ثم تعبرها إلى دروب أخرى

جهاد الترك
(لبنان)

الشعر مقتله الكثرة. فقد يأكل بعضه بعضه الآخر. أو قد يصادر أكثره أقلّه إذا ما ازدحمت النصوص، أو تشابكت، أو خُيّل لصاحبها أن ثمة ما يدعوه الى الانقلاب على صوره أو التملّص من أفكاره. والأرجح أن الشاعر قد ينكشف، في هذه الحال، على ما لا تحمد عقباه. إذ تبدو صوره معرضة للاستنزاف السريع نتيجة لإحساس عميق بأنه لم يفِ الرؤية حقها في ارتداء ملابس تليق بها. أو أنه لم يتحلّ بالصبر الطويل، فاستولدها بالطريقة القيصرية وحرمها من الولادة الطبيعية. وقد يُعزى هذا الشعور المفعم بالقلق والإرباك الى ما يبثّه الشعر نفسه في ذهن الكاتب. فقد يحمله على الاعتقاد، واهماً إياه بتقصير فادح اقترفه بحق الفكرة أو الصورة. فيقدم هذا الأخير، مدفوعاً بعقدة نقص مؤلمة، على الاقتراب، من جديد، من الفضاء الشعري عينه الذي كان غادره لتوّه. والأغلب أن هذه الخطوة ليست إلا من قبيل ارتدادات الهزة الشعرية التي قلّما ينجو كاتب منها. أما الشاعر الذكي، فهو ذلك القادر على التمييز بين سطوة هذا التوهم الاعتباطي من جهة، والوهم الشعري الخلاق الذي يقتل الفكرة ليستولدها ثانيةً. نادراً ما ينجو الشعراء من هذه الارتدادات التي قد تشبه قدراً ثقيلاً ومزعجاً لا راد له. والنتيجة المترتبة على ذلك، سقوط مدوٍ من الأعلى الى الأسفل، وإيغال في مطبات الثرثرة بدلاً من الاكتفاء بأجواء الصمت المنفتحة على صخب داخلي بعيد.

قد لا تنطبق هذه التصورات، بشكل أو بآخر، على مجموعتين منفصلتين للشاعر المغربي، محمود عبدالغني، هما: "كم يبعد دون كيشوت" الصادرة عن "دار النهضة العربية" بيروت، 2007، والثانية بعنوان: "أرض الصباح" الصادرة عن "منشورات الجمل" بيروت 2007. اللافت فيهما، ذلك الحذر الشديد والحرص الكبير على ألاّ يكون أحدهما صدى تلقائياً للآخر، أو تعبيراً شكلياً عنه، فيذهب هذا بذاك، ويترنّح الإثنان في دوامة من التكرار وخفوت في التماعات الرؤية، وجرف في تربة الصورة قد يصل الى حدّ التعرية الكاملة.

المكان المتحوّل

ومع ذلك، نلحظ، على نحو من الوضوح، أن ثمة أفكاراً كثيرة مشتركة بين المجموعتين. وهذا أمر لا غرابة فيه، إذ يتعذّر على الشاعر، كائناً من كان، أن يبدأ، دائماً، من العدم. فهذا توجه لا ينسجم مع طبيعة الشعر ولا يتآلف مع نسيجه. غالباً ما تستميل الفكرة الشاعر من حيث ما انتهت في مرات سابقات. الرؤية الشعرية، في هذا السياق، تحنّ الى نفسها باستمرار، وتعلن وفاءها للمهد الذي ولدت فيه. غير أنها لا تقيم فيه الى الأبد. محمود عبدالغني مدرك، على الأرجح، لخطورة هذه المسألة. يوظف هذه التقنية بذكاء بحيث يتجنب المرور في المكان عينه مرتين متتاليتين. قد يقربه، من بعيد، أو يطلّ عليه من جنباته، أو من على ضفافه القريبة أو البعيدة. غير أنه لا يحط رحاله فيه أبداً. وقد يسعى الى اقتلاع المكان من مكانه ليترافق وإياه الى مكان ثالث. من هنا، نلحظ الحركة الدائمة التي تخيّم على سائر الأمكنة في المجموعتين ارتقاءً من شكل الى آخر أكثر تعقيداً واستدراجاً للصور الشعرية المبتكرة.

على هذا الأساس من الحذر والخشية من الوقوع في الصور المألوفة المتكرّرة، يبرز المكان، في المجموعتين، معطى أساسياً في تكوين الفكرة ومن ثم إيصالها الى أبعادها الشعرية المتغيرة. قلما ينتقل عبدالغني، في متاهاته وفضاءاته، بعيداً عن المكان. ينطلق منه، على وجه التحديد، بعد أن يجرّده من سذاجته الجغرافية ومقتنياته الرتيبة الى ظلاله النائية. المكان، على الأغلب، كما يظهر، في الكتابين، هو ما يستثير الغريزة التي تبعث على تكوّن الصورة في احشاء الفكرة قبل أن يشحنها الشاعر بطاقة قوية من الإيحاء المؤثر. الصورة تتلبّس المكان أولاً، ثم تغيّر معالمه، وبعد ذلك تعيد تشكيله ليصبح شيئاً آخر مختلفاً. من الأمثلة التي نعثر عليها في المجموعتين: الجزيرة، الطريق، الأرض، الغابة، الهضبة والبيوت. نماذج كثيرة يصعب حصرها في هذه العجالة.

الأرجح أن أهمية هذه الميّزة، في المجموعتين، تكمن في أن المكان الذي يلجأ إليه عبدالغني، سرعان ما يتحوّل، بدوره، تدفقاً مثيراً للانتباه، للرؤى الشعرية وهي تشكل خارطة النصوص. فالجزيرة، على سبيل المثال، هي التي يتأهّب الشاعر للذهاب إليها بعد أن أكمل دورته. والأرض هي المكان الوحيد الذي لن يقصد دون كيشوت سواه. والغابة هي المكان الذي يزوره باستمرار. ودون كيشوت، أيضاً، هو الذي ترك ضيوفه يطلّون عليه من على الجسور قبل أن يغفو على عتبات سويدائه. وطريق العشب هو المكان الذي يبحث فيه الشاعر عن هويته الضائعة. والبيت هو المكان الذي كان يحسب أن الريح ستخشخش فيه بعد أن غيّرت أشياء كثيرة في الطرقات والخلجان. أمثلة متنوعة ومتعددة في دلالاتها على محورية المكان وخصائصه في الارتقاء بالصورة الشعرية تمهيداً لاستخدامها في عملية الإيحاء والسير في الطريق الصعبة لملامسة الحلم.

الخروج من الحصار

بدءاً من المكان، يلقي الشاعر بتساؤلاته، واحداً تلو الآخر. ينتقل بالمكان الى عالم الذات الوعر ذي الدروب المتشعبة والغامضة والمجهولة. ولكن المفتوحة على احتمالات الحلم وهو يتحرّك، على نحو من القفز السريع بين الفكرة والفكرة والصورة والصورة. ثم لا تلبث الذاكرة أن تصبح بدورها بؤرة متشابكة من الأمكنة، تتحرك فيها في كل الاتجاهات. شبكة واسعة يتمثلها الشاعر من الطرق والدروب والسبل تضفي على النصوص فضاء لا يستقرّ على حال. من هنا، كثرة الإيغال في الكتابين دلالة على ذلك الطوق العنيف من الأمكنة الذي يطغى على ذاكرة الشاعر. ولكن دلالة، أيضاً، على حاجة الشاعر القصوى الى ما يجعله قادراً، بالفعل، على ممارسة التنقل الحثيث إما للخروج من المتاهة، وإما لاستكمال الطريق على مشارف الرؤية، وإما للحؤول دون أن يصبح هذا الحصار مأزقاً حقيقياً يصعب التفلّت منه. ومع ذلك، قلّما نلحظ تعثراً لدى الشاعر في إدارة هذه الأزمة ـ الدوامة. نادراً ما يضلّ عبدالغني طريقه بين هذه الدروب المتشابكة التي تؤدي الى أخرى أكثر تعقيداً ومتاهة. يجد حلولاً ناجعة مقنعة لا تبعث على انتهاك الصورة الشعرية في تقنياتها الفنية. المكان لا يعود، في هذه الحال، مصدراً للمتاعب والضياع في عزّ الازدحام وشدة الاختناق. يصبح وسيلة للخلاص، إذا صحّ التعبير، من هول المتاهة قبل الوصول الى المتاهة الأخرى. ولأن المتاهات مفتوح بعضها على بعض، كذلك الأمكنة مفتوح بعضها على بعض. لا متاهة من دون طرق وأمكنة تقود إليها، ولا متاهة من دون طرق وأمكنة تقود الى خارجها. مشهد بانورامي معقّد، ولكن جميل هو الذي ينقله، في نصوصه، محمود عبدالغني، عن أمكنته ومتاهاته وكيفية إعادة تشكيلها وتوظيفها في العملية الشعرية. المجموعتان تشيران الى ذلك، على الأرجح، بشكل لا يبعث على الحيرة في الأساليب التي يستنبطها الشاعر لمعالجة همومه الشعرية.

ومع ذلك، ثمة تباين بين المجموعتين، على الأقل في حجم الهواجس التي يثيرها الشاعر وطبيعة التساؤلات التي يطرحها في صوره ومشاهداته. يندرج، في هذا السياق، بالتحديد، كتابه "كم يبعد دون كيشوت". نصوص متعددة، يفرد فيها عبدالغني مساحة واسعة لمعاينة الذات وهي ترتدي تحوّلاتها الكثيرة لإعادة تشكيل العالم الغريب من حولها. قد تبدو هذه المجموعة توطئة موضوعية لنظيرتها الثانية "أرض الصباح"، باعتبار أن هذه الأخيرة تتجاوز الزوايا الذاتية الضيّقة الى تعبيراتها الأكثر بعداً والأكثر اقتراباً من صورة الذات في أبعادها الأشمل.

انكفاء على الذات

"كم يبعد دون كيشوت" محاولة جادة، على الأرجح، للإصغاء المتأني للنبض الداخلي الخفي الذي يجعل من الذات محوراً وحيداً لذاتها قبل أن تتخطاها في اتجاه المحيط الأوسع. يرقب فيه الشاعر، على سبيل المثال، يده الغريقة التي جاءه زائر لينقذها. ويتحسّس ظله ووزنه عندما وصل الى الجزيرة المنسية ليكتشفها. ويتلمّس نفسه بينما الشاعر يلعب في خيال الموتى، يطير بعيداً ويحطب قريباً، وعقله في مكان آخر. ويتتبع يده وهي تقتفي أثر الأصوات. ويستهجن زيارته الى الغابة، مستفسراً ما إذا كان والده يرقد هناك. قصائد كثيرة تميل، بمعظمها، الى هذا التوجه الذي يراد منه، على الأغلب، الاطمئنان الى أدواته الشعرية الأقرب إليه من نفسه. ولأن الأمر كذلك، يغلب على هذه النصوص إحساس عميق بالحاجة الى التوحّد مع النفس، الى العزلة الموحشة ريثما يستقصي طبيعة هذه التفاصيل في حركتها الداخلية التي يسمع صوتها وحده فقط. نلحظ، في هذا الإنكفاء المطبق على الذات، شيئاً كثيراً من دهشة الاكتشاف. التعرّف الى جغرافيا الذات عن كثب، ومعايشتها على نحو لا يخلو من متعة التجربة.

ليس في هذه النصوص، وهي تنحو هذا المنحى المرتدّ الى الذات، ما يشير الى اختناق في الأفق التعبيري. فالشاعر لا يبدي ضيقاً من التعايش الطويل مع تفاصيله الصغيرة. ولا يبث في النصوص ما يحمل على الاعتقاد بأنه ضاق ذرعاً من هذا التقوقع على مشاعره الداخلية. على النقيض من ذلك، نراه يجاري هذه التفاصيل، في سلسلة تحوّلاتها وانكشافاتها وتلوّناتها باستمتاع كبير. ينقل إلينا هذه التجربة الشيّقة بشغف. يزرع في داخلنا تحولاته الذاتية. يسعى الى تعميمها، بشكل أو بآخر، ليحرّرها من ذاتيتها الضيّقة. هذه، على الأرجح، هي الكيفيّة التي يعبّر بها عن التساؤلات التي تشغله قبل أن ينتقل بها الى صيغة التشكّل وإعادة التشكّل.
في هذا الكتاب، يبذل عبدالغني جهداً واضحاً في إيجاد المعادل الشعري لهذه التفاصيل، قبل أن يقدم على إعادة توظيفها في المجموعة الثانية.

من موقع الغياب

يبدو الكتاب الثاني، "أرض الصباح"، تجسيداً حقيقياً لبعض التساؤلات والتطلعات والهواجس التي تنطوي عليها المجموعة الأولى "كم يبعد دون كيشوت". صحيح أن الإثنين ينتميان الى المنطلقات الشعرية عينها، غير أن عبدالغني في "أرض الصباح"، وقد اختبر تفاصيله الذاتية وتعايش معها عن قرب وتشبع بظلالها، يتسلّل من الداخل الى الخارج ليضمّ الى مقتنياته الشعرية ما كانت تفتقر إليه في المجموعة الأولى. إنها، على الأغلب، تطبيق عملي، على مستوى الصورة الشعرية، نتيجة لغريزة التوسّع في امتلاك مكتسبات جديدة هي من نسيج الحلم الجائع الى مشاهد أخرى قد لا تستقيم عملية إعادة تشكيله من دونها. يغلب على هذه النقلة النوعية مراقبة ما استجد من تطورات أو إضافات على الصورة الشعرية، من موقع الغياب. وهي الحالة التي تمكن الشاعر من استشراف تحوّلات الأشياء في دقائقها العميقة بعيداً عن أشكالها الخارجية التي لا توحي، على الأغلب، باحتمالات التغيّر والتبدّل التي يستخدمها الشاعر وهو يضع تعريفات جديدة للعالم من حوله. ومع ذلك، كلما ازدادت وطأة الغياب، ازدادت التساؤلات، وبات الوصول الى مشارف الحلم أكثر صعوبة. ورغم ذلك، يبدو الغياب ملاذاً مثالياً لتذليل العقبات التي تعوق الرؤية الداخلية. والدليل على ذلك، أن الأشياء تصبح أكثر مرونة وقابلية على النطق بما لا توحي به أشكالها الخارجية.

الغياب، في هذا السياق، وتحديداً في مجموعة "أرض الصباح"، يجري توظيفه، جيداً، لخلط الأوراق الشعرية بغية إضفاء مكوّنات جديدة على كل التفاصيل التي تخيّم على العالم المحيط بالشاعر. وقد يتقدم الشاعر أحياناً خطوة أخرى الى الأمام من موقع الغياب الذاتي الى الغياب الكلّي. في هذه الحال، يصبح كل شيء غائباً وحاضراً في آن. كلما اشتد غيابه، بات أكثر حضوراً، والعكس صحيح أيضاً. في الغياب، تتوسع دائرة الوهم في كل الاتجاهات. تختلط الأشياء، وتتداخل، وتمتزج الى الحد الذي يصبح متعذراً تمييز أحدها عن الآخر. تتحول الصورة الشعرية، في هذا السياق المحموم بكثرة المشاهدات والتفاصيل وحتى الجزئيات، دفقاً من الحركة الداخلية النابضة باستمرار. يغدو الحلم، على الأرجح، ضرباً من المستحيل الذي يغري صاحبه بالأهمية الاستثنائية للحظة الوصول الى حيث لم تطأ قدماه، من قبل. رحلة مثيرة للجدل والاستكشاف يتكبّدها محمود عبدالغني في مجموعتيه الشعريتين على طريق الحلم الصعب ولكن الممتع والجميل.

المستقبل
الاثنين 2 تموز 2007