n08271702.jpg 

صبحي حديدي

(سوريا/باريس)

الأدب العظيم، ومنه طراز الشعر الرفيع الذي كتبه محمود درويش (1941 ـ 2008)، ينطوي على الكوني والمحلي في آن معاً؛ تماماً على النحو الأبكر، والأكثر صواباً، الذي شخصه أرسطو في فصل خاص من كتابه الشهير «فن الشعر»: الأدب يشير إلى الكوني، أي إلى ما هو حق وحقيق بكل الأزمنة والعصور؛ ويشير إلى الخاص، أي إلى ما هو حق وحقيق بالبشر والأحداث والعادات والثقافة وأنماط العيش في حقبة محددة. ولو ظل درويش شاعراً ناطقاً بالحق الفلسطيني وحده، فلم يرتقِ بالهوية الفلسطينية، شعباً وثقافة وتاريخاً وماضياً وحاضراً ومستقبلاً، إلى مصاف كونية تمس شغاف البشر في كل مكان وزمان؛ لبقي شاعراً محلياً، أسوة بعشرات الشعراء الذين عرفتهم ثقافات الأمم، فأبدعوا واشتهروا في حقبة محددة، ثم طواهم النسيان، وسنة الأكوان!
وللشاعر الكوني موقع فريد، وبالتالي فإنه مصدر نفوذ خاص، تمتع به كبار شعراء الأمم، منذ الأطوار السحيقة لاستقرار فن الشعر، حين كان الشاعر ناطقاً باسم الأمة، معبراً عن كيانها؛ وحين عُهدت إليه مهمة استبصار أقدارها الماضية والحاضرة، في الانتصار كما في الانكسار. وفي ثقافات الشعوب، على مدار التاريخ، تكررت تلك البرهة الاستثنائية التي تشهد تمتعَ شاعر ما بصفة «الشاعر الوطني»، الجدير بالتقاط الوجدان الجَمْعي للأمة، وبلورة «الذائقة الجَمْعية»، على نحو يحيل الشعر إلى قوة ثقافية، روحية ومادية، جمالية ومعرفية. المتنبي كان من طينة هؤلاء، في تقديري الشخصي؛ وكذلك كان الشيرازي في بلاد فارس، والت ويتمان في أمريكا، ألكسندر بوشكين في روسيا، و. ب. ييتس في إيرلندا.
وهكذا قُدر للراحل أن يشغل في الوجدان العربي العريض موقعاً معقداً تجاوز صفة الشاعر، لإنه صار (وغالباً صيروه) صوت فلسطين، وعاشق أرض فلسطين، ولسان حال المقاوِم الفلسطيني، أو «قيثارة فلسطين»، ولقد وقفتْ أسباب موضوعية، وأخرى ذاتية، خلف إيصال الشاعر إلى هذا الموقع، وكان طبيعياً أن يتفاعل الموضوعي والذاتي لصالح مشروع درويش الشعري، تارة؛ أو يضغط الموضوعي على الذاتي، بما يُلزم الشاعر بدفع برنامجه الجمالي إلى الصف الثاني، لكي تحتل الاعتبارات الوطنية الصف الأول. لكن درويش، إذْ تمسك بموازين دقيقة في إدارة العلاقة بين القطبين، فإنه يندر أن تخلى عن حقه في، ثم واجبه تجاه، فن الشعر؛ وتجلى ذلك، على نحو أشد وضوحاً، خلال الفترة التي أعقبت الخروج من بيروت، 1982، أو ما بعد مجموعة «ورد أقل» 1986، تحديداً؛ حين استقر كثيراً ذلك التوازن الثمين بين حقوق تطوير الجماليات الشعرية، مقابل واجبات ملاقاة النفوذ الأخلاقي والثقافي الذي اكتسبته القصيدة الدرويشية في الوجدان العربي.
ولقد اعتدتُ مقاربة هذه المعادلة من زاوية شخصية، إذ شاء حسن طالعي أن أستمع ــ في صفوف الجمهور، من داخل القاعة المعتمة، وليس عبر أي تسجيل سمعي أو مرئي ــ إلى درويش يلقي شعره في مدن عديدة: دمشق، باريس، لندن، برلين، أمستردام، صنعاء، عدن، تونس، عمان، الرباط، القاهرة، دبي، وسواها. وقد اعتدت أن أسرق نفسي من سحر الإلقاء، ومهارات الراحل المشهود لها بالبراعة، لكي أسترق النظر ميمنة وميسرة، متلصصاً ــ كما يتوجب القول، في الواقع ــ على متغيرات ردود أفعال القاعة، إزاء هذا المقطع أو ذاك، وبواعث تصاعد التفاعل أو مراوحته أو سكونه. وأحسبني كنت، في هذا، أسعى إلى الوقوف على طبائع استقبال المتلقي للنسخة الصوتية من القصيدة، وليس اقتفاء خصوصيات الأداء وحده، من منطلق انحيازي القديم إلى التعاقد السوسيولوجي بين الفن والذائقة الجَمْعية، أو «ذائقات» الجموع إذا جاز لي القول.
وفي جميع المدن التي ذكرتها، أو بالأحرى من داخل جميع هذه «الجماهير» الشعرية ــ لأنها لم تكن جمهوراً واحداً متجانساً، ولا يصح أن تكون كذلك في الأصل ــ شهدتُ درويش يعاند القاعة التي تطالب بقصائد «جماهيرية» مثل «بطاقة هوية» و»أحمد الزعتر» و»مديح الظل العالي»، فيختار قصيدة جديدة بعد أخرى، وصبر الناس يكاد ينفد؛ حتى يبلغ تلك البرهة الخاصة الفائقة، حين تُقْبل القاعة أخيراً على جديده، الصعب وغير المألوف لديها، وترحب به، وتتذوقه.
هذه «جماهير» درويش، كما أراها: تكرسه شاعراً كبيراً معلماً، ولكنها تُلزمه أن يكون أكثر بكثير من هذا! هو، من زاوية احتفاء أولى، الشاعر الذي يتوجب عليه أن يرى، وينبه، ويجمع (في ضوء انحسار موقع الشاعر في الوجدان الجَمْعي)؛ وهو، من زاوية احتفاء ثانية، شاعر قصيدة تحفظ كرامة الشعر العربي (مقابل نكوص معظم الشعر، واعتلال علاقته بالناس)؛ وهو، في الحالتين، ممنوع من الانفكاك عن نفوذه المعنوي، الأدبي والسياسي والجمالي، وممنوع من أي تراخٍ في تطوير جماليات هذا النفوذ، أو أي وهنٍ في الارتقاء به أعلى فأعلى، أيضاً.

-----------------------

القدس العربي- Aug 09, 2017