احتجاج
أيها الجالس تحت المغفرة
طاعنا في التيه
في العصيان
في النوح المسجى حشرة
لا تدر خلفك
لا تجب دعوة الداعي إذا تدعوه الثمرة
نحن أقدامك في الساقية
وعبيدك
أيها النائم تحت المغفرة
لا نريدك .
مرحبا
لم أقل مرحبا
...
...
كان ضيف المساء نديما قديما
توقعت أن يرشف الكأس
لكنه ما رشف
لم أقل مرحبا للشغف
...
...
ها أنتذا في السريرة تبدو رقيقا
تنشر وصفا لصوت الطيور
لتبدو رقيقا
وأكثر
تنشر رائحة البرتقال الحزين
ورائحة الآه حتى الشظف
...
...
لم نقل مرحبا يا مساء
لم نقل للصديق القديم
تعال إلينا لنشرب كأسا
لا ...
لم نقل للصدف
إننا البحر والكلمات
وما يتبادر للمرحبا في عروق الأسف .
ثلاثة شهداء
الأول ..
ينهض عند السابعة صباحا
يستغرق في لحظته
يتملى ضوء الشمس المتسربل
من شق النافذة
الملقاة على خفتها في الشارع
يحمل أحلاما
كان تتعّرق تحت لحاف الليل
وهو يراقبها عن كثب
مطرودا من جنيات السفح
...
...
الأول في المدرسة كان
له دفتر نجمات من ذهب
ونعاس
أمطار تخفق في الليلة فوق وسادته
آس مرشوق عند الشباك يفيق
على صوت الديك
يمد له عبقا
وأثيرا مرسوما بالعطر
...
...
الثاني ...
منشغل في فك طلاسم غايته
سيزور الريح قبيل ذهاب الفصل الأخضر
عن ياقته الزرقاء
وسيحمل ضمة ورد لامرأة تتجلى حين تراه
بلوعتها
تضغطه بين ذراعيها كالعصفور
تلثمه من أرنبة الأذن
الى أخمص قدميه
تطير بقذلتها
وهي ترفرف حول حماسته في الحب
يربكها
حين يقول لها :
لن أخسر سنوات العمر هنا في ترتيب الأهواء
وتزجية الوقت الملعون
...
...
الثالث ..
يعرف أن الكلمات صناديق للأسرار
وأن النار على قلة حيلتها تلتهم الرغبة فيه
وتناديه
كي يفضح رقتها وهي تضيء ملامحه
عن قرب
يرسم بالطبشور على الجدران
غلالات لبيوت وأناس مسحوقين
يضحك
يهوي
يتسلق ظلا
يفتح نافذة لفراغ العالم من جلسته فوق الظل
...
...
تجمعهم ضحكتهم يوميا
يرتجفون أمام الفتيات المجدولات
يحتفلون بأعياد الميلاد معا
يرتبكون معا
يرتقبون مواعيد الفيضان معا
ينعتقون من الجدران معا
وبخفة صياد ممشوق القامة ينتصبون أمام الدبابة
وهي تضيف لنص الموت
هديرا آخر
يلتقطون حجارتهم من واد اللهفة
خلف توددهم للركض
يرون ضبابا
وصبايا يرقصن على الكرمة
ونبيذا من فردوس الله
وعقيقا يشهق في الأعناق
وعند قباب الغيم
يرون خيوطا حمراء تسيل على الإسفلت
فينبطحون
...
...
تجمعهم ضحكتهم يوميا
تجمعهم رغبتهم في الاسترسال
مع اللهفات
تجمعهم آيتهم في الحب
ومثل فراشات تأخذها اللوعة للزهر
كانوا عند قباب الغيم يلوحون
بخيوط حمراء تسيل على الإسفلت
وتنهض من عفوية مسراها
لتراهم يبتسمون
هناك .
حكاية صحراوية
شاحبة تلك المرأة
....
....
تلك الليلة
ما جاء الينا أحد نطعمه لحم أخينا
ما جاء إلينا من نسقيه الحزن
ومن نودعه أسرار مدينتنا المحروسة بخيال الظل
شاحبة ، قالت أخت تتوضأ بالدمع :
- مدينتنا
قالت سيدة ، لا تعرف من أين تدلت هذي العتمة
فوق مدينتنا المسجونة منذ سنين
قالت :
- ورقدنا دهرين على رمضاء الخوف
بلا قمح
أو نارنج
رقدنا العمر نبيع هباء الراحلة المسكونة بالتيه
الى التيه
وما جاء إلينا من نطعمه لحما
أو نسقيه نبيذا عتقناه طويلا في القهر
قالت ، نائمة في وعثاء ترحّلها :
- كان يداخلنا صمت محفور بالتيه
لا نعرف من صفرته الصحراوية
غير خماسين الموتى
ندهتنا راجلة عن رحل غمامتها ، قالت :
شاحبة تلك المرأة
زمجرة تسكنها جنيات الموت
ودبابات تخرج من شرخ الليل
الى هدأتنا
خرجت من متن الظل ، وكانت تتلوى
شهقت ، وتعطل فيها المعنى
كان الاطفال يلوكون الماء
على مهل
ويبوسون الاحلام
على مهل
ويراعون بكاء الاهل على مهل
ويدقون الأعين في قدر الماء المغلي
كانوا ينفعلون مع النار
ويرتجفون من الجوع
ومن برد يتلطى قرب يفاعتهم
وعلى مهل
شاحبة قالت :
- كان أزيز النهر المرتاب
يخف وحيدا في العتمة
ينهض مقهورا بين ملامحنا
كي نستيقظ
هل نصف مدينتنا احتلته الصحراء
وظل وحيدا ينهش رمل البين
وشفاعات القيظ المسروقة
لم ينهر أحد منا سكان الأعماق
دخلوا باب البيت
ورموا لعنتهم فينا
شاحبة تلك المرأة
وتدقق في المعنى
والكلمات
قالت :
- هل نهر أغانينا الخائف
يكفي لنرد الغزو ؟
هل نام الحراس خفافا تلك الليلة
ومضوا في الاحلام
ومراودة عصافير الرغبة ؟
كم نحتاج لنخرج من أضلاع الخوف
الى خوف آخر ؟
هل نحن وحيدين
مدينتنا تنهشها رغبتنا المكبوتة في الموت ؟
هل وقع الصوت على نصل الليل
ولكن أحد منا لم يصغ
لماء النهر المرتج قليلا ؟
***
كان أثير الصمت يحلق
ذهب الأولاد الى غفلتهم
حلموا بالقناصين
وبالقصف الليلي
وباهداب المقذوفات
حلموا بالاشجار
احترقت
كل نخيل كان طويلا
ينهض في الدكنة
ويسر لأولاد الحي برغبته في اللعب
مع الصحراء
***
شاحبة تلك المرأة
لا ماء
ولا صحراء
ولا مدن تتحلق حول الضوء
كانت تتمدد شاحبة
ودخان يعلو
وبنادق تتكسر تحت النحر
وأولاد زرعوا أصص اللعبة
بالأزهار وبالحلوى
ألقوها تحت نوافذهم في الليل
لتأكلها الدبابات قبيل الفجر
رقصوا قرب مدافعها المجنونة
ضحكوا
ماتوا من شدة ما ضحكوا
والمرأة شاحبة ظلت
قالت ، وبكت ، وتلوت
كان الوقت يميل الى منتصف القهر
وكان القهر يزف مدينتنا الأخرى للقهر .