|  (Yoel Harel.)
|
اسمعني.. هذه الشمس الحارة تمكث في الألوان كالوسواس حتى تغيرها. الأزرق الصافي تنفد كثافته ويصبح باهتا. الأخضر يذبل. حتى شماغك هذه التي اشتريتها الآن، ستسكن الشمس خيوطها الحمراء وهي فوق رأسك. ستصبح الطبقة العلوية لها، والسفلية تكون لك حتى حين. هي نار طافية على رؤوس الخلائق ما دامت هناك، في ذلك العلو القريب منا كل يوم.
نحن كائنات رطبة وبطيئة الحركة، والشمس تعرف ذلك جيدا. نتحرك ببطء، رغم أننا نستحث الساعات في معاصمنا على إنقاذنا من ثقل الوقت! نعرق في الشارع حد أن نبحث عمن يلعقنا، وهي فوقنا تتفقدنا واحداً واحدا. تتبعنا إلى كل مكان، وعندما ندخل منطقة للظل تنتظرنا عند المخرج كما يفعل الرصيف بالضبط. منذ كم لم نستطع أن نأخذ منها بوصة واحدة نضيفها إلى الظل الشحيح الموجود لدينا؟ إذاً، ما العمل غير أن ننتظر هبوط الليل لنخرج معاً لقضاء سهرة في مقهى؟
إني أراك صامتا! آه، صحيح، طالما قيل لي بأن الكلام الكثير نهايته تورم الشفتين واندلاع الكدمات في الروح!
لكن كل شيء في حياتنا يمر من دوننا يا صديقي، حتى الكلام نفسه يعرف ذلك، والعمل، والبيت، والمقهى، حتى الأسواق المركزية، تبدو كما لو أنها مجسمات جمالية عملاقة لا تخصنا. رغم ذلك لا بد أن نتكلم، بل لا بد أن نصرخ بأعلى أصواتنا ونحن نتكلم. لا بد أن نصرخ بكلمات مثل (أنا أمشي، لا تثقوا بالطرقات) أو بعبارات مثل (من شارع إلى شارع نتنقل ونحصد المزيد من الأكاذيب). الكلام لأمثالنا مثل النفس، إذا لم نقم به في وقته نختنق.
دعني أحكي لك حكاية حدثت معي شخصيا، لعلك بعدها تكف عن الصمت وتتحدث معي كما أفعل معك اللحظة. مررت أمس بفني الساعات لإصلاح تروس ساعتي التي انفرطت فجأة. تصور ماذا رأيت في السوق وأنا في طريقي إليه؟! لن تصدقني لو حكيت لك؟ لكن دعني افترض أنك ستصدقني ولو مؤقتا. وقفت في وسط المحال التجارية، أتأمل انفراط الناس في الممرات، وعلى المصاعد الكهربائية، جيئة وذهابا.. نعم جيئة وذهابا، وبحشود كبيرة، لكن معظمها لا يحمل في أيديه بضائع، بل يحمل أيديه فقط. أيد فارغة، ساكنة، ملتصقة بالأجسام، وأصابعها مقفلة كما يفعل الجنود في استعراض عسكري. كان أصحاب المحال يقفون على الأبواب بنفس الهيئة. توقفت عن المشي مأخوذاً مما رأيت، وتساءلت بيني وبين نفسي: لو كان الوقت وقت صلاة، لكانت المحال مقفلة كالمعتاد، ولكنت رأيت رجال الهيئة يحشرون الناس إلى المصليات القريبة، بيد أنه وقت ما بعد صلاة العصر! فما الذي حدث؟! خمنت أنهم ربما ينتظرون زيارة مسئول حكومي كبير ليفتتح مشروعاً أو ما شابه! وكنت رأيت في التلفزيون ذات مساء، شيئاً من هذا القبيل. إذ دخل أحد المسئولين مجمعاً تجارياً ضخماً فاصطف الناس عن يمينه وعن شماله على نفس الهيئة تقريبا. ورأيتهم، عندما لوح بيده مسلماً عليهم، يرفعون أصواتهم ويصفرون من حوله. خشيت أن يبدر مني سوء تهذيب، لما ثقلت في رأسي فكرة زيارة المسئول، فرحت أتجول مثلهم على طريقتهم إلى أن حل إعلان غروب الشمس، وعندها، خرجت عائداً بساعتي المعطوبة إلى البيت.
هنا، اسمح لي أن أصف ما اكتشفت لاحقاً أنه كان مجرد غباء مني وإلا لكنت رأيت الأمور بطريقة أخرى. إذ لو كنت لحظتها صحوت قليلاً، لرأيت أن المنطقة خالية من التحضيرات الأمنية التي عادة ما تمهد الطريق للمسئولين الحكوميين ليكون كل شيء على ما يرام. الكل يعرف أن زياراتهم للأماكن العامة تسبقها تدابير بلدية وأمنية تقلب المنطقة بكاملها. البلدية تركز على مظهر المكان المقصود بالزيارة. تطارد باعة البسطات الصغيرة، تمنع افتراش الطرقات، تبث عمال النظافة والتشجير في المكان طوال اليوم، حتى إذا جاء المسئول وجد كل شيء حسبما قيل له في التقارير. أما الجهات الأمنية، فتنتشر عناصرها بكثرة داخل المكان وخارجه، وهي تحمل في أيديها أجهزة الاتصال اللاسكي، وتتفقد بين وقت وآخر مسدساتها المحشوة بالرصاص.
لو كنت صحوت قليلاً لرأيت السوق على طبيعته المدنية الهادئة كما في كل يوم. لكني كنت وقتها مشغول البال، أفكر فحسب في التروس التي انحلت فجأة في ساعتي وتركتْها بعقارب معطلة.
قد تستغرب مني شغفي الكبير بساعتي، وأنا أعذرك طبعاً لأنك لم تحمل في يدك ساعة قط، وبالتالي لا يمكن أن تفهم لماذا يملؤني بالطمأنينة والإحساس بالحياة منظر الساعة التي تعمل؟ إن صوت التكتكة وحده ليوصلني إلى حالة من الفرح أحسبني غير قادر على وصفها في وقت قصير كهذا الوقت. تصور، بمجرد أن أتأمل دوران عقاربها، أعبر مباشرة إلى تروسها في الداخل لأشاهد هناك طبيعة القلب النابض بالحركة والإيقاع ومدى التصاق حركته بحركة الزمن في أنا، وفي الأشياء التي حولي، حد إنني أحياناً أفكر فيما لو توقف هذا القلب النابض عن العمل هل يعني ذلك أنني أنا أيضاً سأتوقف عن الحياة؟
هل تفهم ما أقول؟
هل فهمت الآن خطورة العلاقة بين تروس الساعة وصوت التكتكة في أنا؟
إنني مع ساعة تعمل بشكل جيد، أقلق كثيراً على مصير آخرين تعطلت ساعاتهم منذ زمن بعيد، وخرب فيها القلب النابض، وما عاد ممكناً إصلاحها إلا بتروس جديدة تشتغل بكفاءة عالية ولا تعطب. أقلق على آخرين مثلك لا يتكلمون، ولا يشعرون بمرور الوقت رغم إنهم يحسون من بعيد بتعاقب الليل والنهار، يتألمون مما هم فيه، ويبكون في دواخلهم لكن أصواتهم لا تصل إلى أحد، آلامهم والرطوبة في الأقبية والسراديب غدت شيئاً واحدا.
هل فهمتني الآن أيها الصديق الصامت؟
عندما عدت إلى البيت بساعتي المعطوبة، أطبق علي الصمت، وتبددت أنفاسي في البحث عن جلبة صغيرة تمر بها قدمي فتعيدني إلى آنية كنت نسيتها على الأرض قبل أن أخرج. آنية، أو منفضة سجائر، أو شريط فيديو كنت استعملته في الليل وفي الصباح تركته على الموكيت وخرجت. لكن كل شيء في البيت كان صامتا. لا صوت للأكواب، ولا للأطباق الخزفية التي حطمت بعضها على الجدران. لا صوت للبوتاجاز إذ يلتقط شرارته من القداحة، ولا لإبريق الشاي وهو يغلي بالماء وكيس الليبتون ربع ساعة كالعادة. كل شيء، حتى حفيف أسفل بيجامتي بقدمي لا أسمعه، وعندما تعمدت تشغيل التلفاز ظهرت في قناة عربية فتاة بدا من هيئتها وديكور المكان الذي تتوسطه أنها تذيع الأخبار، لكن لا صوت لها على الإطلاق. علمت أني توقفت أيضاً عن العمل، فقدت التكتكة في داخلي مثل ساعتي المعطوبة. وهذا ما جعلني أبحث عنك منذ البارحة هنا، في هذا الشارع، لأقول لك إني رغم خوفي وهلعي لم أستسلم بل أسرعت من فوري عائداً إلى السوق، متغلغلاً بين أرتال العربات الصامتة، مخترقاً تجمعات الناس البكم في الممرات، حتى لقيت فني الساعات وقد أوشك على إغلاق محله، فاعتنقته بدموعي، قبلت رأسه متوسلاً إليه بحركة اليدين أن يصلح ساعتي أو يعيرني ساعته، مفترضاً أن ساعات العملاء في ورشته الصغيرة كثيرة لكنها ليست بأفضل حالاً من ساعتي. لم يصب بالدهشة من تصرفي، بل طغت على وجهه تعابير الرجل المنتصر وكأنه كان ينتظرني وهو في أشد ما يكون من اليقين بمجيء إليه وأنا على ذلك الحال. تمتم بكلمات ظهرت مثل حركة خفيفة على شفتيه، ثم فتح خزانة خشبية تحت الطاولة التي يصلح عليها الساعات، وأخرج ساعة لا بد أنه خصص مثلها لكثيرين غيري يقعون في ما وقعت فيه.
إنها قصة غريبة في نظر الصامتين أمثالك، لأن الحركة في أعماقهم توقفت، وما عادت أصوات الأشياء حولهم تصل إليهم. لقد جربت ذلك أمس بالفعل، وقضيت وقتاً خلته وقت قيامتي أو وقت تحللي إلى وهم.
هيا تكلم يا صديقي، أرهف السمع للهواء الذي بيني وبينك لتعلم أني أتحدث معك.. إلى متى تظل صامتاً هكذا دون أن تحدثني عما يجول في رأسك أيضا؟! لا بأس، خذ راحتك في الصمت. خذ اليوم من الصمت ما شئت، فغداً يأخذ منك الكلام ما يشاء! لكن دعنا الآن نذهب من هنا لئلا تحولنا الشمس إلى عبء إضافي على الهلال الأحمر. هناك " كوفي شوب " يصنع قهوة رائقة، لماذا لا نذهب إليه إذا كان ذلك يساعدك على التخلص من التوتر ويشجعك على البحث عن وسيلة تعيدك إلى العمل؟ ربما تجعلك القهوة تهدأ، وتحكي لي ما هي مشكلتك أنت أيضا؟ ومتى حدثت؟ وكيف؟
إقرأ أيضاً: