جهاد الترك
(لبنان)

تضحك طويلاً، ثم تحزن عميقاً، ثم تضحك وتحزن معاً، على إيقاع من كآبة محببة تكاد تفتح نصوص رامي الأمين، بعضها على بعضها الآخر. ثلاثون قصيدة هي محتويات كتابه الصادر مؤخراً عن "دار النهضة العربية" بعنوان "أنا شاعر كبير"، يتجول بها على أرصفة مشاهداته الخارجية بعين فوتوغرافية تلتقط اللحظة في مناطق الظلال حيث لا يبقى من الصورة الا إيحاءاتها المتدفقة. يعزف الأمين، في هذا السياق، على وتر الفكرة ونقيضها، الصدمة ونقيضها، المألوف ونقيضه، ليحيل حياته اليومية ضرباً من العبث المنظم، إذا جاز التعبير. غير أنه، وهو يفعل ذلك، يسلط تجربته الذاتية على الآخرين، على نحو من شفافية تلقائية، بحيث يتعمد ترتيب الأحداث، بعيداً عن إطارها الزمني والمكاني. تقنية لا تخلو من ذكاء، يستخدمها بمهارة لإعادة تشكيل الواقع على خلفية ما لا يرى فيه. فإذا به، والحال هذه، يسعى الى إقامة معادلته الشعرية، على أساس من البحث في "الكواليس" عن عناصر تنسف المشهد المتداول من جذوره. يجتهد الأمين، على الأرجح، في تطوير هذه التقنية، في نصوصه الثلاثين الى الحد الذي يبدو متعذراً مقاربتها من دون هذه الرؤية المحددة. ومع ذلك، فهو ينجح، بشكل أو بآخر، في إضفاء أجواء مكثفة من المعاني الطريفة التي تقترب، كثيراً، أو قليلاً، من الدلالات الأخرى للصورة الشعرية.

اللافت، في هذه النصوص، قدرة رامي الأمين، على بعثرة المشهد، ومن ثم إعادة تركيبه في لحظاته الساخرة، على وجه التحديد. يزيل الحاجز السميك بين تصنيفين يبدوان متنافرين: المأسوي والهزلي. لا يعود الموقف، في هذا الإطار، منقسماً بين هذين النقيضين. لا يصبح أحدهما منافياً للآخر. يقدم الشاعر على تجريدهما، معاً، من دلالاتهما، ثم يعيد تشكيلهما على قاعدة أن كلاً منهما يكمل الآخر في الانزلاق الى الهاوية. المأسوي هو الهزلي عينه بعد أن تتحول مكوناته خليطاً مضحكاً من اللامعقول. والهزلي يصبح مأسوياً بعد أن يظهر الشاعر أنه ينطوي على منظومة من الحقائق التي تبعث على القشعريرة. كل منهما يمثل الوجه الآخر للعملة نفسها.
ومع ذلك، يطغى الهزلي على المأسوي في نصوص الكتاب، ليس لميل لدى الشاعر في إثارة الضحك وكبت الحزن. بل لسبب آخر أكثر أهمية، على الأرجح، هو إعادة قراءة المشهد في ضوء تناقضاته الكامنة في أعماقه البعيدة. وهذه من شأنها أن تحمل على الاستغراب والدهشة والاحساس الجارف بالحاجة الى الشك في كل شيء، على الاطلاق. نضحك كثيراً، ونحن نقرأ الكتاب لأننا نصدم كثيراً، على نحو لا حرج فيه من التخلي عن قناعات تبدو راسخة غير أنها هشة، في طبيعتها الداخلية. يبث الأمين هذه الرؤية المغايرة، من خلال لجوئه الى "القصة القصيدة". والموقف المتغير، على الدوام، واللحظة الآنية المشحونة بأثقال الذاكرة المتعبة. مشاهدات خارجية، بمعظمها، يستوردها الشاعر من مصادرها الواقعية، الى حيث يعيد تصنيعها في الداخل. قلما نعثر على سياق معاكس. لا يستخدم احتياطيه الكامن في الذاكرة ليطلقه بأشكاله الجديدة الى الخارج. يترصد ما يفرج عنه الخارج ليتلقفه تمهيداً لإعادة تكوينه. من هنا، تبدو القصة القصيدة وسيلة مستساغة للإفصاح عن هذا الخارج قبل أن يتحول حركة داخلية في الذاكرة الشعرية. وباللمثل، يتم توظيف الموقف العابر، واللحظة الآنية وما يتفرع منهما.
الصياد
يبدو الأمين في نصوصه "الفوتوغرافية"، إذا جاز التعبير، صياداً ماهراً لنمط محدد من "اللحظات" التي تستوقفه أكثر من غيرها. يترصدها من وراء كاميرته الداخلية، على نحو لا افتعال مبتذلاً فيه. والأرجح انه يعول على هذه التقنية، على نحو مكثف، لبناء صورته الشعرية. نلحظ هذا الأسلوب في معظم النصوص تقريباً حتي ليخيل الينا ان هذه اللحظات المقتنصة هي التي تحرك فيه غريزة الشعر. ولولاها لجاءت مشاهداته رتيبة تدور في فلك من السكينة الجامدة. غير انه لا يفعل ذلك. ولا يبدو ان لديه رغبة او حافزاً على التحرك بالشعر بعيداً عن هذه المعادلة التي تنسكب من الخارج الى الداخل ليعاد صوغها من جديد. ومع ذلك، يبدو منسجماً مع أدواته الشعرية، متصالحاً معها الى الحد الذي يجعله مسروراً، على الأغلب، "بقناعاته" الشعرية المتحولة.

غالباً ما يتقمص الامين شخصياته "الروائية" ليقحم نفسه في فضاء النص وتفاصيله الصغيرة والكبيرة. يستخدم الآخر ذريعة محببة ومقنعة ليبحث عن ذاته في أرجاء الذاكرة. قلما ينظر الى مرآته الداخلية ليستمتع برؤية ملامحه بمعزل عن الوجوه التي تستدرجه اليها، او يخترعها بناء على نماذج حقيقية. الأنا تذكر بالآخر، والعكس صحيح. كلما اثيرت الأنا، أثير الآخر، على نحو من التشظي الدائم لمشهدية شعرية متنوعة. ولكن ثمة انكسار للأنا امام الآخر. احساس عميق بالعبث، وانعدام الجدوى والتآكل امام الواقع بجبروته القاسي. النصوص تلتقط هذا الانكسار بلحظاته الحزينة، لتترك بصمة جميلة على جدار التساؤلات المدهشة.

من النصوص نقتبس:

أنا شاعر صغير
لذا يمكنني أن ألعب
بالكلمات
وأن ألون القصيدة
بأقلام الشمع
وأهديها الى معلمتي
أو إلى ماليكا السري لانكيته
التي لعبت دور أمي
عندما كانت تذهب الى العمل
أو الى الأخت جولييت
الراهبة التي وضعت
دفاً بلاستيكياً في حقيبتي
بعد انتهاء الدوام
في مدرستي الانطونية
أنا شاعر صغير
لذا يحق لي ما لا يحق
لكبار الشعراء
من هنا استطيع أن أموت باكراً
على سبيل المثال
أو أن اتوقف عن النمو...

المستقبل
الخميس 3 أيار 2007