(أنطولوجيا الشعر الفرنسي لبيير سيميون ضمن تظاهرة "ربيع الشعراء")

اسكندر حبش
(لبنان)

اسكندر حبشبعد أن غابت عن نشر الشعر لفترة طويلة ماضية، تعود منشورات “لوسوي”، الفرنسية، إلى هذا النشاط ضمن سلسلة جديدة لديها باسم “point poesie”. السلسلة التي انطلقت منذ فترة قصيرة تعد اليوم أكثر من 15 عنوانا، ومن مختلف الاتجاهات الشعرية الفرنسية والعالمية. من هذه الإصدارات الحديثة كتاب “a poemes ouverts” الذي يشكل “انطولوجيا للشعر الفرنسي الحديث ويضم بين دفتيه مختارات لخمسين شاعرا. لكن المقصود بالشعر الفرنسي هنا، الشعراء الذين يكتبون بالفرنسية، أي بينهم الكثير من الفرنكوفونيين، وقد أعد الكتاب الشاعر والناقد الفرنسي جان بيير سيميون، ضمن تظاهرة “ربيع الشعراء” في آذار الماضي.

وإذا كانت هناك اتجاهات شعرية عدة في الكتاب، فهي برأي المعد، تتلخص بالتالي: “لا تصدقوا أحدا يقول لكم إن على الشعر أن يكون كذا أو كذا”. جملة قد تختصر مفهوم الأنطولوجيا بأسره. إذ متى كان الشعر يتوقف عند محاولة معينة أو عند اسم معين. فالشعر بالتأكيد هو أكبر من ذلك بكثير، ويتخطى كل التعريفات الجاهزة التي تحاول أن توضع له، “إذ إن قراءتنا لهذه المختارات ستنفي هذه التعريفات”. وبالإضافة إلى هذا التعريف، ثمة تعريف آخر، قد يستحق التوقف عنده نظرا “لطرافته”، إذ يقول في افتتاحية الكتاب “إنها قصائد معاصرة” ويقصد بالمعاصرة “أنها قصائد لشعراء كتبها أناس يعيشون في عصرنا الحالي”. بالتأكيد تكمن فكرة سيميون، في جملته هذه، نزع كل التباس بأن كل شعر معاصر هو شعر صعب لا يفهمه القراء، وفق المفهوم الرائج، والذي غالبا ما كان السبب في ابتعاد القارئ عن الشعر في زمننا الراهن.

بأي حال، تحاول مختارات سيميون أن تقدم لنا أوجهاً عديدة من الشعر الفرنسي الراهن، وعبر أسماء متنوعة لا تتوقف عند فضاء معين، وبخاصة أولئك الذين جاؤوا إلى اللغة الفرنسية من بلاد أخرى، إذ تحمل في كتاباتها خاصيات كثيرة حاولت أن تحمل معها مناخاتها. بهذا المعنى لا يغيب الشعراء الفرنكوفونيون العرب، إذ يفرد المعد مساحة لكل من الطاهر بن جلون، أندريه شديد، عبد اللطيف اللعبي، صلاح ستيتية.

هذه المناخات المتعددة، وبرأي سيميون أيضا، تتطلب من القارئ أمرين: الحشرية والانتباه. فإذا ما سرنا على هذا الدرب، فبالتأكيد سيجد القارئ بعض الأبيات التي تعني له.

مهما كان من أمر، فإن مختارات سيميون هذه، تتيح لنا الإطلالة، على أوجه عدة، وإن كان يميل في العمق إلى شعر يعيد إنتاج غنائية جديدة. بهذا المعنى، لا بد أن نتوقف عند هذا الأمر، فبعد أن كانت الغنائية غائبة عن الشعر الفرنسي، ثمة محاولات حثيثة لدى بعض الشعراء المعاصرين، منذ نهاية القرن المنصرم، كتابة شعر لا يعتمد على اللعب اللغوي بل يستعيد تلك النبرة الغائبة التي تلفها الوجدانية. من أجواء الكتاب نختار هنا (ونترجم) لكل من مارك آلين، وكلود استيبان وأنيز كولتز.

ولد مارك ألين عام 1937 في مدينة ريمس. كان دخوله مدويا إلى الشعر الفرنسي، إذ حاز وهو في العشرين من عمره جائزة ماكس جاكوبز، له العديد من الأعمال المتنوعة ما بين الشعر والنثر، مثلما حاز العديد من الجوائز الأخرى، منها جائزة أبولينير والأكاديمية الفرنسية وغيرها...

ولد كلود استيبان عام 1935 وتوفي عام ,2006 يعد أحد أبرز الشعراء الفرنسيين في القرن العشرين. أسس مجلة “ايفيمير” مثلما أسس وأدار سلسلة شعر لدى دار فلاماريون.

في اللوكسمبورغ ولدت الشاعرة انيز كولتز. أسست مهرجان “أيام موندورف” الشعرية. لها العديد من الأعمال المتنوعة، كما انها عضو في لجنة تحكيم جائزة مالارميه.

مارك آلين

مع الذي يبدأ

في هذه المدينة، حيث يباع كلّ شيء، أنا الريح أنا الهامش
أذهب حيث يأخذني النشيد. عصفور طليق أحلق في الفضاء

الكلمة تشبه البحر. طعمها مالح كالدموع.
أنا الفم الذي باسم الآلهة، يلفظ معنى المأساة.

أهتم بالكلمات الاحتفالية التي تساعد الروح على الارتفاع
أخترع، إن لزم الأمر، السماء. أهب الحياة والحلم.
خارج صوتي الذي يسوطها، تتابع الكلمات، تتجمع:
بدون توقف، علينا بعث كلمات بانورج التي ترتجف.

أقول الحب بدمي. الطفولة حب أقطفها
بين الكواكب المتفجرة التي يسكنها الليل في الأوراق.

كصراف عملات ذهبية أزن العبارات وأعدها.
في الحلم أذهب عند الأموات بحثا عن أوريسيدي المجنونة.

أتعرفون أن من يغني في نشيدي هو الصمت؟
لا أنوجد بدوام كامل. أنا مع الذي يبدأ.

كساعة رمل مقلوبة انزلقت السماء في رأسي.
أحتفل بالعيد مع الساحرات. اتركوا الشاعر يطير.

كلود استيبان
النهار لا يعود ([)

النهار لا يعود، تقولون، لكن
جرحه فقط، الدماء
التي تتركها الشمس حين تذوي
في البعيد

كل الأجساد المنسية
ترغب في أن تعرف إن كان هناك شيء موجود
تحت الرمل، يجمعها، جزء
من مادة أو لا شيء
بأن الظل، ثابت مثل

حصاة.

ربما ليس الأمل
إلا حزة في اللحم
شرارة في الذاكرة
بدون مستقبل

لا تقولوا، حين ترحلون، بأنه
النهار الذي يموت.

أنيز كولتز

طريق الحرير ([)
تهبط طريق دمي
مثل قائد قافلة
يهبط طرق الحرير

وحين تسقط من وركي
تكون مرت ألف سنة.
[
أحب الرجل
ذا الظهر الفسيح
كهضبة

وفي أعماق أرضه
أصغي
إلى ضجة قطيع الجواميس
التي تجتازه.

السفير
13 يونيو 20098