رغم خيانة الموبايل حين نغير بطاقاته - في ديوان شعري لعلني به أوثق جزءاً من تجربتي، كما قد أنبش ذكريات الزمن والحنين والمشاغبة للأحبة الذين كتبتها بوحيهم، ولهم”، كي توقع أخيراً، لمقاربتها، هذه، ب”دمشق 13 - يوليو-2008”.

وتأسيساً على ماسبق، فإن أهمية مقدمة مجموعة “إس إم إس” للشاعرة حمدة خميس تتجسد، في أن هذه المقدمة المعنونة ب”اقتراب” هي محاولة تنظيرية، أولى من نوعها، في تقديم الشاعر لنمط جديد من النصوص، ظهر فجأة مع التطور الهائل، في مجال ثورة الاتصالات، ما جعلنا أمام شكل شعري، له جذوره في القصيدتين العالمية والعربية، منذ القرن الماضي، وحتى الآن، بيد أن العلاقة بين الشاعر وإنجازات هذه الثورة، متجسدة في إحدى تقنيات الموبايل، في مجال كتابة الرسالة، المدونة، لا الصوتية، إضافة إلى دور المتلقي، كطرف لابد منه، في كل خطاب، في ضوء المقدمة، يعد ملامسة جد جريئة، لهذه القصيدة، وإن كانت كتابة قصيدة الموبايل ليست شأناً عالمياً، حيث كثرت كتابة هذا النمط من النصوص منذ ظهور هذه الخدمة الهاتفية، في حيز التناول، من قبل الإنسان .

ومن هنا، فإن تخصيص هذه القراءة، لعلاقة مجموعة الشاعرة خميس “إس .إم .إس” بالقارئ تعد جد ضرورية، لأنها - وفي حدود معرفة الناقد هنا - إنها تمثل أول مكاشفة، في مجال الكشف عن ستر العلاقة بين الشاعر ومتلقيه، عبر وسيط عصري، أحدث ثورة في عالم كتابة الرسالة، فاستثمرها الشاعر، لتكون أداة لتقديم قصيدة، تفترق عما هو متعارف عليه، في التداول بين المتواصلين العاديين:

إذا لم ترد عليَّ
سأنقش اسمك
في حلكة الليل
لأحيل الشروق
إلى معتم
وأطرب
حين أراك
تسير
وئيداً
وئيداً
إلى العدم.

الخليج
09/04/2012