صبحي حديدي
(سوريا/باريس)

صبحي حديدي

الأركانة شجرة مباركة فريدة، لا تنبت إلا في المغرب، في منطقة محصورة من جنوب البلاد، بين الأطلس الكبير وحوض ماسة. وهي تطرح ثماراً شبيهة بالزيتون، تُعصر، فيُستخرج منها زيت فائق المزايا، يُستخدم في الغذاء والعلاج الطبيعي والتجميل. أعضاء هيئة بيت الشعر في المغرب تنبهوا إلى هذا التفرّد في هيئة الشجرة وثمرها، فأطلقوا اسمها على الجائزة الشعرية الأرفع في المغرب، وأرادوها 'جائزة الصداقة الشعرية، التي يقدّمها المغاربة لشاعر يتميّز بتجربة في الحقل الشعري الإنساني، ويدافع عن قيم الاختلاف والحرية والسلم'.

ولقد شرّفني الأصدقاء في بيت الشعر برئاسة أعمال لجنة تحكيم جائزة الأركانة لهذا العام، 2009، والتي ذهبت إلى الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف، كما بات معروفاً، وأُقيم حفل تسليم الجائزة في مسرح محمد الخامس في الرباط، قبل أيام. وكان بيت الشعر قد كرّم تونس، في سنة شاعرها الكبير أبي القاسم الشابي، فضمّت لجنة التحكيم الشاعرين المنصف الوهايبي ومحمد الغزي، بالإضافة إلى حسن النجمي، بنعيسى بوحمالة، ونجيب خداري، رئيس بيت الشعر.

والحال أنّ لجنة التحكيم هذه لم تعقد اجتماع محكّمين بالمعنى التقليدي المتعارف عليه في شؤون تحكيم الجوائز، لسبب بسيط وجوهري في آن، هو أنّ قامة سعدي يوسف كانت شاخصة أمامنا، حاضرة في ضمائرنا، دونما اتفاق مسبق بيننا؛ وكانت قصيدته تجوس مكان الاجتماع وتسبغ ـ على مألوف عادتها ـ البهجة والإعجاب والإجماع.
صحيح أننا تناقشنا، مطوّلاً في الواقع، ولكن ليس لأنّ أحداً منّا كان له رأي آخر، في اسم آخر، بل لأننا كنّا أشبه بالمتسابقين على إطراء ما اتخذناه لتوّنا من قرار.

وبهذا المعنى فإنّ تقرير لجنة التحكيم كان جهداً نقدياً معمقاً، وموجزاً مكثفاً حسب مقتضى الحال، يسعى إلى تلمّس فرادة هذه التجربة الشعرية الفذة، لشاعر 'محنّك، فطن، ومبتكر لا يمكن التطرّق إلى الشعرية العربية المعاصرة، واستثارة كبريات قضاياها وأسئلتها، سيروراتها وتمفصلاتها، بمعزل عن استحضار البصمة القوية والنوعية التي كانت له، هو بالذات في هذا الشأن: معاجم وتوليفات، موضوعات وتلوينات، وأخيلة وتمثلات'. وأشار التقرير إلى أنّ الجائزة إذْ تذهب اليوم إلى سعدي يوسف، بعد بي ضاو من الصين، ومحمد السرغيني من المغرب، ومحمود درويش من فلسطين، فإنها تسهم في تكريم 'منجز شعري مديد ثريّ، يغطي حوالي ستة عقود، ويؤشر على كدّ تصوّري عصامي وملحاح، وعلى مثابرة كتابية جديرة بالإشادة، كانت لهما آثار ملموسة ومحفزة'.

وتعنيني، شخصياً، الإشارة إلى سمة أعتبرها مركزية في هذه التجربة الثرّة، وهي أنّ سعدي بدأ وظلّ شاعر تفعيلة، لكنّ السيولة التعبيرية العالية التي طبعت لغته الشعرية، وتشكيلاته الإيقاعية، وموضوعاته التي أضاءت التفصيل اليومي العابر، مثلما التقطت الباطن العميق في هواجس الجموع المهمشة، والوجود الكسير والشقيّ والمنفيّ... جعلته أحد أبرز الآباء عند جيل من شعراء قصيدة النثر العرب قرأوا سعدي في مطلع شبابهم الشعري، وها هم اليوم في عداد أبرز أصوات هذا الشكل في الكتابة الشعرية. (عباس بيضون، على سبيل المثال، يعتبره 'أحد المعلّمين الأهمّ في شعرنا'؛ ومحمود درويش، في نصّ كُتب احتفاءً ببلوغ سعدي سنّ السبعين، كتب: 'قد أجازف بالظنّ أنه، ودون أن يكتب قصيدة النثر السائدة اليوم، أحد الذين أصبحوا من ملهميها الكبار').

أشير، كذلك، إلى أنّ خيارات سعدي يوسف السياسية والإيديولوجية، وانحيازاته المزمنة إلى القضايا الكبرى، الخاسرة غالباً ولكن النبيـــــلة المشرّفة دائمــــاً، لم تُلحــــق الأذى الفنّي بقصيدته على امتداد عقود التجريب والارتقاء الطويلة التي عاشتها تلك القصيدة، ولم تضــعف خصائصها الفذة التي تنامت وتعاظمت على نحو فائق. كان العكس هو الصحيح، في الواقع، لأنّ المنحاز إلى الحرّية والخبز والكرامة الإنسانية والوطنية، لم يكن البتة أقلّ ـ إذا لم يكن، في نماذج عديدة، أكثر ـ انحيازاً إلى حقوق الفنّ الشعري، وحرّية القصيدة، وجماليات الإبداع.

واليوم ينتهي سعدي إلى ما استخلصه إدوارد سعيد في السنوات الأخيرة من حياته: 'ترحلت، حتى ما عاد من مرتحَل!'، يقول في حوار مع حسن النجمي، ويضيف: 'أحياناً أضع خارطة العالم أمامي، لأعرف في أيّ أراضٍ حللتُ، مبتدئاً بالعراق، غير منتهٍ إليه. لقد منحني الترحال سعادة المستكشف، وخفّة جوّاب الآفاق. منحني فرصة التفرّس في الأماكن والناس والثقافات، واحترام الأماكن والناس والثقافات'. لكننا نعرف أنّ العراق ينبض، أبداً، في قلب هذا العراقي الكبير، في قصيدته، وفي مواقفه اليومية، في الحلّ والترحال؛ وهو، تالياً، جوهر السبب في أنه يتعرّض إلى حملات شرسة تأتي غالباً من بعض مواطنيه العراقيين المطبّلين للاحتلال الأمريكي. وقبل سنوات اعتبرتُ أنّ رياحاً كهذه لا تهزّ جبلاً مثل سعدي، أوّلاً؛ وهي، ثانياً، تشحذ همّته أكثر، فيصبح أشدّ عزيمة، وأمضى أسلحة؛ وأضيف،اليوم: أرفع تكريماً، بدليل ما لقيه في الصين من احتفاء، سبق الأركانة بأيام معدودات.

هو هناك، في منافيه الكثيرة، ولكنه ـ على شاكلة ما كتب في وصف هادي العلوي ـ يقيم أيضاً 'هنا، في الضفّة الأخرى بعيداً عن مزارٍ عابرٍ عن جسدٍ أو بُلْغةٍ كان على التُّرْبة يختطّ قناديلَ من الأوراق أَبراجاً وراياتِ حريقْ'...

القدس العربي
02/11/2009