حزامة حبايب
(فلسطين/الامارات)

حزامة حبايبفي التهجئة الأولى كانت حكاية سندريلا، بحذائها الزجاجي الذي لوّعت إحدى «فردتيه» رعايا مملكة الخيال الفاتنة قبل العثور على صاحبته، التي تدثرت بحكمة الصبر والجمال الخبيء في أعمال البيت الوضيعة، وقد قادتني الصور الباذخة في اللون، المسرفة في السحر، المرافقة للحكاية المشغولة على ورق صقيل مترف بلغة مكتوبة بأحرف كبيرة أنيقة زادها التشكيل أناقة إلى امتطاء القصّ الشجيّ السخيّ لبلوغ الحبّ.. الحبّ فقط. (لا يهمّ كثيراً إذ اكتشفتُ لاحقاً ان الصبر قد لا يُنيلنا مرادنا، وأن النهايات ليست سعيدة بالضرورة أو بالمطلق، وان الجمال إذ ينغمس في الشقاء يخشوشن فيتشقق كعبا القدم ولا يعودان ملساوين، وبالتالي لا يمكن تحت أي منطق أن تنزلق القدم الصقيلة الصغيرة في الحكاية في الحذاء الناعم بكل سلاسة).
في التهجئة الأولى أيضاً، كانت «الجميلة النائمة» التي لم تبهت فتنتها رغم الاستغراق في نوم أزلي يشبه الموات. قبلة واحدة كانت كفيلة بانبعاثها. (يا لها من قبلة متمكنة تلك التي غفوتُ عليها في ليالي الطويلة. لا يهمّ كذلك أنني اكتشفتُ، ربما متأخراً، أن رائحة الفم العطنة بعد الصحو تجعل من أي قبلة حلماً مستحيلا، وفي حال تحقق كابوساً). وما زلتُ أتهجى مع «رابونزل»، بضفيرتها التي تسلّقها الفارس الى غرفتها في برج القلعة التي حبستها فيها الساحرة الشريرة. (شعري لم يكن طويلا بما يكفي ليمتطيه الفارس الوسيم، وحين امتطاه القمْل قصصتُه قريباً من «الصفر»، ومع ذلك لم أفقد الأمل بتعريش الحبيب السري على ضفيرتي المتخيّلة!)
طفلة في الثامنة كنتُ حين سألتني معلمة اللغة العربية عن «العظة» التي أستخلصها من الحكايات «الهبلة» التي أقرأها. لم أعرف كيف أجعلها تفهم تلك الدغدغة التي تسري في جسدي عند انزلاق البصر فوق كلمات كل حكاية. كيف أصف لها بكلمات، تشبه كلمات الحكاية، أنني أكون سندريلا وكل السندريلات الفاتنات الممتَحنات بالبؤس الموعودات، ولو بقدرة السحر، بالقُبلات؟ حين أجبتُها «أستمتع».. هكذا ببساطة.. انهمرتْ يدها، غير الحنون، بصفعة لاسعة على وجهي. من هنا توصلتُ إلى العظة الأزلية؛ وهي أنني إذا أردت متعة القراءة عليّ أن أرومها سرّاً؛ ذلك أن بعض أنواع القراءات لا تعدم أن تدخل المتعة المُجتناة منها في باب الجناية، كما قد تجرّ المعرفة، التي أفلتت من الكتاب المدرسي والديني، ويلات؛ فبعض أنواع المعرفة، كالمتعة، قد تكون خطيئة.
الخطيئة الأولى تبعتها خطايا، لم تقل شغفاً وهياماً: خطايا المتعة في القراءة وخطايا الاكتشاف في القراءة.. والقراءة أيضاً. خبّأتُ «بيت من لحم» ليوسف إدريس في تضاعيف كتاب التاريخ المدرسي، وتحديداً بين فصول فتوحات العرب في الأندلس، مدّعية، أثناء مذاكرتي في الفصل، اندهاشي بالنصر المظفّر. وقعتْ معلّمة التاريخ على البيت بلحم نسوته الملتاعات الشغوفات فصفعتني. في المرة التالية، كبتُّ التعبير عن عظيم دهشتي وأنا أقرأ «رجال في الشمس» لغسان كنفاني أو «الملك هو الملك» لسعدالله ونوس، وقد تدثرا في كتاب الجغرافيا ذي السماكة المفرطة! لكنني، قطعاً لم أتمكن من تهريب «المانفستو» في أي من كتب المدرسة، المُترعة بالمعرفة المقنّنة الموجهة. ولما كان من الصعب أن أهرّبه إلى البيت في شكله المعلن، جلّدته بورقة صحيفة وبيّته لأيام، وربما لدهر، تحت فراشي.
لكن خطيئة الشغف الأوّل واللاحق، إذ تستحيل هوساً، لا يشبعها مصروف المدرسة الشحيح، كما لا يقيم أودها مصروف الجامعة اليسير. توصلتُ باجتهادي إلى أن سرقة الكتاب «حلال»، شريطة إرجاع الكتاب بعد أن يلبّي شغفي. كانت متعة، ما بعدها متعة، إذ أتمنطق، تحت الفستان، بأنطولوجيا مختصرة لشعراء الرومانسية الإنجليز أو أدسّ في صدري، من تحت القميص الفضفاض، «غاتسبي العظيم» لفيتزجيرالد في جهة و«الحرف القرمزي» لهوثورن في الجهة الثانية، من مكتبة كلية الآداب بالجامعة. لم أُضبط وأنا أسرق الكتب، ضُبطتُ وأنا أرجعها. لم أفهم كيف انقلب «الحلال» ضدي!
ومع ذلك، لم أتُبْ عن شغفي؛ من خيال ألف ليلة وليلة الشهيّ إلى كرم محفوظ الحكائي، إلى حرفية تشيكوف، إلى غزارة همنغواي، التي لم تخل من مجانية، إلى غضب شتاينبك الأصيل، إلى سحر ماركيز الآسر، فخفة كونديرا المحتملة جداً، وحزن تشيبي المستديم، وعطر زوسكيند القاتل بلا ملامة أو إدانة، وكل العوالم التي تنفستْ حبراً وورقاً، إذ تثير تساؤلات الموت والحياة، الوجود والعدم، الأنا والأنا الأخرى، في متعة التلقي ومتعة الاكتشاف، ضمن متعة لا تروم، كعظة، إلا المتعة الخالصة. ومن ثم.. أمامنا العمر كله، لنتأمل ونتفكّر ونكتئب ونحزن.
أمامنا العمر كله لنكفّر عن خطايا الكتاب.. خطايا المتعة «الحلال» جداً!

الشرق الاوسط
13 يونيو 2007