تتردد أصداؤها في الذاكرة

("هناك تبقى" نصوص شعرية جديدة للشاعر المغربي محمد بنيس)

جهاد الترك
(لبنان)

هناك تبقىكم يستمتع الحجر بوحدته الأبدية وهو يستدرج ذاته الى ذاته على إيقاع من ذلك الصمت الثقيل الذي يحجب عن مسامعه كل ضجيج العالم. حالة متفردة هو الحجر في عشقه المطلق لتكتله الصلب، لذلك الانسجام الفذ بين مساماته وهي تنسكب، على نحو لا يقبل الخطأ، في تلك الشرايين الدقيقة لهذا "الكائن" الذي يوحي بالغياب البعيد ويحن الى الحضور القريب. ولأن الحجر من نسيج الكون بعد أن استقر هذا الأخير على أشكاله وتشكيلاته ومكوناته المحتملة، فإنه بات أقرب الى التعبير عن الصيرورة الخفية لطبيعة الأشياء وهي تنحدر عميقاً في سكينتها الذاتية. قد يبدو شكل الحجر مناقضاً لمضمونه المتدفق في طبقاته السفلى. والعكس صحيح أيضاً. ومع ذلك ليس في هذا التباين ما يدعو الى الاعتقاد أن هذا المقيم الدائم خلف زنزانات الصمت المطبق، يتململ من هذه الثنائية المصطنعة. على النقيض من ذلك. تضفي عليه هوية لا تنطبق على غيره. إذ تجعله بمنأى عن الإنجراف السحيق في متاهة التأرجح بين الواقع المرذول والحلم المستحيل. الحجر، على هذا الأساس مكتف بذاته، كامل بما هو فيه. يجمع بين ذراته خليطاً مدهشاً من الأزمنة والأمكنة والأجناس والأعراق. والأرجح أن لديه القدرة على الانتقال بخفة بين ضفاف الماضي والحاضر والمستقبل، على نحو يشبه الرقص الأخاذ. فهو من طينة هذه الأقانيم الثلاثة، غير أنه أعتق منها وأكثر خلوداً. الحجر هو الانسان، الذي استبدل عذاباته الفردية وهربه الدائم من الموت، بحالة مثقلة بالتأمل الأبدي في مساحات الذات الشاسعة. والإنسان هو الحجر، الذي خيّل إليه أن التحرر من التشيؤ هو النعمة المثلى الذي آلت إليه وخسرها الحجر. يكمل احدهما الآخر لو قيض لهذه الغشاوة الرقيقة أن تنجلي بين الاثنين. يحن الانسان الى ذلك الفرح المتأصل في هدوء الحجر، الى ذلك الصخب الداخلي الذي تنطوي عليه المادة الحجرية. ويتوق الحجر الى تلك المزاجية المتوحشة التي توحي للإنسان بالتفلت من جبروت المكان والزمان. الحجر هو الانسان الذي يستعد لجنازته منذ لحظة الولادة. والإنسان هو الحجر الذي يرتدي خلوده منذ أن يوجد.

الكشف عن الحجر

هذه، على الأغلب هي الفضاءات الذاتية للحجر والإنسان، التي يستلهمها الشاعر المغربي، محمد بنيس في مجموعته الشعرية "هناك تبقى" الصادرة حديثاً عن "دار النهضة العربية" في بيروت ـ لبنان. يتضمن الكتاب تسعة نصوص متفاوتة في الحجم هي: أحجار وحدها، شعرية، لك الأحجار، مضايق تودغا، حديقة الألواح، ليلة الياقوت، المغارة، نفس المكان، هناك تبقى. يستنطق فيها الشاعر ما يبدو له حضوراً قوياً لظلال الحجر في الناس، واستفاقة حقيقية للإنسان على ما ينطوي عليه الحجر من احتمالات الرؤيا الشعرية وهي تشق طريقها نحو اكتشاف جديد للعالم في مكوناته الأولى. مهمة صعبة، على الأرجح، يتكبد الشاعر مخاطرها وهو يتوغل عميقاً في الدهاليز النائية التي تلوح في الأفق البعيد ولا تستدرج إليها الا من في يده مفاتيح الأبواب الموصدة. يسعى محمد بنيس الى الاقتراب الحثيث من هذه المشاهد الغامضة بما تراكم لديه من ذخيرة لغوية تنسجم مع هذه الرؤى الشعرية في أشكالها الأولية، على الأقل. رويداً رويداً تبدأ هذه الأشكال بالانقشاع التدريجي بالتزامن مع الحفر المرهق في ذاكرة الحجر وفي ذاكرة الانسان على حد سواء. اللغة والرؤيا الشعرية، في هذا السياق الطويل، توأمان يتكونان في الرحم ذاته. يولدان معاً، ويظلان متعانقين حتى يدركهما الموت معاً. نتتبع هذا الخط المتصاعد في سائر نصوص المجموعة، على نحو من التوازن الدقيق في سيرورتهما نحو التوهج في التعبير عن المعاني المكتشفة. يقول الشاعر في نص بعنوان "نفس المكان":
ـ ليست يدي.. ولربما تركت يدٌ ظلاً على حجر تبعثر ناسياً شعباً من الأموات.. فالتبست عليّ يدي.. كأن لا شيء يفصلني عن النبضان.. نار تشق الصدر.. أزهار تُفجر ضوءَها حيناً بعد حين.

لا يتنكر الشاعر ليده التي استحالت ظلاً على الحجر بل يتعجب وهو يرقب هذا التحول، من داخل الذات، كيف ينصاع الحجر لملمس اليد فيتبعثر، ليتحول، بدوره، أزهاراً يتناثر منها النور. هذا ليس من فعل الجسد، بل نتيجة للعبث الجميل الذي تحدثه الرؤيا الشعرية في طبيعة الأشياء. الصورة، كما نلحظ، مركبة تنطلق من الأسفل الى الأعلى. من اليد الى النور. كلٌ من أجزائها يخلع عنه هويته المعتادة. يلقي بنفسه في أتون المتغيرات التي تبدأ ولا تنتهي. اليد تشبه الحجر قبل تحولها. والحجر يشبه اليد قبل تحوله. الحجر الكامن في اليد، هو عينه اليد الكامنة في الحجر. نحن أحجار صماء ميتة، قبل ان تتسرب الى مساماتنا حرائقُ الرؤيا الشعرية لتبعث فينا أشكالا من الحياة أرقى.

يكتب الشاعر في نص آخر: ستعجز عن إيجاد تسمية لما يحتد من ألم تحت الجفون.. أيتها اللقالق الضالة اسحبي أجنحتك كي أرى الأحجار في أمكنتها.. عندما تلمس يد ويد حجارة تشتعلان.

الصورة، في هذا النص، أكثر تعقيداً على الأرجح، من مثيلتها السابقة. ثمة توق عنيف في هذه الأسطر القليلة، الى الكشف عن كل مواقع الأحجار. الى إزالة الصدأ الكثيف عن مكامن الحجارة في الذاكرة. الى تعرية أمكنة الجماد الميت فينا استعداداً لإحيائها. أجنحة اللقالق ترمز، في هذا السياق، الى الغشاوات التي تحجب عنا أكوام الحجارة في داخلنا. لا حجر، في هذا المجال، عصي على الانبعاث من جديد. لا حجر يرفض ارتعاشة الحياة في مساماته. تنخطف هذه الصورة المركبة صعوداً نحو اشتعال في الرؤيا عندما تلمس يدان اثنتان حجارة. الاشتعال يصيب الحجر واليدين. يستعيد الثلاثة قدرات على التحول كانت تمتلكها في نشوئها الأول القديم قبل أن استقرت الأشكال على أشكالها. الرؤيا بعيدة، وقد تبدو صعبة بعيدة المنال، غير أنها جميلة مقنعة وهي تنقب في الأبعاد النائية للجماد في شكليه: اليد والحجر.

على هذا الأساس من الارتقاء بالصورة الشعرية من حالة الى أخرى أكثر اختزاناً لانفلات الرؤيا في فضاءات التحول في التعبير والمعنى، ينكب محمد بنيس على البحث عن "ماهية" الحجر في أشكال وموجودات أخرى. الأرجح، أنه، في هذه المغامرة المشوقة، تقوده رؤاه الى حيث يعثر على بدايات جديدة سرعان ما تنفتح على بدايات جديدة أخرى. الحجر هو البوصلة السحرية في اكتشاف الصورة في ظلالها المتناثرة على مساحة الكون. غير أن هذا الأخير لا يطلب لذاته، بل لما ينطوي عليه من انعكاسات في العوالم الداخلية لمتاهات الذات اللامتناهية. تارة يصغي الى أصداء الحجر كما في قوله: (حجر تكثر.. كان منفصلاً عن الترتيل والصلوات.. اصعد باتجاه نعومة اللاشيء من حجر الى حجر هواء رافعاً أكمامه يتسلق الأشكال أعمدة)، وتارة أخرى، يتناهى الى مسامعه من البعيد كلام لحجارة خرجت على صمتها: (كأن حجارة كانت تكلم من أحبت واشتهت شيئاً يضم الأرض). وتارة ثالثة، يتأمل بدهشة ما تصنعه الحجارة بأيدي البشر: (اختار من بين الحجارة ما يضيء أصابع الرحال.. ما يرنو إليك بكبرياء الصمت).

المعنى الكلي

تراوح هذه الصور الآتية من حفر عميقة في ذاكرة شاردة من أزمان ساحقة، بين تركيب للمعنى يشتمل على تفاصيل عدة، كل منها يتولد من الآخر، وبين تفصيل واحد يتطلع، في طبيعته الداخلية، الى أن يكون هو نفسه معنى كلياً. هذا هو، على الأرجح شيء من إيقاع الشعر وهو يتدفق في مجرى الكلمات لينتقل من الوجود بالقوة الى الوجود بالفعل، كما يقول أستاذ الفلاسفة، أرسطو. حتى ولو بدت الصورة جزئية في منحاها العام، غير أنها تصبو الى كلية التعبير. الشعر وحده ينطوي على هذه الميزة، لأن الرؤيا التي تستولده كلية في معظم الأحوال لأنها من نسيج متعدد يماثل، الى حد كبير، النسيج المتعدد الذي يتكون منه الانسان نفسه. يقول محمد بنيس في احد نصوص المجموعة: (أشد يدي على الأزميل.. تلمع قمة كالريح.. اسمعها تهز أصابعي رجّاً.. كما لو أنها صفصافة في أرضها مهجورة). الأزميل، في هذا السياق، لا يعود يطرق قمة الحجر، بل قمة الريح، يفرج الحجر عن أحد مكوناته الداخلية، وهو الهواء بعد أن يتحول ريحاً عاصفة تهز الشاعر الذي انقلب بدوره الى صفصافة. الشعر بما يختزن في فضائه من نزوع غريزي الى المعنى المتشعب، لأنه ذو طبيعة كونية، بمقدوره أن يحيل الجزء كلاً في لمحة بصر. والأغلب أنه لا يعود شعراً لو أحجم عن ذلك. هذا ما نقع عليه في النص أعلاه، على نحو من استخدام شفاف لهذه التقنية الكامنة، أساساً في بنية الرؤيا الشعرية. والدليل أن الأزميل يستدعي الريح، وهذه الأخيرة تستدعي شجرة الصفصاف، وهكذا دواليك.
غالباً ما تتماثل الرؤيا الشعرية مع الحلم من حيث تكثيف العنصر الزمني وتعاقب تفاصيل المكان بسرعة قياسية. والأرجح ان ما يجمع بين الاثنين أكثر مما يفرق بينهما، باستثناء ان الحلم يداهم الذاكرة عنوة، والشاعر يتسلق شجرة الرؤيا غصناً غصناً. الحلم يحمل مضمونه كما هو، والشاعر يقتنص التعبير المناسب حتى لا تنكفئ عنه الرؤيا. المعادلة دقيقة بين الرؤيا وتعبيراتها الكلامية. لا يستطيع الشاعر أن يلبس الرؤيا ثوباً أكبر منها أو أصغر حتى لا يصيبها بعاهة التشوه. محمد بنيس حريص، في نصوصه، على الالتزام المحكم بهذه المعادلة. لا يطيل أمد رؤياه أكثر مما تحتمل، ولا ينتقص منها حتى لا تولد مبتورة. نلحظ هذه الدراية في معظم نصوص المجموعة. ولا يستثنى من ذلك النصوص المسهبة. فالإطالة، في هذه الحالة، ليست إسرافاً كلامياً في تضمين الرؤيا ما لا تطيقه. النص المطول لدى محمد بنيس يتكون، تلقائياً، من لحظات رؤيوية، تتشبه كل منها بتوهج مكثف، على مستوى الصورة وهيئتها في التعبير. يجمع بين شظاياها وحدة الرؤيا وانسيابها نحو استنطاق الحجر لحمله على الانعتاق من جغرافيته المحدودة.
يقول في نص بعنوان: "لكِ الأحجار": (ثمة أحجار تهرب بي نحو تلال لا أخضر فيها يستثني أخضر.. من داخل نومي اسمعها تحمل بعضاً مني وتئن.. هنا كنت صغيراً أتخير واحدة من بين الأحجار ولا أدري كيف تركت يدي تلمس سطحاً أملس.. تلك الأحجار تعود اليّ اليوم وتوقظني.. أحجام الأخضر أو رقرقة الماء).

ظلال الظلال

الكلمات في النص أعلاه محسوبة جيداً لتنسكب، على نحو تلقائي في وعاء الرؤيا. غير ان تداعياتها الحقيقية سرعان ما تستفيق، من جديد، بعد أن تكتمل الرؤيا. تتحول ظلالاً في الذاكرة تطارد ظلالها في حركة دائمة لا تهدأ. ظلال المعنى، في هذا السياق، هي بيت القصيد. إنها ارتدادات الرؤيا بعد اكتمال عناصرها. أسوة بالطفل الذي ما أن يولد حتى تتكوّن معه تداعياته وارتداداته التي لا ينقضي أوانها حتى بعد الموت. اللافت، في هذا الإطار المتسلسل، أن الصورة الشعرية لدى محمد بنيس نادراً ما تصاب بالوهن حتى وأن بدت تدور، بمعظمها، حول شيء واحد بمفرده هو الحجر. غالباً ما لا يقدم الشعراء على تجربة محددة كهذه حتى لا يقعوا في محظور التكرار. فالرؤيا تشع مرة واحدة ثم تنطفئ الى الأبد. وحتى لا تسقط هذه المجموعة في مطب التبسيط، عمد الشاعر، وهو محق في ذلك، الى توسيع رقعة الحجر، من دون أن يفقد هويته الصلبة، في اتجاهات إنسانية متعددة. يلعب بالحجر كما يلعب الساحر، أمام الجمهور بأدواته المدهشة. الحجر لا يعود حجراً مع احتفاظه بخصائصه التي تجعل منه جماداً موحشاً. يقول الشاعر في نص بعنوان: "مزيج": (بين الأحجار رأيت الكلمات تفتش عن مخبئها.. كانت تزحف.. كانت تصدر أصوات.. تتكسر شيئاً شيئاً في جوف العتمات.. تلك الأصوات مزيج من رنات ومواويل انحشرت في غار.. جال بنفسي أن أتخيل نافذة تترقب سيدة لن تتأخر عن رؤية شمس تلعب قرب أصابعها أحجار ينعشها عري الضحكات).

النص أعلاه نموذجي، على الأرجح في التعبير عن التقنية الشعرية لدى محمد بنيس. يستوفي شروط الحجر وهو يخرج من ذاته على إيقاع العودة الى رحابة الكون، كما يستوفي شروطاً لعناصر أخرى في هذه الصورة هي الكلمات المنبعثة من مسام الأحجار، وصولاً الى الشمس التي لا تخشى الأحجار الدنوَ منها. صحيح أن الشاعر يرفع الحجر، في النص، الى مرتبة الشمس، غير أنه، في الوقت عينه، ينزل الشمسَ الى مرتبة الحجر. لا يعود ثمة أهمية تذكر للشمس من دون الأحجار التي ترقص قرب أصابعها. رؤيا قوية ومقنعة تجعل الأحجار عنصراً مكملاً لجمالية الشمس. كما تجعل هذه الأخيرة ضرورة شعرية لإعادة اكتشاف ماهية الحجر. اللافت، في هذا الإطار، ان الشاعر لا يقلل من قيمة أي من عناصر صورته الشعرية. وقد يُعزى ذلك، على الأرجح، الى شمولية الرؤيا، وإحساس الشاعر العميق بأهمية كل ما يتناثر من جوف الصورة وهي تموت لتحيا من جديد.

المستقبل
الاثنين 26 شباط 2007