هاتف جنابي

دعوة

هاتف جنابي لن أدعو أحدا بعد الآن إلى بيتي
قفلي صَدِئ
جيراني فئرانٌ
منْ كان يُحييني خنزيرٌ
والمنزل مسكونٌ بالأشباح
لن أدعو بنتَ الجيران عليها خوفا
من ملك الجنّ الجالس خلف الباب
لن أدعو الدلفين صديق العزلة
لن أدعو مَنْ يبكي خلف ظلال السلطان
لن أدعو ما يمكن أن يُدْعَى من عفش الدنيا
هذي الليلةْ
قرّرتُ بأنْ أدعو البحر
أدعو أسماكَ البحر جميعا
أدعوها بعد الحفلة أن تأخذني
حتى جوف الحوت
كي أكتب قصة نفسي
كي أعزف لحني الموعود.

وارسو في حزيران 2014

سفوح ومنحدرات

جئنا من جنحِ غيمةٍ
كانت ظلالُ الغروب ترسمها مثل صحنٍ طائر
هابطا عند قمة الجبل
من يراها كما نحن عن بعدٍ يظنها
عمامة سوداء
من ينظر إليها من الأسفل
يراها سراويل معلقةً في الفضاء
ثمة من يراها ملائكة تحوم فوق حانة
يغادرها روادها على مهل،
مرتبكي الخطى،
غائمي النظرات

حالنا ليس
أفضل منها طالما أنها تتشتتُ
ليس أحسنَ ممّنْ بمظلة الإله يهبطُ
حاملا ماضيه، متعثرا بالريح،
مشتبكا بأقرب مدخنة
ليس أفضل من عجوز
متكئا على عصا
يمخرها الضبابُ
تلكزها عاصفة

أهكذا هو العمرُ
فجأةً يشقّهُ البرقُ نصفين
فيترك جذعه معفرا بدخان الأضاحي،
وروحَه عالقةً بأوهام الزفرات.

جئنا من غيمة
مثلما يخرج المرءُ بعد منتصف الليل
من رحمِ امرأة مبهمة
أو من حانة نائية
سقفها جبلٌ
قاعها منفضةٌ للقادمين
من قاعِ شروق خفي.

نزلنا من غيمةٍ
علقتْ أرواحنا بكعوب الجبال
وارتطمتْ أجسادنا بسحيق البراري
ولولا غبارُ الحياة
لما كنّا من ديدن المجرات الشقيّ..

وارسو، 14 تشرين الأول/اكتوبر 2014

إشراقة

أحدق في داخلي فأرى
ظلال أحلام في جهات متقاطعة،
أسماكا تلبط في أحواض تجفّ
وفي كل درب ثمة إشارات متناقضة،
هذي الدلافين وأسماك القرش
تعرفني ولا أعرفها
هذي الفراشات والعناكب
المراعي والبراري
تراني ولا أراها
وجهٌ آخر للريح
هذا الطبل المبحوح،
الصوت الآتي من تلك الأعماق:
"هيهاتِ أنْ تُخلّصنَي كلماتُ زئيري".

أرفعُ سبّابتي
مُلوّحا يمينا بها ويسارا
فتصدّها سماواتٌ وتشدّها جذور
يُؤلمني كلُّ هذا
أحدّق في هذا الظلام وما وراءه
أخطّ على جدرانه حروفا تسيل دما
فأرى سبّابتي مثلَ سهمٍ تغور
في فؤاد ليس لي.
"يا إله الانتقام يا ربُّ، يا إلهَ الانتقام أشْرِقْ".

وارسو في 28 آب 2014

عبور

حسنا ذات يوم قلتُ:
ما البأس في أن ترى كركوك فوق راحتيك،
ومن أعنابها ترتوي،
إنْ شئتَ سنبلةً تصير
أو مشكاةً فوق سطح القمرِ
طلاسمها عندَ كلّ رفة جفن، وتكبيرةِ نهد،
كلّ خطوة، ورشفة شاي،
في شارع الجمهورية التي لم يبقَ منها سوى حشرجات
أو في الطريق الملكيّ إلى المدرسة
في قرى الكرد = كتاب مفتوح على النصف
أو في دنان الأرمن العطشى
وابتسامة السريان التي تُبحرُ في التاريخ،
في حياء التركمان ونقش الأساور،
في تشابك النظرات والأغصان والجبال والسهول
في كل ما تراه ساجدا للمحبة،
متضرعا للمجرات،
مُطرّزا في نيروز بالنور،
مستغرقا في رأس السنة
كنتُ جنحَ طائرٍ وتهويمِ فراشة-
الطائر والشجرة
اصغِ إلى تراتيل السفوح
لا أقفال ولا أبواب سوى لسعات صُبحٍ
تتوردُ فيه الخدودُ وأطرافُ الشفاهِ تنفرجُ.
اصغِ لهمسِ العيون، لترتيلة المساء
اقرأ تعويذةً عند أبواب المغيب
الأشجار يعلوها الضباب
خذْ رشفةً وارسمْ تفاصيل الخلود.

حسنا قلتُ:
ظنوا أنه منفاك،
ونسوا أنهم فيه سيغرقون.

كنا نلقي نظرة كلّ أسبوع:
جليلٌ وأنا، على آخر ما كان يرشحُ،
من جسد الشعر وأنواء الكتابة المشاكسة،
عن أسماء نأتْ عن تلك التضاريس
وشعلتها الخالدة،
مثل صاد وميم وسين وجيم...
كانت خلاصة مُزهرةً بالأمل المرهون بالقلق
مرتعشا مثل يدي جان، وضِرسه الوحيد
فجأةً، ضَرّسَنا الزمانُ
كانت الآمالُ تنداحُ بين العتمةِ والنور
لكنّ الرؤى تجدّف في فمِ الحوت.

حسنا، طالما أن الطرقات
راحتْ تضيق، والأشجار تشحبُ،
وأن الرياحَ تعصف بالريش،
قلتُ لا عاصم اليوم من الصحراء
غير الشمال
غريبا تجيء وهكذا ستعود.

بحثنا طويلا في المنافي
عن لحنٍ مقدس،
عن بعض الحقول والبيادر،
عن خيوط تقطّعتْ وأنفاسٍ
يُغطّيها الغبارُ،
عن الجوري الذي زرعناه
عن قبلات تركناها في سَرَرِ الليالي

في الطريق التقينا:
البلادُ تبحث عن مأوى
ونحن عن الجذور

حسنا قلتُ:
في رحلة البحث عن المعنى
تعود أو لا تعود
ليس هو المغزى.

* جليل: هو القاص والكاتب المسرحي جليل القيسي صديق الشاعر.
** وصاد وميم وسواها حروف أولى لأسماء شعراء وكتاب من كركوك.
برمنغهام ، 01-10-2014

الأرض الموعودة

سأسأل عنكِ الغمامَ،
كليمَ الرؤى
وانْبلاج الغبشْ،
لا يجوز لذاك المساء
إزاحة ما تركته الأصابعُ فوق الوسادة من حشرجات
لا يجوز لمن لا جناح لهً،
أنْ يكون بلا حُلُمٍ دون رّفّةِ جنحٍ
ووَهْمِ فضاءْ
سأسأل كلّ الحمام
وأبحث في شفرات القطيعةِ عن أثرٍ
فوق حاشية الكأسِ
خلفَ رتاج المعاصي
أهذي الرقائقُ بعضٌ من الوردِ مُسْتلقيا
فوقَ جنح الفراشة؟
أهذي المباهجُ تشكيلةٌ
من سرابِ الأفقْ؟
سأسألُ عنك المدامَ الذي مرّ بالشفتين
سأسألُ عنك الخشوعَ- لأني أحبُّ انْحناءاتِهِ وارْتعاشَ الظلال
على حائط العمرِ منتشيا بالذي تصطفيهِ
مرايا الجسدْ
سأمشي على الماء أحدّثُ عنكِ مُويجاتِه، ثم أحكي
لأسماكهِ، عن قراصنةٍ سلبوا رونقَ الورد منّا
وسدّوا طريقَ الخلاص
سأمشي على رأسِ رمحٍ وإبْرةْ
فلا (سَرْبَروسَ) سيوقفني إنْ هبطتُ
ولا عصفَ (إنليلَ) أنّى صعدتُ
لأنّ الوصولَ إليك
بلا هدفٍ رحمةٌ وابتغاءُ خلودٍ،
ومغفرةٌ يستجيرُ بها التائهون
أهذا الذي وصلَ النبْضَ بالقلبِ والشهقةَ المستغيثةَ
بالرّئتين
إلهٌ من القُبَل
رعْشَةٌ وفمٌ يسعُ الكونَ بأنفاسهِ
وإذا أطبق الشفتين
تموتُ هياما ببحثك في أنْ تكون قريبا
ولو من ظلامٍ يُغطّي تضاريسهُ،
ثم يحجبُ ينبوعَهُ بالمحال
سأسْألُ عنكِ إلهَ المسّراتِ لكنني قبل أنْ أقتفي
جرْحَ مجرًى سيوصلني لمصبّ النهايةْ
سأسْألهُ عن طيورٍ وأسرارِ تحليقها
عن متاهة روحٍ معلقة منذ بدء الخليقة
بين الهباء وخيط الرجاء.

* سربروس- حارس بوابات الجحيم في الأساطير الإغريقية.
** إنليل- يد الإله الضاربة المطلقة في الأساطير السومرية.
برمنغهام في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2014