صبحي حديدي
(سوريا/باريس)

صبحي حديديفي عام 1908، وتعليقاً على معرض مشترك للفنانَين الفرنسيين جورج براك وراؤل دوفي، نحت الناقد الفرنسي لوي فوسيل عبارة "الشذوذ التكعيبي" دون أن يدري أنه إنما يطلق اسماً على واحدة من أخطر حركات الفنون التشكيلية الأوروبية، وأوسعها انتشاراً إلى الفنون الأخرى مثل الموسيقى والأدب والعمارة. لكنّ المدرسة التكعيبية كانت قد بدأت قبل عام، على يد براك نفسه وبابلو بيكاسو، اللذين امتزجت عندهما تاثيرات الفنون الأفريقية بالأعمال المتأخّرة للمعلّم الكبير بول سيزان، فضلاً عن التطوّرات الأخرى التي عصفت بالمفاهيم التقليدية حول الشكل والكتلة. ولهذا فإنّ العالم يحتفل، هذه السنة 2007، بالذكرى المئوية لانطلاقة التكعيبية.

وعلاقة التأثير والتأثر بين الحركة والأدب عموماً، ثمّ الشعر بصفة خاصة، تقتضي وقفة موسعة مفصلة ليس هنا مقامها المناسب. ولكن من الثابت، والمثير كذلك، أنّ الشعر الفرنسي لعب آنذاك دوراً حاسماً وبالغ الحيوية في تطوير الحركة على صعيد الفنون التشكيلية، قبل أن يجري تبادل الأدوار فينخرط الشعراء أنفسهم في حال من التأثر العميق بما أنجزته أعمال كبار التكعيبيين على القماش. وإلى جانب غيوم أبولينير، الشاعر الذي كان ناقداً تشكيلياً أيضاً، اقترن بالحركة شعراء من أمثال بليز سيندرار، جان كوكتو، ماكس جاكوب، أندريه سالمون، وبالطبع بيير ريفردي: "كبيرنا وشاعرنا القدوة"، حسب عبارة لوي أراغون.

هذه أسماء نالت حصة عالية من الشهرة في حوليات التأريخ للشعر الفرنسي المتحالف مع المدارس الفنية الأبرز حينذاك، التكعيبية والبدائية والسوريالة والدادائية، الأمر الذي لا يعني أنّ دينامية الانطلاق لم تعتمد على جنود مجهولين لم يُكتب لهم الحظّ ذاته من الشهرة. في طليعة هؤلاء تأتي مجموعةAbbaye de Créteil، نسبة إلى دير يقع في إحدى الضواحي الجنوبية للعاصمة الفرنسية وتيمّناً بـ "دير تيليم" كما صوّره فرانسوا رابليه في القرون الوسطى، وأعاد اليسار الفرنسي تكريمه مطالع القرن الماضي بوصفه رمز المساواة والعدل الاجتماعي. وهذه المجموعة تأسست سنة 1906، وضمّت الشعراء أو الشعراء ـ الرسّامين شارل فيدراك وجورج دوهاميل ورينيه أركوس وألبير غليز وهنري ـ مارتان بارزان وألكسندر مرسيرو، وكان لها السبق في التمهيد المؤسساتي لولادة الحركة التكعيبية.

وخارج اللغة الفرنسية يُشار عادة إلى ثلاثة شعراء أمريكيين، كنيث ركسروث وجون أشبري ورون بادجيت، اعتمدوا كثيراً على المجازات التكعيبية في أعمالهم، فضلاً عن قصيدة والاس ستيفنز الشهيرة "ثلاث عشرة طريقة للنظر إلى الطائر الأسود". لكنّني أستعيد الذكرى المئوية للمدرسة التكعيبية، ذات العمر القصير (فرنسا 1907 ـ 1914) والنفوذ المديد، لكي أتوقف أيضاً عند أديب عربي تكعيبي كبير، هو القاصّ والروائي العراقي محمد خضيّر، الذي لمع في أواسط الستينيات من القرن الماضي حين نشرت مجلة «الآداب» اللبنانية قصته القصيرة الشهيرة «الأرجوحة» وأفرد لها رئيس تحرير المجلة الدكتور سهيل إدريس تنويهاً خاصاً؛ وكذلك قصته القصيرة الثانية الشهيرة «تقاسيم على وتر الربابة»، التي امتدحها بشدّة الأديب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني.

ورغم أنّ تحفته "بصرياثا" تنطوي على الكثير من عناصر التصوير التكعيبي، إلا أنّ العمل الأشدّ وضوحاً في هذا الخيار الأسلوبي هو روايته الثانية«كرّاسة كانون»، التي صدرت في بغداد سنة 2001، حيث سعى خضيّر في هذا العمل القصير (127 صفحة) إلى تركيب أنساق متعددة من المزج البارع بين السرد الرؤيوي وإعادة استنطاق اللوحة التشكيلية، وتحديداً في أعمال غويا وبيكاسو وهنري مور، وصولاً إلى تلك الشبكة المشتركة من التشكيل السردي/السرد التشكيلي. وفي الصفحة الأولى، بعد اقتباس عبارة غويا «عندما ينام العقل تستيقظ الوحوش»، يعلن الراوي أنه شرع في تخطيط عدد من الوجوه القابعة حول موقد الشتاء، وذلك في شهر كانون الثاني 1991، في «ليالي التعتيم التي أعقبت الهجوم الجويّ». كذلك يعلن نوع المدينة التي يعيش فيها، بالفعل أو في مستوى التخييل: «كنت على الأرجح أتحرّك على سطح مدينة انتسختُ صورتها من ذاكرة المدن السومرية، مركّبة من خيال بيكاسو المكعّب أو حلم غويا العقلي المتعدد السطوح. مكعّب بانورامي لمدينة عراقية، أنتقل من سطح إلى سطح من وجوهه، برفقة شخصياتي التي تحمل الفوانيس وتشاركني حلمي، أو الأرجح أني أشاركها الحياة على مكعب أحلامها المتقلب في تخطيطاتي».

ولهذا يقسّم خضيّر "كرّاسة كانون" إلى فصول مرقّمة (من 1 إلى 6) تتولى تقديم الجانب التشكيلي من السرد المشترك الذي يشير إليه، أي استعراض الخلفيات التاريخية والاجتماعية والرمزية لعدد من أعمال غويا وبيكاسو ومور، ومحاولة زجّها ما أمكن في سياقات من التقابل/التضادّ الحضاري بين الغرب والشرق، حيث تكون حرب الخليج الثانية هي الخلفية الدائمة والأعمق. وهنالك، بالتناظر مع هذه، ستة فصول أخرى تتولى حصّة السرد القصصي وتشكّل المعادل المقابل للنسيج التشكيلي الذي صنعته الفصول المرقّمة. لكنها، أيضاً، تحمل عبء الغوص في تفاصيل الحياة العراقية المعاصرة، وعواقب حرب الخليج الثانية بصفة خاصة، من زوايا شديدة الإخلاص لمبدأ خضيّر في اقتناص التفصيل الرؤيوي من ركام معقّد متشابك من الوقائع والمعطيات والحقائق.

ولعلّ "الشذوذ التكعيبي"، لكي نستعيد عبارة فوسيل، كان وحده الأقدر على اقتياد خضيّر في دياجير باطن البصرة تلك الأيام، حين كانت البربرية الأمريكية تقذف الحمم على شطّ العرب!