حزامة حبايب - غبطت نفسي لمشاركتي في ملتقى القصة العربية الذي عقد في عمان في آب 2009؛ ذلك أن أحد المحاور الحيوية التي طرحت على مائدة البحث المستديرة حملت عنوان القصة والتابو ، كعنوان عريض، شائك ومشتبك بقدر ما يبدو واضحا وحاسما، مسكوت عنه ومتحرج منه بقدر ما هو متاح ومتيسر، دون أن يكون يسيرا بالضرورة! وبما أن النقاش، كالعادة، تخطى حدود المساحة المباحة لأي نقاش، فإن ثمة قولا كثيرا ظل حبيس قصاصات البوح، وبمنأى عن التحرش الفكري، الذي لا غضاضة عنه إن لم يكن لازما، ب عقائد الغير ومعتقداتهم..
كقول أولي لا بد منه، ربما يجدر التوقف عند تابو كمفردة أو مصطلح وكمعنى. قاموسيا، يمكن تعريف التابو Taboo، بأنه حظر أو منع صارم، في أي من جوانب النشاط البشري أو العرف الاجتماعي السائد، وبالتالي فإن كسر التابو أو خرقه أمر مرفوض ومنبوذ اجتماعيا. لكن التابو، ليس مجرد يافطة تنوء بعبارة ممنوع الاقتراب أو المقاربة ، فهو حظر يرقى إلى مرتبة المهاب والمقدس. فيكف تحول التابو من أسر العرف الاجتماعي إلى وصمة ذات طابع مقدس، تحفه هالة دينية، لا يجوز المساس بها أو مساءلتها؟.
يمكن اقتفاء جذور مصطلح تابو باللغة الإنجليزية إلى كلمة tabu أو tapu ، وهي كلمة مشتقة من اللغة التونغية ، نسبة إلى مملكة تونغا جنوب الباسيفيكي، حيث تظهر في الثقافة البولينيزية تاريخيا، وتعني من جملة ما تعني ممنوع ، محظور ، أو غير مسموح ، وهو منع ذو ظلالات وإيحاءات دينية محددة. في اللغة التونغية الدارجة حاليا، وفي الثقافات البولينيزية عموما، فإن كلمة تابو ، تعني مقدس ، وأي انتهاك للتابو يعد شكلا من أشكال انتهاك القانون، الأمر الذي يتخطى دائرة التقليد الاجتماعي المتعارف عليه. وهكذا يمكن فهم كيف تطور معنى التابو، استخدامه ودلالاته (مع سفر الكلمة/ المصطلح على يد المستكشف البريطاني جيمس كوك في العام 1777 من جنوب المحيط الهادي وانضمامها إلى القاموس الإنجليزي)، من حظر اجتماعي إلى حظر ديني، غالبا ما يتخذ صيغة من صيغ التحريم، معرضا منتهك التابو إلى طائلة اللعنة أو طائلة العقاب!.
من الذي يضع التابو؟ من الذي يملك سلطة إقراره، بالعرف أو بالقانون؟.
ثمة علاقة وشيجة بين العرف الاجتماعي والنص الديني، وهي علاقة تثمر عن صيغة ضبابية لما قد يكون عرفا دينيا ، يوالف بين الحظر الاجتماعي والتحريم الديني، في نوع من المساومة، علما بأن المنظومة الدينية، بفعل نظرية النكوص والانكفاء تستقي أحكامها في بعض الأحيان من المنظومة الاجتماعية لا العكس، كما أملاه التقليد التاريخي في شأن علاقة التأثر والتأثير المتبادلة بينهما.
كثيرا ما تتم المساومة أو المقاربة التوفيقية بين المنظومتين الدينية والاجتماعية تحت مباركة منظومة قيمية ثالثة لا تقل تأثيرا ونفوذا عن المنظومة الاجتماعية ومثيلتها الدينية؛ الحديث هنا عن المنظومة السياسية أو مؤسسة الحكم، بوصفها لها تعريفها أو تنميطها هي الأخرى للتابو، لما يجب أن يقارب، من موضوعات وثيمات، وما لا يجب أن يقارب.
فالكثير من التابوهات، ضمن ثالوث التابوهات المعتمد (السياسة والجنس والدين) وجدت أو أقرت لتخدم مؤسسات الحكم والمنظومة السياسية عموما، التي كثيرا ما تكون تعبيرا عن المنظومة الاجتماعية أو انعكاسا لها، وهي تابوهات تظل في الغالب حتى بعد انتفاء أسباب قيامها، مستمدة بقاءها ونفوذها ومشروعيتها الدائمة من الظرف التاريخي المؤقت الذي تبلورت في سياقه. المفارقة المؤسفة، وهي مفارقة مربكة ومضحكة في آن، أننا نلمس في الكثير من الأحيان تواطؤا، معلنا تارة ومستترا ومبطنا تارة أخرى، بين المنظومة الدينية والمنظومة السياسية إزاء تابوهات بعينها. في العادة يخدم هذا التواطؤ البراغماتي الانتهازي الصيغة المؤسسة الدينية، خصوصا عند التعاطي مع تابو الجنس، مثلا، فيجد المرء في الأمر نوعا من الإلهاء المتعمد للمؤسسة الدينية التي تكتفي بمقاربة الصغائر (على افتراض أن الجنس من الصغائر)، كونها عاجزة عن مقاربة كبائر مؤسسة الحكم.
لعل استشراء السلطة الدينية وتمدد نفوذها، تحت مظلة السلطة السياسية، هو ما يعزز حصانة التابوهات، فيحيلها من موقف شخصي إلى موقف جماعي، فمجتمعي، دون أن يلعب التطور الإنساني - في صيغته الفردية أو الجماعية، والتواصل البشري، والانفتاح على الثقافات الإنسانية الأخرى والإيمان بنسبية الأشياء، ومعيارية القيم البشرية، والإقرار بالفردية، كحق مشروع - كبير دور في تجريد التابو، أي تابو، من هيبته ومناعته المكتسبة بمنطق الفرض الإلزامي أو الإكراهي، الذي يكتسب صيغة مؤسساتية عقابية، لا منطق الحق الإنساني!.
ثمة من يرى أن التابوهات تكشف تاريخ المجتمعات في ظل غياب أي سجلات توثيقية. إذا جرى التسليم بأن التابوهات تروي تاريخ المجتمعات، فإن الكتابة الإبداعية تروي التاريخ المضاد. إن الحكايات الحقيقية هي في التاريخ المضاد. إن القصص الأصلية تكمن ما وراء يافطات ممنوع الاقتراب أو اللمس .
أجمل الكلام هو الذي يستشعر في السر، هو الذي يستنطق من وراء ستار، من خلف الأبواب الموصدة، هو الذي يوشوش، هو الذي تهمسه النظرات الخافتة، هو الذي يتفلت من الأسر، هو الذي يتخطى حواجز المنع ويكسر الحظر. ليس هاك فكرة غير قابلة للمس، لا يوجد موضوع لا يحتمل المعالجة. لا يوجد إحساس تحظر معاينته.
إذا كانت الفكرة غير قابلة للمقاربة، فهذا يعني أنها غير قابلة للحياة، وبالتالي فإن عدم مقاربتها معناه عدم مقاربة الحياة أو هيئة من هيئات الحياة. هل نستطيع أن نتخيل كتابة، أي كتابة، لا تملك القابلية لأن تحيا؟ أتوجد كتابة قابلة للنماء في التاريخ الوجداني دون أن تنطلق من صورة من صور الحياة؟! هل يمكن للكتابة أن تكتسب قابليتها للتأثير إذا أقصت جزءا من الحياة أو استأصلت جانبا منه تحت ذريعة التابو؟ إذا كنا لا نقارب شيئا فهذا لا يعني أنه غير موجود! وإذا غضضنا طرف إبداعنا المزعوم عنه، فهذا لا يعني أنه غير معتمد في طرائقنا الوجودية؛ بل قد يكون مستشريا ومستفحلا فيها.
لقد وجدت الكتابة المستوفية للشرط الإبداعي كي تقول ما يقال وما لا يقال، لتحكي ما يحكى وما لا يحكى، لتكشف، لتهتك، لتفضح، لتكون صورتنا الحقيقية (أو حتى صورتنا المتخيلة التي نروم ونشتهي)، لتكون ذاتنا الفردية ومن ثم ذاتنا الجماعية التي تحيلنا إلى التساؤل والمساءلة، للشك وللتشكيك، واستنطاق الساكت والمسكوت عنه.
كمبدعين، كما هو مفترض، نحن قابلون للاستفزاز أكثر من غيرنا، وحين نستفز نغضب، والكتابة الجميلة، المدهشة، في إحدى تعريفاتها وصورها المتعددة، هي نتاج الغضب، ما بعد استيعاب الغضب وتجاوزه واستقرائه وإعادة التعبير عنه. ككتاب، نحن لسنا معنيين بإعادة صوغ المنظومة الأخلاقية، المختلقة أصلا، أو إتيان فعل انتحاري، أو الإقدام على فعل اجتماعي تطهيري ، بقدر ما نحن معنيون بنبش الأماكن التي تختبئ فيها العفونة، وتسليط شيء من ضوء، أو نار، في الجحور وشقوق الحياة المعتمة، كي تفر فئران الخوف من مكامنها.
كملهمين وملهمين، نندفع لأن نقول ما نشعر أنه يجب أن يقال، خصوصا في غير مقامه المكرس، ننجر لكتابة ما يحفزنا، ما يثيرنا، ما يستفزنا، ما يتآكلنا. التابو، أي تابو، ضمن هذا السياق، لا يمكن إلا أن يجرف في طريق اندفاعنا الذي لا يمكن لجمه، دفاعا عن وجودنا الحر.
الرأي
23-10-2009