هامش لتكتشف الصورة تحولاتها

جهاد الترك
(لبنان)

أحمد زرزورمن قلب الحضور الى أروقة الغياب، مسافة قد تطول أو تقصر وفقاً لطبيعة الرؤية الشعرية وتحولاتها وتجلياتها كذلك. والأرجح أنها الرحلة القسرية التي يقطعها شاعر متكبداً مشاقها ليصل الى حيث لا يصل ظناً منه أنه اجتاز المتاهة بأقل أضرار ممكنة. وقد يعجز شاعر آخر عن المضي في هذا التجوال المضطرب المفعم بالإرباك والحيرة. ومع ذلك، يُهيأ له أنه اجتاز المتاهة بأمان، وهو لا يزال يراوح مكانه مأخوذاً بالوهم المضلّل الذي يمارسه الشعر عليه. الأول يجتاز المتاهة ولا يصل لأنه لا يرغب في ذلك إدراكاً منه أنه لا ينبغي للشعر أن يصل الى أي مكان وزمان حتى لا يسقط في أول الطريق أو منتصفه. والثاني لا يتعدى كونه مشروعاً صغيراً أو متواضعاً في أحسن الأحوال من شأنه أن يستبدل الشعر بالسعي إليه وغالباً ما يرتد عن أسواره محبطاً، ومع ذلك فهو لا يقرّ بالهزيمة ولا يعترف بضآلة موهبته في اجتياز المسافات الشاسعة.

لا استسلام للمتاهة

الأغلب أن أحمد زرزور ينتمي الى الفئة الأولى التي تحيله شاعراً عنيداً قوي الشكيمة لا يستسلم منذ اللحظات الأولى أمام المتاهة وهي تتحول صحراء مجحفة كلما امتدت بها المسافة نحو المجهول. تظهر هذه الميزة، بأشكال تجريبية مثيرة للجدل والدهشة معاً في مجموعته الشعرية الجديدة «نونيا» الصادرة حديثاً عن «دار النهضة العربية» في بيروت. نلحظ في هذه النصوص السبعة عشر التي ينطوي عليها الكتاب، أن صاحبها ينتقل بها، بحذر شديد، من رصد الواقع في تفاصيله الكثيرة المشوقة الى حالة أعمق إحساساً بما تقع عليه العين في زحمة الحياة اليومية. ليبدأ، بعد ذلك، الانتقال الى مرحلة أبعد وأكثر خطورة تتمثل في الكشف عن دلالات هذه التفاصيل، وهي تتشظى أمامه من حالة الكل الى الجزء. ولعله يرمي بذلك الى إعادة تشكيل هذه الأجزاء المتناثرة على نحو تنقطع به صلتها بما كانت عليه في السابق. وفي هذا ما يمكن اعتباره التوغل عميقاً وبعيداً في المتاهة. وهي الهوة الفاصلة بين الشكل المتداول والمتعارف عليه في عالم الأشياء الواقعية، وبين تجلياتها في الرؤية الشعرية. لا يزعم أحمد زرزور أنه مزمع على الانتقال دفعة واحدة من هذه الضفة الى تلك. يفضل السير بهدوء متوخياً أقصر الطرق وأكثرها سلامة وأقلها حفراً ليتجنب السقوط في الهاوية. ومع ذلك، فهو ينجح أحياناً ويتعثر أحياناً أخرى. غير أنه ينهض بسرعة. يضمّد جراحه على عجل. يتحامل على نفسه مستكملاً رحلته الى عالم الغياب. هناك يعيد ترتيب أوراقه المبعثرة. يكتشف بعض ما خفي عليه من نفسه ليشرع بعد ذلك الى اكتشاف الصوت الآخر والبعد الآخر والشكل الآخر للأشياء التي خلفها وراءه قبل أن يلقي بنفسه في المتاهة.

رهبة الطريق

صحيح أنه يتعثر أحياناً وهو يطارد ظله أو يهرب منه أو يختبئ منه وهو يتقدم حثيثاً لاكتشاف المعنى الآخر الذي غاب عنه في عالم الحضور. ولكنه يستدرك، على الفور. يتخذ من هذا التلكؤ الموقت ذريعة موضوعية للبحث عن الأشكال الجديدة للأشياء من دون أن يبدر منه ضيق بصعوبة المتاهة او خوف منها أو ندم على ارتيادها. كلما فعل ذلك، لاحت أمام ناظريه من البعيد أضواء الغياب الخافتة. يتبعها بتؤدة مستمهلاً نفسه سرعة الوصول إليها حتى لا تفوته رهبة الطريق الوعرة إليها. يتقدم وينكفئ على نحو لا يتعذر عليه الإحاطة بالمشهد من جوانب متعددة. والأهم، في هذا الكرّ والفرّ، أنه لا يفقد البوصلة. يمسك بها بقوة حتى لا تسقط منه فيخسر عندئذ إحساسه بالاتجاهات، فلا يعود قادراً على التحرك في أي منها.

من هنا أهمية التجريب الذي يعول عليه زرزور ليخرج من هذه المتاهة وقد مُني بخسائر قليلة وأرباح كثيرة. والمستغرب، في هذا الإطار، أنه في اللحظة التي يشعر أنه بات قريباً من موقع الغياب عن الأشياء التي تركها وراءه، يتريّث قليلاً. يلتفت رويداً الى الخلف. يتراجع خطوة. يصمد في مكانه لحظات. ثم يعاود الخطى من جديد. معادلة مدروسة، على الأرجح، يتشبث بها في معظم نصوص الكتاب. مردها الى رغبة دفينة لديه في عدم الانسياق للغياب الكامل قبل أن يتشبع، على الأقل، بما يرفد تجربته في الانتقال من عالم الحضور الرتيب الى عالم الظلال حيث يتداخل كل شيء في سائر الأشياء الأخرى. يكتب في مقطع من نص بعنوان «لا يجوز وداع أجساد نونيا»: (ليس جميلاً أن نترك عدماً.. جسدك منذور لاستفهامي، وكما في نصك: أملك سلطاتي الغامضة، تعالي نتصافح وعلى أول لحظاتنا القادمة ندلق غياباً).

تحولات مفتوحة

واضح في هذا النص، على الأغلب، أن أحمد زرزور يختار لحظة الغياب التي تنسجم مع طبيعة الموقف الشعري في تحولاته المفتوحة على المجهول. لا شيء يشير في هذا النص الى ميل جارف لديه للارتماء الكلي في عالم الغياب باعتباره كشفاً مدهشاً عمّا تفتقر إليه الأشياء في حضورها الساذج وهي تتراءى تلقائياً للعين المجردة. لا شيء من هذا القبيل على الأغلب، بدليل دعوته الى الفتاة التي يسميها «نونيا» للمصافحة ومن ثم يترصد اللحظة المناسبة لينطلق وإياها في سفر الغياب. هناك تخلع الأشياء أرديتها التقليدية، تنزع أقنعتها، تلبس عريها التي تحن إليه وهي تقبع جامدة في حضور يبعث على الملل والسقم والغثيان كذلك.

على هذا الأساس، يستخدم زرزور في نصوص الكتاب، تقنية متعقلة إذا جاز التعبير، تقوم، بالدرجة الأولى، على التنقل الدائم بين الحضور والغياب. يغرف كثيراً من الأول ليعيد تشكيل القليل من هذا الكثير في مصنع الغياب حيث تتلاشى الأشياء بمظاهرها الخارجية ليعاد انتاج ما خفي من اسرارها على ايقاع بطيء يتلاءم مع هذه التقنية المذكورة. ومن شأن هذا الرقص بين ضفتي المتاهة المرهقة اللتين تحتضنان الحضور في حضوره والغياب في غيابه، ان يضفي على النصوص توتراً محبباً، اذ يحيل الصورة الشعرية مسرحاً دائماً وحيوياً للأفكار التي تبحث عن نبضها الداخلي في الاطار العام للمشروع الشعري. والأرجح ان هذه الوتيرة المتسارعة بين الخروج من الحضور والدخول الى الغياب وبالعكس، تكاد تفتح بوابات الرؤية الشعرية على نحو كاف يمكن الشاعر من الحفاظ على هذا الايقاع المتحرك.

يندر في أي من نصوص الكتاب ان تقتصر التجربة الشعرية على معنى واحد او صورة واحدة يعكف أحمد زرزور على معالجتها والايغال في داخلها دون سواها. لا يلجأ الى هذه المعادلة الرتيبة. نراه يقفز من صورة الى اخرى من دون ان يضطر الى منح النص فرصة لالتقاط انفاسه. يكتب في مقطع من نص بعنوان «ما الذي منحته نونياً: (عصفور شرح هويته كثيراً على اشجار وقتك، أتشمين ثمارها الآن؟ حدث لعمرك رائع ان تهجري بعد غيمة من بعيد أتت، تشعل ملح الأرض الذي عنه حدثوك، الملح الذي يمتد بين بيتك ووسادتين).

واضح في هذا النص الكيفية التي يتقلب فيها الشاعر بين صورة وأخرى وهو يروح ويجيء مسرعاً بين جاذبية الغياب وجاذبية الحضور. ينتقل من هوية العصفور الى شجرة الوقت الى شم ثمار الزمن الى ملح الأرض ومن ثم الى البيت والوسادتين. يفعل ذلك من دون ان يعمد الى تشتيت النص أو أن يضيف اليه ما ليس منه. الارتحال، على ما فيه من مشقة ومكابدة، الى الغياب ومن ثم الابتعاد عنه، امر يحسبه زرزور بدقة. والأغلب ان هذه المعادلة المتوازنة هي التي تكسب هذه النصوص رشاقة وليونة وخفة في الحركة الداخلية لمكونات الصورة الشعرية. والنتيجة المحتملة، على هذا الصعيد، ان النصوص لا تعلن استقالتها من عالم الحضور ولاتزعم انها باتت تقيم في عالم الغياب الى الأبد. قد تبدو هذه الميزة منسجمة بالكامل مع مزاج الشاعر وطبعه وغريزته ايضاً في انتقاء صوره الشعرية من بين البعثرة الكثيرة من المشاهد المترامية من حوله.

من زوار الغياب

ومع ذلك، نلحظ ان الشاغر ما ان يتيقن من بلوغه المشارف الأولى لمنطقة الغياب حتى يتزود منها بما يروي بعضاً من غليله. لا يرتد عن هذه المنطقة صفر اليدين، اذا أمكن القول. يستوحي من ظلالها الكثيفة ما يثبت له، على نحو قاطع، انه كان من زوار تلك المنطقة ذات يوم. يكتب في مقطع من نص بعنوان: أدلة المنسي.. أدلة الغائر»: (أعرف أنني مع امرأة صعبة، والدليل: ظلها الذي يجلجل، ظلها الذي يثقلني، ظلها الذي أناديه طوال الوقت كمطر خفي، ظلها الذي يرشدني الى مدن مجهولة في جسدي). واضح في هذا النص أن الشاعر بدأ يقترب من تلك المنطقة التي لا تعود فيها الاشياء والأفكار كما هي. تتحول المرأة هنا ظلاً يثقل الشاعر، غير انه يكشف له مدناً في جسده كانت غامضة من قبل. نص نموذجي، على الأغلب، للتعبير عن القدرات الكامنة في الرؤية الشعرية على اكتشاف المخفي والمستتر.

يعزو الشاعر هذه التحولات الى امكنة الظلال الداكنة التي تصعب رؤيتها بغير عين القلب. ومع ذلك، فهو لا يلبث فيها طويلاً. يرتد عنها حتى لا يؤدي ثقل الظلال الى ثقل ممجوج في الشكل التعبيري ومضمونه.
من هنا، هذه النزعة التجريبية التي تتميز بها نصوص الكتاب. والأرجح انها تستخدم على نحو يجعلها من المكونات الأساس لهذه النصوص. يجتهد الشاعر في هذا السياق بحيث لا تبدو هذه المسألة شكلاً خفيفاً يخيم على النص من بعيد من دون ان يقترب حثيثاً منه. على النقيض من ذلك، تقتحم الرؤية الشعرية من بواباتها العريضة لتصبح في نهاية المطاف جزءاً حقيقياً من تحولاتها. الغياب ليس شعاراً براقاً يرفعه الشاعر. الأغلب انه حالة يمضي اليها على الدوام حتى ولو بدا الوصول اليها صعباً للغاية.

المستقبل
الاثنين 10 تشرين الثاني 2008