صبحي حديدي

صبحي حديديساعة رحيله في عام 1933، عن 70 سنة، كان الشاعر اليوناني الإسكندري الكبير قسطنطين كافافيس قد ترك حزمة من الأوراق الشخصية، بينها مسوّدات 30 قصيدة، بعضها ذات اكتمال فنّي عالٍ بالقياس إلى أسلوبيات الشاعر الماثورة، وبعضها واضحة النقصان وأقرب إلى مشروع قصيدة. ولكنها جميعها كانت حسنة الترتيب، موزّعة على مصنّفات، مقترنة بهوامش وملاحظات لا تلقي الأضواء على المسودات ذاتها، فحسب؛ بل تزوّد الباحثين بمعطيات ثمينة حول عادات كافافيس في الكتابة، والمراجعة، والشطب، والتبييض. وكان الشاعر قد همس لأحد أصدقائه في العاصمة اليونانية أثينا، أثناء آخر رحلة علاج من سرطان الحنجرة، أنه ترك في الإسكندرية مخطوطات غير منشورة.

ومع ذلك، بقيت تلك القصائد حبيسة الأدراج المعتمة طيلة أكثر من ستة عقود بعد رحيل الشاعر، وبعد وصولها إلى ورثته وأصدقائه، فظهرت سنة 1994 في طبعة يونانية خاصة، مصوّرة وأكاديمية تقتصر على الباحثين، قبيل إطلاق الطبعة الشعبية العامة. وبالطبع، لم يكن أصحاب الشأن، إسوة بالقيّمين على 'أرشيف كافافيس' في أثينا، راغبين في حجب قصائده عن محبّيه وجمهوره العريض، الذي كان قد عبر حدود الثقافة الهيللينية إلى أربع رياح الأرض، بقدر ما كانوا حريصين على التماس أقصى الحذر في التحقق من القصائد؛ بوصفها مخطوطات غير منشورة، في المقام الأوّل؛ ثمّ لأنّ مشكلات طباعية ونصّية صرفة لا بدّ أن تكتنف نسبتها إلى شاعر كبير، ونشرها باسمه بعدئذ.

واليوم، بفضل الناقد والمترجم الأمريكي دانييل مندلسون، في وسع جمهور كافافيس من غير قرّاء اللغة اليونانية أن يستكشفوا تلك القصائد الثلاثين، في ترجمة بديعة إلى اللغة الإنكليزية، صدرت بعنوان 'كافافيس: القصائد غير المكتملة'. وجدير بالإشارة ـ على الفور، ولتثمين مشاقّ هذا الطراز من الاشتغال على مسودات الشعراء ـ أنّ النصوص ذاتها تشغل 33 صفحة من الكتاب، في حين أنّ مقدّمة المترجم وهوامشه وشروحاته لا تقلّ عن 75 صفحة! هنالك تسع قصائد تدور حول هواجس ذاتية وإنسانية، مألوفة في موضوعات كافافيس؛ وهنالك 21 قصيدة، غنائية النبرة، رغم أنها تتناول شخصيات تاريخية، أجملها في يقيني قصيدة 'زنوبيا'، وفيها يقول: الآن وقد صارت زنوبيا ملكة على أراض شاسعة واسعة/ الآن والأناضول قاطبة تهيم بها عجباً/ وبات الروم أنفسهم يخشون بأسها/ ما الذي يحول دون اكتمال عظمتها؟/ وما الذي يستوجب احتسابها امرأة آسيوية؟'

المسودات تغطي جغرافيات شتى، يونانية قديمة وأخرى حديثة؛ ولكنها تمرّ بسورية والهند وتركيا ومقدونيا، فضلاً عن مدن مثل مرسيليا وروما وأنطاكيا وقرطاجة، و... لا بدّ من الإسكندرية، بالطبع، على نحو يشدّد السؤال الكبير القديم: أية إسكندرية تلك التي تسكن شعر كافافيس؟ هل هي إسكندرية ذلك المنفيّ الهيلليني القادم إليها من القسطنطينية، مثلما تلتقطه قصيدة 'المنفيّون'، بعد ألف عام من أوج بهائها في عصور البطالمة، وقبل ألف عام من ولادة كافافيس في شارع شريف باشا، حين كانت الجالية اليونانية السكندرية تعيش عصرها الذهبي؟ أم هي 'الإسكندرية التي ما تزال تسير على هواها، إسكندرية'، كما يقول المنفيّ حين يرفع المكان إلى مصافّ مدينة المخيّلة، والمدينة التي تستجيب أكثر للرمز الأعلى وللنمط الكوني؟ أم هي الإسكندرية التي لا يكمن سرّها في ما كانت أو ما أصبحت عليه في الماضي السحيق، أو الوسيط أو الحديث، بل في أنها 'مخلوقة مدن شعرية نُحتت على صورتها، وتحاكيها ما أمكن، أو حتى ما يجب أن يكون، في الجوهر'، كما يرى الناقد الأمريكي إدموند كييلي، في كتابه الممتاز 'إسكندرية كافافي: دراسة في أسطورة متواصلة'؟

إنها، في كلّ حال، تلك الإسكندرية التي التقطها كافافيس في عشرات القصائد، ولكنه توغّل خصوصاً في عمق روحها الكونية حين كتب 'الإله يخذل أنطونيو'، التي اختار الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف سطرها الأخير، 'وداعاً للإسكندرية التي تفقدها'، عنواناً لترجماته البديعة من شعر كافافيس، وكان لها أثر حاسم ومديد في تشكيل ذائقة الشعر والشعرية العربية المعاصرة. وفي 'سلالة'، ضمن القصائد الثلاثين التي ترجمها مندلسون، نعيد اكتشاف ولع كافافيس بالتهكم على ملوك البطالمة، والتعريض بالإنحلال السياسي والأخلاقي لملوك الإغريق في الإسكندرية خلال القرن الثاني قبل الميلاد، مقارنة مع إرث الفراعنة عموماً، وسلالة الملكة كلوباترا الثالثة خاصة. كما نكتشف، في الهوامش التي دوّنها الشاعر على الصفحة الأولى من مسودة تتألف من أربع صفحات، مقدار حرصه على البحث في بطون كتب التاريخ، للتثبت من تفصيل صغير عابر، في قصيدة من تسعة سطور!

لكنها سطور تضمّ 55 كلمة، استدعت من مندلسون أن يكتب قرابة 370 كلمة في التعليق على مشكلاتها الطباعية والدلالية، وإسنادها إلى شعرية كافافيس، لغته ومجازه وتقنياته، واحتمالات شطب هنا، أو علامة استفهام هناك، والسبب في أنّ الشاعر فضّل هذا العنوان على عنوانَيْن آخرين دوّنهما على ظهر الصفحة، من باب الاحتياط، وسوى ذلك. تلك، كما يقول مندلسون، ليست مشقة التحقق من مسودات الشعراء الكبار، ومسؤولية إظهارها على الملأ، فحسب؛ بل هي المتعة في هذا كلّه، وهي جوهر المثوبة أيضاً.

2010-08-29