صبحي حديدي

صبحي حديديالأرجح أنّ أغلبية عريضة من شرائح القرّاء العرب لم تقرأ سعيد عقل (1912ـ 2014) قراءة نصّية، بل تعرّفت إليه، واُعجبت بشعره، سماعياً وعبر قصائده، الفصحى والمحكية، التي لحّنها الرحابنة، وغنتها فيروز. كذلك كانت هذه الصيغة، في التعرّف، قد خضعت لطغيان الحماس والعاطفة، وليس مقادير الحدّ الأدنى من أواليات التذوّق الجمالي؛ بالنظر إلى أنّ تلك القصائد كانت تلهب الإحساس الوطني المحلي (قصائد دمشق وبيروت وبغداد…)، أو القضية الفلسطينية («سنرجع يوماً» و «أحترف الحزن والانتظار»، «سيف فليُشهر»…) أو الرموز الدينية («غنّيتُ مكة»)؛ فضلاً، بالطبع، عن قصائد الحبّ العذبة، المشبَعة بمزيج من الرومانس والرمز والرعوية («المرجوحة»، «شال»، «يارا»، «فتّحهن عليّ»، «لمين الهدية»…).
الأرجح، في المقابل، أنّ القسط الأعظم من سوء سمعة عقل، وانحطاط صورته في الوجدان العربي، ارتبط بمواقفه المشينة من الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ومن مجزرة صبرا وشاتيلا والفلسطينيين، إضافة إلى ذلك العصاب الشوفيني، والعنصري والفاشي، الذي استبدّ به طيلة ربع قرن من سنوات حياته الأخيرة. وإذْ أجاز الكثيرون لأنفسهم رفاه التمتع الأقصى بما غنّته له فيروز من قصائد، خاصة أبناء سوريا الذين يصغون بلا ملل إلى «قرأتُ مجدك» و «سائليني يا شآم» و «مُرّ بي» و «طالت نوى»… فإنّ قلّة قليلة سعت إلى اكتشاف الشاعر في الرجل، والتعرّف على خصائص شعره الفنية، ومصالحته أو منازعته على أسس جمالية في المقام الأوّل.
كلا الممارستين، الإعجاب بالقصيدة عن طريق فيروز حصرياً، والحطّ من صاحبها بوحي من مواقفه المشينة، كانت تنتهي إلى غبن الشاعر، وربما الافتئات على منجزه عن سابق قصد وتصميم، دونما قراءة تنصفه في مستويات التثمين الأبسط. قلّة، أغلب الظنّ، هم الذين قرأوا «بنت يفتاح»، 1935، مسرحيته الشعرية التي تناولت الحكاية التوراتية من زاوية ملحمية ـ غنائية كانت، في زمنها، سابقة كبرى؛ خاصة وأنه كتب لها مقدّمة نقدية مدهشة، حول الفوارق بين مسارح شتى (أو «مراسح»، كما كان يقول): الإغريق، وراسين، وهوغو، وشكسبير. وكم من القرّاء تنبهوا، في ثلاثينيات القرن الماضي، إلى حسّ الثورة العارم، على صعيد المجتمع واللغة الشعرية معاً، في هذين البيتين: «لي، مثل غيري بالعلا/ المئناف، مرمىً وافتتانُ/ أنا لا أذلُّ، وفي جبين/ الشمس يبدو لي مكانُ»؟

في مقدّمة مجموعته «مجدلية»، 1937، امتدح عقل «قوّة اللاوعي» في إعانة البشر، ومنهم الشعراء بالطبع، على نحت صِيَغ تعبيرية مفاجئة وليست معهودة في المعجم، ولا تستبقها أصول وأمثلة؛ وجزم، هكذا: «أرى أنّ اللاوعي هو رأس حالات الشعر. ورأس حالات النثر هو الوعي». وهو يقتبس جول كومباريو، الباحث الموسيقي الفرنسي، في «أنّ الموسيقى عند الموسيقيّ الحقّ، أوضح من الكلام. وما كان الكلام إلا ليزيدها إبهاماً. وهو يزعم أننا إذْ نفكر دونما مفهوم، فإنما نفعل لا لنتخلى عن الأشياء التي يمثّلها مفهومها بل، بالعكس، لنستولي عليها بأقوى». ونقرأ، تالياً، تجسيد هذا التنظير في مثال من قصائد المجموعة: «وأبانتْ/ عمّا يُظنّ كلاماً/ فتأنى السكونُ/ والآنُ/ تاها/ من أساريرها اكتستْ عَطَفاتُ النهر/ زهواً/ وميسةُ البان/ جاها/ تنقلُ الرِّجلَ في التراب/ جناحاً/ تطأ الأرضَ/ كالجناح/ فضاءَ».
وهكذا، في قياس مقارن، إذا توجّب على كارهي مواقف عقل السياسية والأخلاقية أن يكرهوا قصيدته استطراداً، فإنّ عليهم كره شعر محمد مهدي الجواهري (الذي قال، في مديح الطاغية حافظ الأسد: «سلاماً أيها الأسد/ سلمتَ ويسلم البلد/ وتسلم أمّة فخرت/ بأنك خير من تلد». وعلى أنصار طلال حيدر أن يراجعوا حماسهم لشعره، لأنه ذات يوم شتم الفلسطينيين الذين «باعوا أذان العصر/ تا يشترو بستان»؛ وسار على درب الجواهري في تبجيل آل الأسد: «لاقيت الأسد سهران/ جايي عا ضهر البراق/ تا يخلّص الآذان/ وجايب معو هالشمس/ تتمشى على الجولان».
وفي ميدان آخر، على محبّي غناء صباح، الشحرورة المبدعة التي رحلت قبل أيام، أن يتوقفوا عن سماعها لأنها، في افتتاح مهرجان دمشق السينمائي سنة 2007، غنّت عن «شموخ» بشار الأسد، الذي «لا يهتزّ عرشه». وأمّا جمهور وائل كفوري، فليتذكر له هذه الأغنية: «يا سوريا رشّي طيوب/ على بوابك دار ودار/ نحنا وشعبك صرنا قلوب/ تا توسع إبنك بشار». أو زميلته، نجوى كرم: «بدنا نحافظ/ بدنا نجاهد/ بالروح البعثية/ ونسلّم بشار القائد/ رايتنا السورية»!
ومَن كان بلا سعيد عقل، في الرياء أو في البغضاء أو في الخبل، فليرجمه بأوّل حجر!

القدس العربي- November 30, 2014