هي تراجيديا الفن ، ربما .
هكذا غاب مصطفى الحلاج الفنان الفلسطيني الشريد ، غاب في دمشق محترقا بعد ان انقضت النيران على أعماله من لوحات ومنحوتات داخل مرسمه ، وأكلت ما أكلت ، أراد إنقاضها بما يستطيع من قوة واندفاع ، دخل هذا العاشق الطريد لانتشال ما تبقى منها من تحت ألسنة اللهب ، التي كانت لجسده الناحل بالمرصاد، فالتهمته مع لوحاته ، ليشكلان معا لوحة أخرى من التراجيديا الفلسطينية في حريق لم ينطفئ بعد ، وبرمزية مجنونة ، كتلك الطريق التي قادت هذا الفنان والشاعر والكاتب والناقد الى نهاية لا يغيب وقعها عن نهاية حلاجين كثر سبقوه ، لكنها نهاية اختلفت عن نهايات حلاجينه أولئك في سعة الفضاء الذي احتمله جهة الألم والعذاب الطويلين والمديدين ، وجهة وطن يرسمه من بعيد ، تحمله العذابات على ظهرها كمئذنة كسرت قطعتين .
ان مظهرية الحريق الذي اندفع مصطفى الحلاج الى داخله ، لينقذ لوحاته ومنحوتاته التي كانت تلتهم تحت وطأة نار قاسية ، لا تشكل في دلالة الرمز الذي استوت فيه فكرة الموت حرقا لفنان فلسطيني بعيدا عن وطنه قسرا ، لاجئا ، ما يمكن أن يشكله الاحتراق بمعناه المادي ، وهي في محمولها الرمزي ودلالتها الإنسانية ، تحيلنا الى ذروة من ذرى العناء القاهر الذي يحل بالفلسطيني في منفاه وطرده وغيابه عن وطنه .
وكأن الحلاج قام بموت كالذي كان يلمح في رسومه لكائناته التي تستمد عبقها من الميثولوجيات السورية والمصرية ، منعتقا من طوق الواقع ، في ذهاب أسطوري لا يتحقق ولا يمكن احتمال تحققه واقعيا ، وكأننا أمام واحدة من لوحاته تلك التي تحلق فيها الأجساد وتنشد الى أعلى، صارخة من الألم وشامخة ، ومستيقظة حتى وهي تخرج من الحفريات الآثارية وكتب التاريخ .
هذه تراجيديا مصطفى الحلاج .. الذي قصد دمشق ذات مساء اليم ، ليبدأ من هناك غمس ريشته في شفق العذاب الفلسطيني ، ولينهض من الرماد كعنقاء الفلسطينيين ، وليغيب في الرماد كتلك العنقاء .
ذهب وفي يده ريشه وإزميل .. ريشة يخط بها صوره العذبة والمعذبة ، ليسجل في تاريخ الفن الحديث اكبر لوحة عرفتها جدران القاعات الفنية ا لمعاصرة ، ورسمها فنان واحد ووحيد اسمه الحركي والأليم: مصطفى الحلاج .
يشيد الحلاج ألمه داخل نصوص بصرية مدهشة، فهو واحد من أبرع الحفارين على الخشب في عالمنا العربي ، خرج بلوحته من المرحلة النضالية المباشراتية الصارخة ، وكأنها هتاف أو شعار محمول على أكتاف المتظاهرين ، في الستينيات والسبعينيات ، الى اللوحة التي تشتق ضوءها من الدلالة والمعنى ، برمزية تتمسك بقراءة الحاضر والتحريض على عتماته اللامتناهية .
ولم تكن فلسطين لتغيب عن أعمال الحلاج ، لا .. فهي التي دفعته الى أن يشكل منحى جديدا في ا لرسم الفلسطيني ، ويكون واحدا من المؤسسين لتحولاته الجديدة ، وباعثا على إيقاظ الرغبة في الانعتاق من أسر المباشرة ن وتهشيم الشعاراتية داخل اللوحة التي كانت تتحول في بدايات انطلاق الثورة الفلسطينية غالبا الى ملصق سياسي ، ينتهي بمجرد أن تنتهي مناسبته .
وبشخصيته المتمردة والعبثية عرف هذا الفنان الكبير ، طريقه الى العزلة الاختيارية ، لم يقترب من الإعلام خوف ان يحترق بوهجه ، ولم يمارس أي نوع من التقرب الى أي مؤسسة رسمية ، نائيا بنفسه عن صغائر الممارسات التي تدور غالبا على الكعكة الحجرية والتي تدهم فنانينا من قبل المؤسسات الرسمية ، المحكومة الى ظلال السلطة والدافعة الى استقرار الفنان أو المبدع لإقالته من لحظة تمرده التي تدفع عر وق التوهج عاليا في عمله إبداعه .
ظل مستظلا بريشته وإزميله ، يرسم وينحت ويصور ويكتب ويرقش ألمه الفلسطيني حتى احترق به ، وظل حاضرا كزيتون فلسطين في سيرة التشكيل الفلسطيني والعربي ، حتى دونها بنهاية لا تشبه أي نهاية ، وظل مأخوذا بحلم العودة حتى لو كانت من مناداة ديكته وطيوره الشامخة التي احتشدت في أعماله ، ليغيب غيابا مدويا كما العاصفة ، بعد ان حرس اللون والخط والحجارة ،
وبغياب مصطفى الحلاج المؤلم .. نحلم ان يجري جمع ما تبقى وما نجا من أعماله، ربما تأتي ساعة قادمة من شفقه الحزين لتقول لأجيالنا الغائبة في المنافي: هذا طائركم الغريب يرقص على جدران متاحفكم .