إبراهيم اليوسف
(الامارات)

حمدة خميسحمدة خميسالقصيدة

زورق
مجدافه الكلمات
شراعه
ألق الرغبات
رياحه
نزق الأفكار
والبحر

. . . . . . . . . .

هذا العالم
الكلمات
لاتعبر
عني
الكلمات
تعبر
بي!

تواصل الشاعرة حمدة خميس مشروعها الشعري، بدأب مستمر، إذ تصدر بعد نتاجاتها السابقة “مس من الماء” ،2000 “غبطة الهوى . . عناقيد” الفتنة ،2004 “تراب الروح” ،2004 “في بهو النساء” ،2005 “إس .إم إس”، مجموعتها الشعرية “وقع خفيف” عن كل من وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع واتحاد كتّاب وأدباء الإمارات .

تتضمن المجموعة، وعلى امتداد 110 صفحات من القطع المتوسط، مجموعة من النصوص، هي: “فضة الكلام . . ذهب المعنى”، “قيثارة الأيام”، “ألوان”، “رذاذ”، “دليل التعب”، “نبوءة”، “تكوين”، “عصيان”، “نثار السنين”، “مواساة”، “توق”، “نوم البنفسج”، “حفيف”، “ذهول”، “أرأيتني”، “وصايا الغياب”، “البرزخ”، “همسة”، “شرود”، “شموخ”، “رفيف”، “إلى محمد الصكر”، “تشكيل”، “بعض لوحات جبر علوان”، “المرأة”، “غياب”، “متاه”، و”حنين” .

ثم تفتتح خميس مجموعتها الجديدة، هذه بإهداء خاص، هو “إلى/ علي بن صقر/ جدي ومعلمي يصهرالذهب/ في بوتقة الروح ولهب الأصابع المبدعة وفي المساء المطمئن/ يصهرالكلام/ في بوتقة المعاني! وعند التدقيق في مثل هذا الإهداء يمكن استخلاص ما يلي:

- الإهداء موجه إلى أحد جدود الشاعرة، وإن لهذا الجد تأثيراً في نفسها، وحياتها، فقد كان بمنزلة المعلم الأول لها، مادام أنه كان عيَّاراً في مجال الدال والمدلول .

- استحضار هذا الجد وفق هذه الصفات والمناقب، لتصنفه، كحكيم، وخبير في مجال صياغة العبارة، ضمن شرطيها الجمالي والفكري، في آن .

- إعطاء الضرب النفيس من القول أهمية بالغة، من دون نسيان بعده الآخر، وهو المعنى الكريم، ليكونا بمنزلة الجسد والروح .

وانطلاقاً من أهمية الكلمة، فإن الشاعرة تجعل من “فضة الكلام ذهب المعنى” والتي يذكّر عنوانها بعنوان إحدى نصوص محمود درويش الأكثر شهرة “مأساة النرجس ملهاة الفضة”، من قبيل تناص العناوين، وإن كان هناك اختلاف ما بين دلالات نصي درويش وخميس، حيث يتحدث الأول في نصه الملحمي عن واقع إنسانه، وحلمه، كجزء من ذاكرة كبرى لشعب وأرض، بيد أن الثانية -وهي خميس هنا- ينصرف نصها دلالياً ليضع أصبعه على قضايا تتعلق بجوهرالإنسان، وحكمته، ومعدن قوله، من خلال استذكار جدها نفسه، الجد الذي أهدته مجموعتها هذه:

-1-

أجلسني وقال لي:
ليس الكلام يا صغيرتي
ذا قيمة
إذا لم ينصهر كالذهب
في بوتقة المعنى

-2-

اختاري كلماتك
قبل الحروف
واختاري معانيك
قبل الكلمات

-3-

جميل أن تستمعي إلى الكلام
لكن . . أن تنصتي
للمعنى
تلك هي الجوهرة

-4-

معانٍ
هي الحياة
وما الكلام
إلا إيقاعها
الصاخب

-5-

حياتنا
أغوار المحيط
أما الكلام
فرغوة
الزبد

-6-

اختصري
في الكلام
ذلك أن المعاني
تتعدد في الاختصار

-7-

الكلام الكثير
كالمناجم
كثيرها أحجار
وفي قليلها
تكمن ذرات الذهب

-8-

انتبهي!
المعنى دوماً
أخطر
من الكلام!

-9-

كثرة الكلام
تثير الملل
وقلته
تثير الانتباه!

-10-

لا وزن للحروف
الوزن للمعنى
في ذهب الكلام!!

فإذا ما حاولنا إعمال المبضع النقدي، في تناول هذا النص -تحديداً- وذلك على ضوء ارتباطه بإهداء المجموعة، برمتها، إلى جدها علي بن صقر، بل واللجوء إلى عنوان آخر هو عنوان المجموعة نفسها “وقع خفيف”، حيث إحالة الوقع إلى الإيقاع الذي يتناوله هذا النص، فإنه لابد من استخلاص ما تم التأكيد عليه، في استهلالة القراءة، عند تحليل الإهداء الذي اعتبر مفتاحاً أول لعوالم نصوص هذه المجموعة الشعرية . حيث يتم طرح مسألة مهمة، طالما تناولتها الشعوب، جيلٌ تلو آخر، تتعلق بمستويات الكلام، بلغة الفلسفة، بعيداً عن المصطلح اللساني الذي يفرق بين الكلام والكلمة، لأن خميس تمحو الحدود بين الكلام والكلمة، ليكونا في نظرها متطابقين، فالكلام يغدو كريماً، بعيداً عن اللغو، تبعاً لمحموله، وصاحبه المحمل -بكسر الميم- حين ينفخ فيه شيئاً من روحه الكريمة، ليكون كلام المرء هو المرء نفسه، مادامت قصيدة الشاعر -تلك التي أدواتها أو لبناتها الكلمة- هي الشاعر نفسه، وهو ما يجعلنا نعيد رسم شخصية أي شاعر عبر التاريخ، في ظل ما يصلنا من نصوصه، لتكون القصيدة/ الكلمة، هوية الشاعر، وصورته الشخصية، بل روحه المتناسلة، مجتازة حدود الزمان أو المكان.

على ضوء ما سبق، من مفاهيم، تعيد خميس صياغة رؤياها، على نحو استفزازي، حيث “لا قيمة للكلام إذا لم ينصهر في بوتقة المعنى”، بل إنها ترفع المعنى على “أنها الحياة وأن الكلام إيقاعها”، بل وتصل الرؤية بها، إلى حدها الصوفي الأعظم، حين تجد أن “المعاني تتعدد في الاختصار”، وأن كانت ستكرر “ذهبية” الكلام، وهو قول مأثور، حتى إن راحت “تتحدث عن المناجم والحجارة ومن بينها الكلام الذهبي”، ولا تقل إشارتها إلى أن الكلام ذهب، تعالقاً مع الموروث الشعبي “إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب”.

يتضح، من خلال ما سبق، أن الشاعرة، وهي تشير إلى الذهب، في إهدائها المجموعة إلى جدها، ومن ثم الاستفادة من الموروث الشعبي، أن تركز على مسألتين مهمتين، إحدهما “عيار الشعر” من وجهة نظر الشاعر نفسه، والثاني، الابتعاد عن ترهلات الكلام، والغوص إلى لآلئ بحر الشعر، بعيداً عن أحجاره الرخيصة الهائلة، من دون أن يغيب عن بالها، صنف الإيقاع الذي ينبغي على النص الالتزام به، وهو ما تجتهده الشاعرة، في أكثر نصوصها . تقول خميس في قصيدة “قيثارة الأيام”:

الشعر
ليس الوزن
والأفكار
أو بلاغة الكلام
الشعر نبض القلب
ونزق الأحلام
تعزفه المعاني
على قيثارة الأيام

ف”الشعر ليس الوزن والأفكار” وإنما هو “نبض القلب ونزق الأحلام”، وهي هنا، تحاول أن تكتب قصيدة الشاعر، وتشرح خلالها روحه، إنها تفلسف رؤيتها الفنية، ليكون نصها نشيداً في النشيد، نشيداً في الشعر، والحياة:

أنا لا أكتب الشعر
كي أبلغ المجد
أو أنتشر
في صفحة الإعلام
كي أضيء . .
كذا الشعاع
ينسل خُلْسة
ليمحو الظلام

ومع استمرار قراءة نصوص المجموعة، يتبين للمتلقي، أن الشاعرة تسعى في مجموعتها الجديدة، أن تنظر لرؤيتها للشعر شعراً، وتبين موقع فهمها لفن الشعر، من خلال منظور إنساني، وروح شفافة، كما أنها تتناول صدى القصيدة في نفسها، وعلاقتها بالأدوات التي تتدخل في صناعة قصيدتها، لتربط بين كل ذلك، والحلم الإنساني الكبير الذي فتحت عليه عينيها:

الصفحة
بياض الانتظار
والحبر
إصبعي
يخط لي
مدارج النهار!
على مشارف الحكمة:

إن الموضوعات التي تتناولها خميس في مجموعتها هذه، تبدو مغايرة، لمحاور الموضوعات المتناولة من قبلها، في مجموعاتها الشعرية السابقة، فهي تضع إصبعها على ينابيع الحكمة، وكأنها تريد القول: ها أنذا، ولعله من حق الشاعرة، أن تفعل ذلك، وهي التي كانت صاحبة رؤية في الحياة، كما هي صاحبة رؤية في الإبداع والفن:

لم تولد الأنثى
من ضلع
كي تعوج
ولدت
كي تجعل
الأعوج
يستقيم

. . . . . . .

اليقين
ضلالة
الغافلين
والشك
يقين المستنير

لاشك، تضع الشاعرة متلقيها، خلال مثل هذين المقطعين، أمام عوالم جديدة، فهي تتحدث في قضايا عديدة، بلغة تكاد تكون جديدة، بل وكأني بها تنتبه إلى جدها ابن صقر، فتستعيد روحه، كتابة، فها هي تتوغل في فلسفة الولادة والموت، بعيداً عن أية فنتازيا من شأنها أن تجتذب النص الجديد الذي تعد الشاعرة، من كاتباته:

شأن الكائنات
لابد أن نولد
في زمن
ونموت
في زمن آخر
دائرة
أغلقت بقفلين!!

. . . . . . .

نقوش السجادة
زرقاء
سوداء
حمراء
بيضاء
وعشبية
هكذا تنقشنا الأيام
ففي سجادة الحياة
وتنطوي
بلمسة خفية!

من المؤكد، أن نص الشاعرة يشي بحالة نضوج في قراءتها للوحة الواقع، فهي بذلك تجعل نصها الجديد، على مفترق طرق، مع نصها السابق، وإن كان كلا النصين يطفح برائحة حرائق الشاعرة نفسها، وهي تهرول بين مدنها الأثيرة، الواحدة منها تلو الأخرى:

الساعات
وحوش الزمن
نحن
فرائسها

. . . . . . .

الفوضى
نظامي
والشعر
فوضاي
حين أرتب الفوضى
ينسحب الشعر
تنتشرالفوضى
في المكان
هكذا أرتب
الشعر والفوضى
في أحرف العصيان

لكن الشاعرة، سرعان، ما تستذكر -وهي في أوج حكمتها- خصوصية روحها، كشاعرة، فتعلن، أن الشاعر سيظل محكوماً إلى فوضاه، وروح العصيان المتأججة فيه، مهما جذبته الحكمة المجيدة، إلى وقارها، وعمقها، وملامستها الدقيقة لشؤون الإنسان والحياة معاً . لتعاود الكتابة في قضايا كثيرة، كالحديث عن حالات تمسها، وجدانياً، كأنثى، كما في نصها “رذاذ” الذي تحضر فيه أمها على نحو لافت:

أنثى الكائنات
أنا وأنت
لنحفظ الأرض
من العدم

. . . . . . .

أمي
زلال الماء
مختبئ فيه
كذا يداك
سريرة الخصب
وأطرافك
غصون

بيد أنها، في النص نفسه، لا تنسى أسئلة الحكمة، التي تطلقها، على نحو نيرودي، بل لا تنسى أن تمحور روحها، على الشعر، لتكمل ترميم صورتها عنه، بل لتترجم إيقاعه، في نفسها، وهو ما لا يحدث إلا مع من تشربت روحه بالشعر وحده، فغدا عالمه، وهو شأن الشاعرة خميس هنا:

لماذا الصبارة
شائكة؟
-كي نمتحن الصبر
ونرتاد
غواية الشوك

. . . . . . .

العشق
والشعر
رقة العناصر
ووله الفصول
كلاهما
خفي
غامض

الشاعرة وهي تختلط بالحكمة، تحاول جاهدة، أن تنأى عن الذات، ليكون لها بعدها الكوني، وهو ما تلجأ إليه الشاعرة، لتحقق معادلة مهمة، تكمن في الموازاة بين الذات والعالم، من منظور خاص بها، حيث تجتمع المتناقضات هنا، فالحكمة أداة الشاعر منذ القديم، بيد أن الغرق في الذات، وجعلها أس النص، فهي من لوازم النص ما بعد الحداثي .

حقيقة، تمثل مجموعة الشاعرة خميس، هذه، انعطافة جد مهمة، في تجربتها الشعرية، لاسيما أنها جاءت بعد مجموعتها السابقة “إس . إم .إس”، التي اعتبرت نقلة في تجربتها الشعرية . وما يلاحظ في عوالم هذه المجموعة، أنها لا تقطع حبل مشيمة نصوصها، عن عوالمها الأثيرة، المألوفة، بل تجعل منها ركيزة، ومنطلقاً للوقوف على امتداد الشعرية، لتكون منحازة إلى الشعر، أينما كانت مظانه، من دون الاكتراث بطريقة رسمه، مادام الشعر هو من يصوغ ملامحه، في مختبر روح .

تجاوز

وإذا كانت الشاعرة قد لامست عوالم جديدة، على نحو لافت، فإن حصيدها المقبل، لا محالة، سيشكل امتداداً للمناخات الجديدة التي جذبت الشاعرة، إليها، لتواصل حفرها الإبداعي، وهذا -في التالي- يدخل ضمن دورة تجاوز الذات الذي نلمسه، في هذه المجموعة، بشكله الواضح:

على فلقتين
من زمن يمر
كأنه الورد
حيناً
وحيناً
كأنه المر
تسرين هادئة
في صعود الشموخ
قدماك في يم
وفي قلبك
الجمر

. . . . . . .

هل كنت
قبل الطين
نطفة؟
أم كنت
قبل الماء
قطرته؟
أم أنك يقطينة
بعض فنونها
الزهر؟

الخليج
30/04/2012