آخين ولات
(سوريا)

أنت الغامضة وهو الغامض؛ ستلتقيان حتماً
ليكون الوضوح.

***

رسالةٌ غير متوقّعة، من صديقةٍ منسية.
كنا في السريان القديمة،
وكانت جارتَنا.
تشدّني رسالتها إلى ما قبل الـ ـ فيس بوك ـ بخمس عشرة سنة.
تذكّرني بأول راتبٍ لها، وآخر أمسيةٍ لي.
لكِ أسبابك لأن تتذكّري الكثير
ولي أسبابٌ أكثرَ،
لأنسى القليل.

***

سأكون أكثر لطفاً من صديقي،
ولن أمدحه على هلوساته الرائعة، التي بلغت: 18369 كلمة
بل سألعنه على غيابه.
لن أقول أنه كان فظاً، وأنه تنقصه المبادرة فقط
ليكون شاعراً أحمقاً.

***

لستُ وجع الموسلين،
ولا عواء المرايا.
ليس لي ثمانية أيدٍ، وأربعة قلوبٍ،
وأكتافٌ عديدة، تتسع الكثير من الأصابع.

***

اتفقنا على الفوضى؛
على أن نكتب الحزن لتخفيفه،
والحبّ للتبديد.
اتفقنا على ألا نشبه سوانا.

***

أُشبِهُ تفريغ الريح من الأشرعة،
والأشرعة من الريح، في الاحتمالات:
احتمالُ أن أكون المنطقة الرمادية؛
احتمالُ أن أكون الزّبد...
احتمال أن أكون المراوِغة، الكاذبة والمنافقة،
المحبوبة من قِبل رجال الدين.
احتمال ألا أكون أنا،
والأرجح أنني لن أكون إلاي.

***

غامري. قامري. عيشي أخطر لتعرفي كيف يكون الغياب،
وكيف هو الحب!!
نحن فِيَلَةٌ، تخيفها وتجرّها قوةٌ ضعيفة جداً...
قالها ذات اكتئابٍ،
والحق إن اكتئابي كان يستدعي السخرية...
نحن جرذانٌ،
أرانبٌ،
وثعالبَ تتباهى بأذيالها.

***

أفتقد مني قدماً. ساقاً. ذراعاً. يداً
وخمسة أصابع تبرهن على أنها عشرة:
تسعة لتمريرالقتل،
وواحدة فقط، لتشهد ـ وهي فوق الزناد ـ
بأن الله هو الحق.

***

أفتقد مني النّصف الأيمن من المخ،
والأيسر من الصدر.
أفتقد عيناً، وأذناً، ونصف الشفتين.
كيف للقبلة إذاً
ألا تكون ناقصة؟

***

يحطمون الأسباب؛ وكنت أشتهي البكاء بصوتٍ عالٍ،
لا تنقصه الحرية.
البحر هادئٌ، بل جليدٌ وبليدٌ،
ورصاصيٌ ـ مقرف.

***

قلت أنني لن أْؤنّب صديقي على غموضه المقصود.
سأجعله يوقن بأنني أصدق أكاذيبه، وأقنِعُني بأنه يصدق كل أكاذيبي.
قلّما تَعثرعلى صدرٍ تثق أنه يستحق البكاء عليه،
دون أن تخشى طعنةً منه.
قلّما تصبح الفاصلة شَدّةَ، وتختفي النقطة عند النهايات.
قلّما تشعر أن صديقاً لك:
لطيفٌ ومهذّبٌ إلا أنه لا يستحق الحبّ.

***

امرأةٌ هي؛ دون أن تتوجّس
ولايغريك الغلط.
دون أن تشكّ في أنّ الماضي قد صرف وقته على أخطائه،
وأن للبركان فعل التخدير واالاسترخاء.
امرأة هي؛
دون أن تشكّ بشفتين كرزيتين، وصدرٍ بارز،
وقامةٍ رشيقة.
دون أن تشكّ بأناقةٍ وحضورٍ باهتٍ،
ودون أيّ شكٍّ بعطرها؛
لن يغادر المكان.

***

ساقها الأيمن فوق ركبتيّ، أمسّد جرحاً قديماً في ركبتها.
تحكي عن أطفالها الخمسة،
بينما كنت أعتقد أنْ ليس لها،
إلا طفلٌ وحيد.

***

صوتها نصف وجهي المخبّأ،
أديره بتكّات الساعة على حائطي،
حين لا تجيد الهواء
إلا في نبضي.

***

يداكَ ترخيان عليّ استسلامكَ لقوانين الجاذبية،
وامتثالي لقوانين الطبيعة.
ثلجٌ. ثلجٌ. ثلج...
أحدّق نصف ساعةٍ في البياض.

***

ستقرؤون مسوّداتي بكثيرٍ من الفوضى، لأنّ الحافلة رجّت كثيراً
وهي تمرّ فوق الموتى!!
ثلجٌ يتكاثف في الخارج،
وصوتكَ يرمّم كلّ الفراغات.
لا تعدني بالصوت دون الاهتزازات؛
دون وجهك الفرعوني
ودون أن تأخذني البَحّةُ إلى استقامة الحِبالِ،
في النهايات اللولبية.

***

هنا تكتمل الدائرة فأعيدني إلى ذاكرة اللهب،
في المرايا السوداء:

1

لن أصوم سبعة أيامٍ؛
ولن أخطو فوق المرايا سبع مراتٍ
ولن أقرأ سورة الحمد
سبع قراءاتْ...
ذاتَ صدفةٍ ستكون لي.

2

أتخيلك ملاكاً. ديناصوراً. حصاناً برؤوسٍ لا تُحصى.
رجلاً ليس كمثله أحد.
رجلاً يشبه كل الرجال،
ولا يشبه إلاه.
أمهلك. أهجرك. أقيدك. أحررك، وأهملك أكثر
لأشرع بتكوينك متحرّراً مني:
نصف ساعةٍ من المشي في الجليد.
نصف ساعةٍ من الصمت.
نصف ساعةٍ من الزمن.
نصف ساعةٍ فقط،
وتكون أنت:
أنت.

3

فقاعاتٌ، فقاعاتٌ، فقاعات.
وكأنني اليوم فقط،
أستدرك هذه المدينة.

4

أعيدني إلى حيث انتهيتُ منك آخر مرةٍ؛
أسترجع يديّ وعيني الثالثة.

5

تفاصيلك أكثر إيماناً بقدرتي
على تشكيلها من جديد.

6

سأعاودك غداً في نفس التوقيت،
وليس ذات المكان.
سأنسى أني لم أدوّنك جيداً في المرة السابقة
وأبدأ:
كما لو أنك لم تكن.

7

سأراك أوضح بكثير حين القمر بدرٌ،
والشمس لم تهبط كثيراً.
لن أتركك للصدفة هذه المرة،
و الحظ.

8

كرة الكريستال. المرآة السوداء. أقراص الرمل.
التاروت والكابالا...
أعواد البخور مشتعلة؛
سأباشر خلقك
من الدخان.

9

أصونك من عين الشمسِ والقمرِ،
وكلّ من يدرك أنّ لملمسك
سحر اليقين.

10

أمغنطك بروحي.
بعيني هذه أزرعني فيك،
وبها أرصد كلّ اهتزازاتك.

11

النقطة ذاتها،
تلك التي: محلّ نَظر كِلَينا ـ بالتحديد.
أراك بعينٍ لا تراها المرآة.

12

والموجة هذه؛
تفضح سرّ الصنوبرة،
على ضوءٍ جديدٍ في عين السمكة...
يتبرعم الصبّار
ليهدأ الغبار.

13

كيف لجلدك ألا يستجيب لأضوائي؟
أنا الصنوبرة الصغيرة،
ألتصق بك
في كل الأماكن الظليلة.

14

أصابني اقتلاع الصنوبر،
بانخفاضٍ مفاجئٍ في الحرارة.
الانغلاق. الانثناء،
كلّ الممكنات المبدئية...
وها أنت من جديد، حيث تكتمل الدوائر
وتلتقي البدايات في النهايات.

15

أنت هنا؛
وأنا موجةٌ كونية بسبعة الوانٍ،
وسبعة فروع.

***

لم أنس رغم كل الثورات، أنه كان عليه إرسال رسالةٍ قصيرة عبر الهاتف أو الفيس بوك أو البريد الالكتروني...
قلت أني لن أوبّخ صديقي على تصرفه الفج؛
ـ ليس لأنه لا يستحق التوبيخ، بل لأنه فقط تشدّني الفاصِلَة اللعينة إلى فظاظته ـ
كنت دائماً لا أحب الفاصلة، ولازلتُ أحب النقطة ـ الحسم.
ولكن لماذا تختفي كلّما قرّرتُ وضع حدٍّ للفاصلة،
وهي تتحوّل إلى شَدّة؟

***

سأتوسّل إلى ميتان أن يعيرني الكومبيوتر الكبير.
يغيظني هذا اللابتوب، بينما يخلط المفاهيم في علامات الترقيم
وأكثر ما يغيظني، أنه يشدّني إلى الغموض:
غموض الشَّدّة في الفواصل، حيث كلّ ما دوّنته مجرّد لحظاتٍ، لا زالت ترتجّ
كلّما مرّت حافلةٌ بي.