حزامة حبايب
(الأردن)

حزامة حبايبفي الكتابة، كما في أشكال التعبير الجماليّة الأخرى، ثمّة مفاصل أساسية في العملية الإبداعية لا تني مع الاستخدام تغدو جزءاً لصيقاً من "شخص" الكتابة نفسها، فتكون بمثابة المنطلقات أو الثوابت في "الخَلْق" المتحرك. على أن هذه المنطلقات أو الثوابت ليستْ بالعناصر الجامدة؛ فهي، كشرط في عملية "الخَلْق" الإبداعي، متحوّلة، متحوّرة، متبدّلة، بروح متجدّدة ومتخلّقة قابلة لإحياء ذاتها وإنعاش أدواتها مع التجربة والاستخدام الذي يخضع لشرط التطوّر والتفرّد.

لطالما انحزتُ، بهيامٍ أصيل وشغف ما بعده شغف، للتفاصيل كـ"ثوابت" في عملية "الخلْق" التي أتورّط بها حُبّاً وتفانياً وتتورّط بي بذات القدر من الحبّ والتفاني؛ فعوالمي المُتخلَّقة و"المختَلقة"، على نحو صادق جداً ومُترَف جداً في الخيال، إنما تُبنى من تلك التفاصيل الكثيرة جداً، والصغيرة جداً، التي أصوغها بشخص كتابتي على نحو تصبح معه "ثوابتي". هذه التفاصيل قد لا تغازل العين وتداعب الإحساس لوهلة الإدراك الأولى، ويحدث جداً أنها لا تثير فضولنا لتستوقفنا؛ فنمشي عنها لاهين، سادرين في بحثنا عن القضايا العظمى، نتعقب "الفكرة".. فكرة "الفكرة" ونروم الجوهر.. جوهر "الجوهر".. في حين أن الفكرة "الكبرى" والجوهر "العظيم" قد يكون في التفاصيل البالغة الدقة، البالغة الصغر، والبالغة "التفاهة".

لكن "التفصيلة"، كوحدة منفصلة أو كمفردة مستقلّة مجتَزَأة من سياق اللوحة الحكائية، لا يجب أن تعني شيئاً بالضرورة، وإذا ما كان مُقدَّراً لها أن تُعطي الخَلْق الفنّي والجمالي قيمة فذلك من خلال مجموعة التفاصيل الأخرى التي تندغم معها وتتناغم وإياها في نسيج العملية الإبداعية ككل، وهو نسيج يُفترض أنه مركّب بقدر ما هو منبسط، مغلق بقدر ما هو مفتوح، جليّ وصارخ وصريح وقاطع، حدّ الصدمة أحياناً، بقدر ما يحتمل طرح شكوكٍ وتساؤلات وتكهّنات وتأويلات مشروعة.

إن الخَلْق الإبداعي حياة، والحياة مجموعة تفاصيل، تحتشد وتلتزّ أو تتبعثر وتتفرّق بحسب ما يقتضيه ظرف الحياة "المُبتدعة". والتفاصيل هي التي تمنح الحياة شرعيّة التلوّن والتغيّر والاستمرار وعيش الحياة كحياة، أو كما ينبغي للحياة أن تكون. فإذا أمكننا أن نتخيل الحياة دون تفاصيل، خاصة تلك التفاصيل التي تبهرنا بضآلتها و"تفاهتها"، فلنا أن نتوقع عندئذ سقوط الكتابة، حتى تلك التي تبدو صامدة جداً، سقوطاً مؤلماً، ذلك أنها ستكون متكئةً على لا شيء.

في لوحتي القصصية، لا أستطيع أن أكتفي بأحدهم "يجلس على كنبة". انظروا معي! "إنه يجلس على كنبة أضحى لونها القرفيّ المحمرّ حائلاً في بعض جوانبها.. القماشة عند نهاية الكوعين مهترئة تماماً، وثمة خيوط منسولة منها. ثنى إحدى ساقيه تحت الأخرى. بنطلونه الكحلي قصير أكثر مما يجب، ذلك أنه تشمّر كثيراً مع الجلوس فبان جوربه الرمادي الذي سحل حتى كاد يتجمع عند عنق حذائه العسلي ذي الرباط المفكوك." هذه لا يمكن أن تكون أية كنبة، كما أن صاحبها لا يمكن أن يكون أي أحد، حتى وإن كان "مختَلقاً"، ففي النهاية، حتى الاختلاق يجب أن يكون حقيقياً للغاية.. أليس كذلك؟ إنها كنبة بتفاصيل يصعب أن تتكرّر أو تتماثل في أية كنبة أخرى. وكم من "أحد" في الحياة، سواء في الحياة الكائنة في القص أو في الحياة خارجه، ببنطلون كحلي وجورب رمادي ساحل ورباط حذاء عسلي مفكوك؟

ما الذي تعطيه التفاصيل؟ تعطي متعة التخيّل ومتعة الفرجة في الخيال، ومن ثم التأمّل والتمعّن وتلمّظ خصوصيّة التجربة، وكقارئ "راءٍ" يشارك، معي أنا المفتونة بالتفاصيل، بفاعلية، كما آمل، في رسم عوالمي وتلبيسها اللون والصوت والإحساس. وما الذي تخدمه هذه التفاصيل؟ إنها تخدم الحياة. أيجب أن تكون دلالة على شيء بعينه أو رمزاً يمكن تفكيكه أو قيماً قابلة للتشريح؟ قطعاً نعم.. ومن جهة أخرى ليس بالضرورة. فالمتعة مشروعة أن تكون من أجل المتعة ذاتها، والشيء إنما يُذكر للشيء. والتفاصيل، كما تبوح بـ"ماورائيات" من قيم ومضامين فمن الممكن جداً أن تكون موجودة لذاتها أي لنفسها أو لجمالياتها التي تطرز الحكي فيكون أغنى، أرشق، أعمق، أمتع للعين والأذن، أكثر تلوناً، أكثر إطراباً، أكثر وهجاً وضياء في النفس التي تجد في القراءة، في واحدة من غاياتها الكثيرة، وسيلة لتحقيق المتعة للمتعة.. والمتعة فقط.

لكن التفاصيل، على اكتظاظها، إذ تكشف وتقول وتروي، فإنها في آخر الحكاية يجب ألا تكشف وتقول وتروي تماماً. ثمة فراغ يتعين أن تتركه للقارئ ليملأه بإحساسه الشخصي، حتى وإن تناقض، بدرجة أو بأخرى، مع إحساس الكاتب الشخصي، فالكنبة القرفية التي حال لونها واهترأت قماشة كوعيها قد تشي بالبؤس وقد تشي بألفة وعادة جلوس لا يمكن استبدالها. من المنطلق ذاته، فالجورب الساحل يوحي بالاستهلاك المضني، تماماً كما قد يوحي بنوع من الاسترخاء وربما اللامبالاة. إذن، لكل أن يرى ما يريد أن يرى، وأن يحس بالأشياء ويستشعرها بالصورة التي يريد أن يُحسّها بها ويستشعرها وأن يعيش التفاصيل، تفاصيلي، حتى وإن كان ذلك على خلاف الهدف الأصلي الذي أردته لها أو على نحو مغاير للحياة التي تتلبسها. فلتعطوها "الحياة" التي تريدون، طالما أن في حياتكم شرط الحياة في المبتدأ والمنتهى.

قد تجفلُ مني التفاصيل، وقد تخدعُني فتفلتُ من فهمي، فلا أرى حقيقةً ما تسعى لأن تريني إياه، ولا أسمع ما تريد أن تقوله لي، لكنني مع ذلك أحاول.. أحاول جاهدة أن أرى وأن أسمع وأن أفهم. ومع المحاولة والخطأ، ومع التجربة وإعادة التجربة، باتت عيني أكثر دِرْبةً في النظر باتساع وعمق، حتى آخر ما تحمله مدى الرؤية، وتحتمله، في هذا الجانب.

تستوقفني خصلات هيّنة من الشعر تفترش جبهة عريضة دونما نظام، ابتسامة مراهقة بسنّين معقوفتيْن من الأمام، وجه امرأة بشامة تنبز منها شعرة (وأتساءل لماذا لا تنتفها؟!)، كفّ رجل عريضة بأصابع ذات عقد نافرة، دخان سيجارة ينعقد في الجو ليصنع سحابة على هيئة امرأة نائمة بردفين مكتنزين، نقر حذاء كعبه عال فوق شارع اغتسل بمطر حديث، رفرفة جناح حمامة قريباً من الأذن، سائل أصفر لزج ينزلق على جدار ببطء، شقوق بعروق ممتدة ومتشعبة في حائط ذي طلاء أزرق مُقشَّر، دمع أبيض صامت في ليل صاخب بالنيونات الملونة، غناء حزين متكسّر ينساب فوق سرير مفروش بلحاف من ساتان بنفسجي مُقصّب بخيوط ذهبية، ضحك متوهّج يتسلق نافذة مكسورة إلى شارع مترب ببقايا إسفلت ذائب، تكومتْ عند زاويته هضبة من قمامة الحي..

أعطوني حياة، أعطكم تفاصيل..
أعطوني تفاصيل، أعطكم حياة..
أعطوني تفاصيل عابرةً جداً، "تافهةً" جداً، أعطكم حياةً على قدر عظيم من الامتلاء والأهمية.

(نص محاضرة أُلقيتْ أمام طلبة كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة "ابن زهر" في أغادير - المغرب)


إقرأ أيضاً: