في غربتين: تحولات الوطن واتساع المنافي

جهاد الترك
(لبنان)

خالد المعاليسيرة ذاتية بمقاييس مختلفة هي تلك التي يتوغل فيها عميقاً الكاتب والشاعر العراقي، خالد المعالي، عنوانها "جمعة يعود إلى بلاده" الصادرة، حديثاً، عن "منشورات الجمل" في بيروت ـ 2007. تقترب من مثيلاتها كثيراً أو قليلاً، في الشكل والمضمون، غير أنها سرعان ما تفترق عنها، إما، في بداية الطريق وأما في منتصفه. وقد لا يلتقيان أبداً في النهايات. مرّد ذلك، على الأرجح، إلى طبيعة التحولات الجارفة، أو العنيفة، أو القسرية التي شهدها الكاتب، وهو ينطلق، وحيداً، مع رياح الاغتراب التي حملته، على حين غرّة، من العراق إلى بلاد الله الواسعة.

الحقيقة الأخرى

سيرة ذاتية متمردة على أصول المهنة وتقاليدها المتداولة وأعرافها الرتيبة. تتداخل فيها الأزمنة والأمكنة، على نحو عشوائي، يحدث خللاً كبيراً في بنية هذا النمط من الكتابة الصعبة. وتتراكم فيها الشخصيات والوجوه، على نحو انتقائي يستجيب، بالدرجة الأولى، للحوافز النفسية والضرورات الدرامية، والانسياب الداخلي الذي يعتمل في ذاكرة الكاتب. يشدها جميعاً، بعضها إلى بعضها الآخر، ايقاع حزين، وضروب من الدهشة والتوهم لاعادة تشكيل حقيقة لزمن آخر اضاعه صاحبه في المتاهة الكبرى. سياق متشابك، متلاطم، متدفق من الأفكار والذكريات والمحطات التي غادرها الكاتب، على عجل، يعود اليها، اليوم، ليقرأها، عن كثب، مفجراً فيها ألغاماً كثيرة بدت مزروعة، على جنباتها، وفي جوفها. والأغلب انها سيرة ذاتية يقصد منها تصفية حسابات مزمنة مع الذات، والآخر، والمجتمع والناس والأمكنة والسياسة قلّما ينجح فيها الكاتب إلى ابرام اتفاقات مرضية. قد يعزى السبب، في ذلك، إلى الخسائر الباهظة والأرباح الرديئة التي كانت من نصيبه. لم يعد بمقدوره، والحال هذه، أن يفرض شروطاً من صنعه على من كان، ولا يزال، يتحكم بالهامش الأوسع من البطش والجبروت واحتكار المصائر. فات أوان ذلك، على الأرجح.ومع ذلك، ليس ثمة فائدة تذكر من الانتطار الطويل في نفق الأشباح.

بدت تصفية الحسابات هذه خالية من نوايا الانتقام. بدت تفتقر، على الأغلب، إلى استعادة الغرائز من أوكارها الموحشة. نلحظ في سياق الكتاب، انصرافاً ملفتاً عن اثارة منظومة من التفاصيل التي رافقت الكاتب منذ أن غادر العراق في العام 1978. صحيح أنها تملكته، وقضّت عليه مضجعه. ونهشت ما كان تبقى له من نبض في الشرايين. غير أنه دجّنها، وأزال انيابها، ثم هدأ من روعها، وبعد ذلك، ارتقى بها الى أبعادها الانسانية القصوى. واستخدمها ذريعة موضوعية ليتمكن من مساكنة الوحش وترويض الكوابيس في ادغال الاغتراب حيثما وطأت قدماه.

تحت وطأة القهر والتهديد الدائم بالموت والتعذيب والاعتقال، يورد الكاتب أنه شق طريقه خارج العراق إلى فرنسا. حمل غربته في جعبته وألقى بنفسه في قلب المتاهة. منذ تلك اللحظة، بالتحديد، يبدو واضحاً بشكل أو بآخر، انه فقد احساسه بالزمن، وأضاع البوصلة التي ترشده إلى الأمكنة.
في باريس، يعترف بأنه ضلّ، وتشرّد وجاع واكتأب إلى حد الاحساس بالهذيان. بدا مشتتاً، في تلك الأثناء المريعة بين قدرين ثقيلين. احدهما في العراق وقد اصبح وراءه. والثاني في فرنسا وهو يلازمه كظله. القدران وجهة لعملة واحدة، على الأرجح، هي الاستفراد المتعمد به على قاعدة الخضوع القسري لاملاءات مردها الى الجحيم. يستذكر الكاتب، في نصوص عدة، هذه اللحظات بشيء كثير من المرارة المفتوحة على احتمالات التمزق الداخلي، والاستسلام الكلي لشروط المتاهة، والخوف الدفين من الضربات القاتلة لهول المفاجأة.

مشهد العراء

ومع ذلك، يتآلف الكاتب مع المتاهة، في خبثها، وازدرائها، وشهيتها العجيبة على اصطياد الاحلام، والترصد بالأمكنة والأزمنة واحالتهما ضرباً مرعباً من الخراب الدائم. في سنواته الباريسية، ومن ثم انتقاله الى المانيا، يكتمل في ذاكرة الكاتب، مشهد العراء، وهو ينتشر في كل الاتجاهات، جاعلاً من كل الأشياء والكائنات مادة دسمة لاشاعة الخوف من المجهول. يسترسل خالد المعالي في رسم صورة هذه الخارطة التي تبعث على القشعريرة.
يتنقل بين محطاتها التي داهمها الصدأ، فتغيرت معالمها على وقع التصحّر الذي يجرف الروح إلى الهاوية. مشاهد موحشة في صقيعها الانساني، في وعورتها، في انزياح تربتها، في ضبابها الأسود المنبعث من الأعماق. يبدو الكاتب، في هذا الفضاء المتآكل، تحت وطأة الهلع، وحيداً في المتاهة.
يتلمس طريقه في أجواء غامضة تنعدم فيها الرؤية.

يدرك، على الفور، انه على قاب قوسين أو أدنى من السقوط غير انه يتراجع خطوة إلى الوراء. في هذا الخضم المحموم من الصور القاحلة، او المترنحة تحت ضربات الأفق المسدود، يبدأ الكاتب في ممارسة لعبته المفضلة. يحدث في الجدران العالية من حوله تصدعاً بسيطاً ينفذ، من خلاله، إلى خارج الحصار الذي يطبق عليه، يستسيغ مشهد الأزمنة، وقد راح بعضها ينهش في بعضها الآخر، ليستقل بزمنه هو، بمكانه هو حيث يبلغ الحنين ذروته. حيث تستفيق الذاكرة، من جديد، على قدر بسيط من التوازن.
يستيقظ الكاتب، في هذا السياق، من غيبوبة طويلة اقفلت في وجهه كل الدروب. يعود في الزمن إلى الوراء، حيث أيام الطفولة، وسنوات التكوين في تألقها الأول، وتوهجها الذي اختلط بالمسام وأضحى من الحقائق الثابتة في الذاكرة. لا يكتفي بذلك، يمضي قدماً في استخدام هذه اللعبة، على نحو غير مشروط. يكتب رسائل إلى اصدقاء وأشخاص بمفعول رجعي. يبعثها من الحاضر إلى الماضي، من المستقبل إلى الماضي، من الماضي إلى الحاضر، ومن الماضي إلى الماضي. لا يجد حرجاً في ذلك. فقد عانى، طويلاً وكثيراً، من تداخل الأزمنة وتشابكها، من انهيارها، وأيضاً من زوالها. يلاعبها بأدواتها هي، على نحو من استمتاع كامل، هو أشبه بالسخرية من تعاقب الزمن وغطرسته وميله الغريزي الى الانتقام.

تسوية مع الذات

على هذا الأساس، يبدو حالد المعالي أقرب ما يكون إلى ابرام تسويته النهائية، على الأرجح، مع نفسه أولاً، ومع الآخرين، ومع الظروف القاسية التي انقلبت عليه، مراراً وتكراراً. يخترع زمنه الذاتي، ومكانه الذاتي، فوق سائر الأزمنة والأمكنة. يظهر ذلك، على نحو واضح، عندما عاد، في زيارة قصيرة، الى العراق في العام 2003. قصد، مباشرة، تلك الأمكنة التي غالباً ما كان يرتادها بالذاكرة، وهو يتقلب في غربته الباريسية ومن ثم الالمانية. كان لافتاً، وهو يزور هذه الأمكنة المفضلة لديه، ان تتراءى، في ذاكرته، تلك الوجوه التي كانت ملازمة، بالضرورة، لهذه المحطات. المشهد ينتعش، من جديد، بناسه وأمكنته وأزمنته، وكأنه انوجد للتو، على نحو غير مسبوق.
ومع ذلك، بدا الكاتب، في زيارته العراقية، وكأنه يتجول في الذاكرة أكثر منه، في أرض الواقع. نلحظ، في النصوص، انه أكثر وفاء لظلال هذه الأمكنة والأزمنة، كما أعاد تشكيلها في ذهنه أثناء السنوات الطويلة والثقيلة التي قضاها بعيداً عن بلده.

يعود الكاتب إلى العراق، وفي ذاكرته مخزون وفير من صور وأحداث ووقائع ووجوه وذكريات، لم تعد تشبه نفسها كما كانت عليه في السابق.
نتساءل: ما الذي جناه من عودته الى مسقط رأسه، وهو يحمل في رأسه عينين لا تريان إلاّ ما يلتمع لهما في شريط الذاكرة السينمائي؟ الأرجح أنه يبحث، في هذه العودة، عمّا يتجاوز الصورة، إلى خلفياتها البعيدة المنغرسة في الحنين إلى ما كان، وليس في التطلع إلى ما سيكون. يستكمل بهذه الزيارة ما فاته من مشاهد تبدو الذاكرة بأمس الحاجة إليها.
زيارة جديدة الى الذاكرة، هي على الأرجح، زيارته الى العراق. يتفقد فيها غربته التي لم تفارقه لحظة منذ أن شد الرحيل إلى أوروبا. من غربته في العراق إلى غربته في باريس والمانيا إلى غربته ثانية في العراق. غربة ثلاثية أضحت رباعية وخماسية بعد أن عاد الى منفاه الالماني. غربة متشظية الى ما لا نهاية. يحملها في ذاكرته أينما رحل. انها الاقامة الجبرية التي يطيب له السكن فيها وحيداً. انها المكان الأمثل، على الأرجح، الذي يصنع فيه أوهامه ثم يشكلها ويعيد تشكيلها. ليس ثمة، في الكتاب، ما يوحي بغير ذلك. حتى عندما التقى والدته بعد عشرين عاماً من الغياب القسري، بدا انه يرى في وجه أمه المحبّب غربته التي فرقت بين الاثنين.

ذاكرة الظل

لم تعد الغربة، بالنسبة الى خالد المعالي، هاجساً يخشى منه أو شبحاً قبيحاً يطارده في كل الأمكنة. تحولت، بفعل الظروف الصعبة، والمعاناة الدائمة، قدراً حقيقياً هو الأكثر استجابة لطبيعته القلقة التي لا تراهن على أي اطمئنان ذي جدوى حقيقية، والأغلب ان هذه الغربة هي من نسيج الظلال الشعرية التي تسكنه منذ أن نشأ وترعرع في العراق، وأكمل مسيرته، بعد ذلك، في فرنسا والمانيا. الغربة الناتجة عن الاحساس بعمق المتاهة واحتلالها الحيّز الأوسع من مساحة الذاكرة. ولأن الأمر كذلك، ولأن التجربة الشعرية هي السقوط المدوي في المتاهة، والاقتراب الدائم من الغربة والاغتراب، أخذ الكاتب يحملها معه أينما ذهب. أصبحت ظله الذي لا يفارقه.
سيرة ذاتية متفلتة من الضوابط لا يكترث صاحبها لانتظام في الزمان والمكان وتعاقب الوجوه وفقاً لسياق ينطلق من الماضي إلى الحاضر. صيغت بمزاج شاعر فك ارتباطه مع رتابة الايقاع وتفاهته وسذاجته. نصوص مشحونة بحركة داخلية متوترة لا تقيم وزناً للمألوف الذي حمل الكاتب على الالتحاق، طويلاً، بقافلة المشردين التائهين في جغرافيا بلا معالم. والأرجح أن في هذه النصوص ما يبعث على الاعتقاد بأنها قصيدة مطولة وضعها خالد المعالي على هامش الشعر وليس في صلبه. أراد بها أن يؤرخ أحداثاً لا تنبع من الواقع الموضوعي، بقدر ما تسعى إلى اعادة تشكيله انسجاماً مع مكوناته العميقة في الذاكرة. على هذا الأساس، قد نلحظ أن الزمن الحقيقي الذي يخيّم على النصوص هو ذلك الذي يبتدعه الكاتب من خلايا تجربته الذاتية وهو ينتقل من محطة الى أخرى في دنيا الغربة والاغتراب.

الزمن الداخلي

الزمن الداخلي، في هذا الاطار، هو الحقيقة القصوى التي ينتمي اليها الكاتب. الزمن الخارجي هو صورة واهية لاشباح ذكريات لم تعد قائمة، على الاطلاق، في أشكالها الأولى التي كانت تجسدت فيها. ومع ذلك ثمة بون شاسع بين الاثنين يتجاوز كثيراً الطبيعة المختلفة لكل منهما. الزمن الخارجي مشدود بوقائعه إلى الزوال، إلى السقوط التلقائي بين فكي كماشة الزمان والمكان. يخضع، بالضروة، لعوامل الموت التدريجي اسوة بكل الأشياء. الزمن الداخلي هو ذلك المسكون، على الدوام، بالرؤيا المتجددة، التي ما أن تموت حتى تبعث ثانية من بين الرماد.

الكاتب، في هذا السياق، منحاز بغريزته الشعرية إلى الزمن ـ الرؤيا، إلى تلك الطريق الصعبة المتشعبة كالمتاهة. هناك، في المناطق النائية البكر من الذاكرة، يضع الكاتب زمنه الشعري المحض. كلما خف الوهج، في تلك الطريق، أقدم الكاتب على اشعاله من جديد.

في العادة، تنطوي السيرة الذاتية على بداية ونهاية، يتخللهما تفاصيل محددة لا يجد الكاتب مفراً من ذكرها وتعدادها وفقاً للآليات التي رافقتها وتحكمت بها. السيرة التي وضعها خالد المعالي لا بداية لها ولا نهاية، حتى أن اشخاصها وأزمنتها وأمكنتها غير محددة المعالم. مشوشة الى الحد الذي يحيلها ظلالاً بعيدة لمشاهدات لم تعد ذات أهمية حيوية. "جمعة يعود إلى بلاده" لا تنطلق من زمان ومكان ثابتين. ولا تستقر، في نهاية المطاف، عند خاتمة ثابتة. تختلط عناصر هذه السيرة، على نحو يجعلها مشرعة على المجهول. فالمدعو جمعة، وهو الشخصية الرئيسية في السيرة، الذي يتقمصه الكاتب، لا يعود إلى بلاده، على الأرجح، بل يتقدم حثيثاً إلى موطنه الحقيقي في الذاكرة. ذلك المكان الذي اخترعه الكاتب لنفسه، ليرتاده في كل الأمكنة والأزمنة.

***

مختارات

جمعة يعود إلى بلاده

من الكتاب، نقتطف جزءاً من نص بعنوان "جمعة يعود إلى بلاده"

تمت عملية النزول ببطء، وفي حالة أشبه بالفوضى، على الأقل بالنسبة إلينا، نحن الذين نبدو كالغرباء، حائرون أمام هذا الملأ المتماوج. لقد حدقنا طيلة الصباح في الفضاء. أردنا أن نتعرف إلى طبيعة فارقناها، أو وجوه أليفة... ثمة رهبة، بقايا خوف وذكريات تتدحرج كقطع زجاجية لكأس مكسورة. تمت اجراءات الدخول بيسر. ثمة حياة طبيعية اذاً، نظرات شرطة الجوازات مستجدية وخالية من التسلط والعنف والعنجهية... لا شيء يذكر بالماضي سوى بقايا الشوارب الشائبة.

كنت أتوقع أن أرى احداً أعرفه ينتظرني وراء الحاجز الزجاجي، تأملت المستقبلين طويلاً، فربما تعرفوا الي، حاولت استعادة الوجوه، تلك اللقطات القديمة، الصور الأحداث... لم يتحرك احد ولم ينتبه، فقط نظرات الحمالين التي تترصدنا، وحين عبرنا الخط الأخير مع حقائبنا تأكدنا انه لم يكن ثمة احد في انتظارنا، لم نهتم فنحن غرباء، اينما حللنا، حتى عند شرطة الجوازات، وقفنا في طابور الغرباء، أخذت أنقل خطواتي على الأرض كي أتأكد بأني قد عدت حقاً، وبأني اخطو وأتمشى وأتنفس وأتحدث الى الناس، حمالين، شرطة، سائقي تاكسي... من دون خوف أو وجل، لم يترصدني أحد ما، أو ينظر الي بنظرات غريبة مليئة بالشك! رحت اتبادل مع منى الجلوس مع الحقائب والمشي على الأرض العراقية. ثمة ضباب وغبار، وربما دخان، لا أدري، روائح محروقات مختلطة... ملصقات عن شركات اتصال تلفونية شبيهة بتلك التي نجدها في كل مكان من العالم، لكن التلفون لا يعمل!
لقد بدا وكأن الزمن يمر ببطء شديد. الساعة الآن هي التاسعة صباحاً، كنت اداعب الأفكار لتقرير اذا ما كان علينا استئجار سيارة الى السماوة او الانتظار، فربما تأخر المستقبلون من إخواني. لذلك اتخذت الاحتياطات الكاملة فكونت لنفسي فكرة عن الأسعار. وفي غمرة هذه التفكرات اذ بمجموعة من الأفراد يقتربون منا، ويحتضنوننا ويبكون. تعرفت إلى احدهم، والذي كان أخي الأصغر، ثم الأخ الأكبر، تعرفت اليه من أنفه وتركيبة اسنانه، ثم أخ ثالث شائب الشعر من صوته، كنا حقاً غرباء، ما ان عبرنا بوابة المبنى حتى شاهدت أمي من بعيد برفقة أمرأة أخرى، اعتقدت انها أختي صفية، لكنها كانت الأخت نجية، توأمها... لم نحتج الى وقت كثير حتى غادرنا ميناء أم قصر.

نظراتي المحاصرة، تزوغ بين نظرات المستقبلين، وتسقط على جانبي الطريق الممطر. تبدو الأراضي جرداء تقريباً، داكنة اللون، تتوزعها البرك المائية، غير ان سرباً من الطيور يطير بمرح ـ مرح متخيل ربما ـ أشعرني بأني قد وطئت اليابسة. السفينة وراءنا جميعاً، انا، أهلي وزوجتي، والطوفان انتهى تقريباً. الأمواج انحسرت، والحمامة تعطي الاشارة الحقيقية للنجاة: نجاة المنفي والمقيم، بشراً وحيواناً وشجراً... بفضل الحمامة عرفنا قدرنا، نحن الذين نجونا!

ومثلما مرت الدقائق السابقة ببطء، كانت ساعات السفر الثلاث أو الأربع حتى السماوة بطيئة جداً، تخللتها مشاهد الرعاة بكثرة غير معتادة: كلاب سائبة تركض في الفيافي، او مرمية على جانبي الطريق مدهوسة ومتفسخة أو في طريقها الى التفسخ. بقع المياه متناثرة، آسنة، أو جديدة، تركتها الأمطار التي قيل لنا انها قد هطلت للتو وبكثرة. تبدو المدن والقرى الصغيرة، حيث كان طريقنا، وكأنها بقايا من تلك الذكريات، بقايا مهدمة، مغطاة بالغبار، بقايا كأنها في طريقها الى الاندثار، لا شيء جديداً، وحتى هذا الذي يبدو جديداً بعد هذه الأعوام الطويلة، بدا وكأنه خراب، بل إن الجوانب التي بدت لنا زاهية من الذكريات اندثرت كلها. بقيت الصورة الفاقعة التي يصعب التعرف إليها... حتى غابات النخيل عُرّيت من تلك الخضرة وتلك الخلطة الزاهية من الأشجار والخضرة التي تجعلها حقلاً منيعاً. في وسعك اليوم أن ترى الجهة الأخرى من البستان، فتشعر وكأنك تتخلّى عن ذاكرتك شيئاً فشيئاً بينما أنت تستسلم لمصيرك. عليك أن ترقّع ذاكرتك ببساتين ميتة، أو على وشك الموت، زهورها اختفت وأشجارها تلاشت تقريباً. لقد وصلنا الى القرية الأصلية في الثانية بعد الظهر تقريباً، كان بإمكاني التعرّف الى بعض الملامح، لكني لو قدمت لوحدي لما كان باستطاعتي ذلك، فثمة بيوت تناثرت في كل مكان تقريباً. محطّة قطار الحمولة والركّاب نُقلت من وسط المدينة الى أواسط حقولنا. ثكنات الجيش الهولندي أخذت أماكنها في حقولنا أيضاً. سكك قطارات جديدة وقديمة، وطرق معبدة للسيارات، تناهبت تلك البقع الخضراء التي أضحت داكنة في عزّ الشتاء، وفقدت ديمومة نباتاتها دائمة الخضرة لاختفاء مياه الفرات تقريباً، ولأنها لم تمطر في السنوات الماضية بما فيه الكفاية، وهذا ولّد لدى الفلاحين، الذين عُرف عنهم مراسهم الطويل مع الطبيعة، لا أُبالية شديدة، خصوصاً إذا عرفنا صراعهم المرير مع سلطات جاهلة ليس لديها أدنى معرفة بأمور البلاد على مختلف أنواعها!

كان عليّ اجتياز امتحان معرفة الوجوه، فثمة سؤال واحد خلف كل رجل وامرأة يتقدّمان لمعانقتي: هل نسيتهم؟ هل تعرّفت إليها أو إليه؟ الذاكرة التي ميزتها الأساسية العطب، تحفظ هذا الوجه أو ذاك، وتنسى ذلك أو تلك! أيضاً فالوجوه شابت وتغيّرت وبعضها تحت... تحت التراب!
لقد تم الاحتفال بأبهى طرقه التقليدية: الحلوى تنثر على الرؤوس فيما يتراكض الصغار كي يجمعوها، منى سُحبت من فريقنا الى قسم النساء، فيما كان عليّ تقبيل هذا الجمع من الرجال والنساء والأطفال واحتضانهم، لا أدري كم احتضنت وقبّلت منهم... بعضهم عرفته فوراً، وآخرون لم أتعرّف إليهم بالمرّة، وغيرهم احتجت أياماً لاستعادة صورهم. مئات من الأقرباء جداً، ومن الجيران الجدد، والأقرباء والبعيدين... أُولمت الولائم التقليدية وأُطلقت طلقات الحفل. كان عليّ البقاء مع الرجال لاستقبال القادمين وتقبّل تحيّاتهم ومعانقتهم ثم الانتقال ما بين فترة وأخرى الى قسم النساء والأطفال لتقبيل المهنئات ومعانقتهن، وكان عليّ أن أذرف الدموع بشكل متواصل، لا مجبراً، إنما تحت تأثير هذا اللقاء ورؤية هذه الوجوه القديمة والجديدة التي أعود إليها اليوم. أنا الذي بقيت طوال الخمس وعشرين سنة الماضية أحنّ الى رؤيتها، وأحلم بها، وكانت تطاردني من مكان الى مكان.
حينما حلّ ما يشبه الهدوء، عرض أحدهم نسخة عربية من مجلة "النيوزويك" والتي حمل غلافها صورة صدّام حسين الشهيرة بعدما أُلقي القبض عليه، تلاقفتها الأيدي، وكأنها بضاعة نادرة، أحدهم قدّم الاقتراح الآتي: "بما أننا لم نعلّق صورته في مضيفنا، فإنه من الممكن تعليقها الآن، وبهذه الصيغة. وإمعاناً في السخرية اتفقوا على تعليقها في السقف! سرعان ما تضاحك الضيوف وتبادلوا النظرات الفرحة المرحة! كان لسان حالهم يقول: لقد تصرّف طيلة حياته كجرذ، لم يهتم إلا بجحره! كم كان الحق معهم!

المستقبل
الخميس 28 حزيران 2007