فاروق يوسف
(العراق/السويد)

رينه ماغريت رسّام المعاني الجليلة يوم كنت صغيراً، انتشرت بين البغداديين شائعة تؤكد ظهور المرأة ـ السمكة. كانت صورة ذلك المخلوق الملتبس النائم على شاطئ البحر تتناقلها الأيادي المرتبكة فيما كانت الألسن تردد جملة واحدة: سبحان الله. بعد سنوات اكتشفت أن المرأة ـ السمكة تلك، ما هي إلا واحدة من معجزات الرسّام البلجيكي رينه ماغريت الكثيرة.
كانت السوريالية على حق إذاً.
ما الحياة إلا صندوق مغلق على الهذيانات. لقد سرت حيلة الفن في هشيم مخيلة شعبية، امتزجت فيها عوالم الغيب بالخوف من المجهول، حيث الحكاية تظل مشرعة على التوقعات.
حكاية أوتوماتيكية لطالما نسج ماغريت خرافاته من خيوطها، وهو الحاضر دائماً في قلب كل عمل ينجزه مثل ملاك حارس. لقد استعان الفنان بتقنيتَي الفوتوغراف واللصق (كولاج) ليبهر عينيه قبل عيون المشاهدين بصدق ما يرى. قامت فكرته عن العالم المحيط به على أساس العاطفة المشتركة التي تجمع بين ما يُرى من ذلك العالم وما لا يُرى. عين طفل وقلب شاعر ويد حرفي كبير وعقل حكيم. ولأن الاتقان كان واحدة من أعظم مشكلات السورياليين، فقد كانت رسوم ماغريت لا تسرّ الكثيرين، ممن يبحثون عن الجملة الناقصة في النغم. وكنت واحداً منهم. كان ماغريت بالنسبة إليَّ كاملاً أكثر مما يجب. ربما أكثر من سلفادور دالي الذي كنت أبغض اعماله، لشعبيتها المتفاقمة.
ماغريت المستعاد اليوم في "تايت ليفربول" في بريطانيا، ما الذي بقي منه؟
بالرغم من ترفعه الشخصي وعمق المعاني التي انطوت عليها رسومه، كان ماغريت الأكثر شهرة من بين رفاقه الرسّامين السورياليين، بل من بين كل الرسّامين الحداثويين الذين عاصروه. كان فنه مزيجاً من الرثاء والهجاء، وهو مزيج تميز بخفة روح ليست نقيض الصرامة والمسعى الجاد لقول الحقيقة. تلك الروح هي التي أهّلته لكي يكون قريباً من رؤى الناس العاديين الميتافيزيقية، بحيث طبعت صور رسومه على هيئة بطاقات بريدية أثناء حياته ونسجت حولها حكايات كثيرة، بعضها ذهب بها إلى مستوى الاسطورة. كان ماغريت مسجّل أحلام وبريد أفكار هائمة اتخذت أشكالها على يديه الساحرتين. يقع فنّه بالضبط في المنطقة الخفية والرقيقة التي تفصل بين عالمَي الحلم واليقظة. يقول المرء حين ينظر إلى رسومه: نعم لقد رأيت ذلك في الحلم، ثم يتراجع ليضيف مرتبكاً: ليس بالضبط. كما لو أنني صرت أحلمها بعدما رأيتها.
رسوم ماغريت هي وقائع لم تحدث. أشبه بالهاجس، بالحدس، تقيم في جهة التوقعات الغريبة. ما لم يحدث، رسمه ماغريت كما لو أنه صار جزءاً من الماضي. رسوم مبنية على الفكاهة السوداء من غير أن تقدّم سبباً واحداً للشك فيها كونها مزحة عابرة. وكما أرى، فإن تماهي تلك الرسوم مع تقنيات فن الفوتوغراف وأفكارها، قد جعلها تتخطى حاجز السؤال الذي يتعلق بصدقيتها ودرجة علاقتها بالواقع. بالنسبة إلى الكثيرين، كانت رسوم ماغريت لا تقول إلا الحقيقة. وهي حقيقة متاحة للتداول، بسبب مباشرتها وبساطة التعبير عنها. ربما يكون ماغريت هو السوريالي الوحيد لم يشعر المشاهدون بغرابة سلوكه الفني. غير ان ذلك كله لا يقلل من نسبة الشعر العالية التي تنطوي عليها رسومه. ظل الشعر واحداً من أهم مصادر الالهام التي استطاع ماغريت من خلالها إقناع اللامرئي بالعدول عن خفائه والظهور باعتباره مصيراً.

نسخة منه لا تكفي

رينه ماغريت (1898 - 1967) ابن بائع القماش البلجيكي، ولد ودرس الفن وعمل ومات في بروكسيل. ربما كان ماغريت يبتسم سخريةً من القدر وهو يرى لوحاته وقد طبعت على هيئة بطاقات بريدية. فهو بعد كل هذه السنوات التي أمضاها مغامراً في فضاء الذهن والعاطفة السوريالية، يعود مصمّم بطاقات بريدية، مثلما كان عنوان الوظيفة الأولى التي حصل عليها مباشرة بعد تخرجه من الجامعة. حين غادر ماغريت بروكسيل في اتجاه باريس عام 1927، كان مؤهلاً للوقوف إلى جانب كبار صنّاع المغامرة السوريالية في تلك المرحلة، وكانت الصداقة العميقة التي ربطته بـ"بابا السوريالية" اندره بريتون حدثاً طبيعياً. بعد ثلاثة أعوام عاد من باريس إلى بروكسيل فلم يغادرها إلا سائحاً أو برفقة معارضه التي جابت مختلف انحاء العالم. بالرغم من قوة ايمانه بالسوريالية منهجاً للعمل والفكر والممارسة، كان يقف خارج كل جماعة محكمة التقاليد. وكان القبول به سوريالياً من الجماعة السوريالية نوعاً من الاعتراف بأهمية ما يقوم به ولم يكن تكريماً. كان ماغريت معلّماً كبيراً في استنطاق اللغة الآلية والتحكم التلقائي بجريان الأحلام، من غير التدخل في طريقة عمل تلك الماكينة العظيمة التي تنتج الأحلام من خيالها. لو عدنا إلى مفارقة حياته، من حيث كونه بدأ وانتهى مصمم بطاقات بريدية، ألا تدخل تلك المفارقة في نطاق الدعابة التي لا يزلّ لسانها عن قول الحقيقة؟ يظهر ماغريت في رسومه بطريقة مختلفة عن تلك التي يظهر هيتشكوك من خلالها في أفلامه. فمخرج افلام الرعب لم يكن يظهر إلا ضيفاً، ليشهد صامتاً لقطة أو لقطتين من الفيلم، أو ربما ليقول لنا: أنا مثلكم كنت هناك أيضاً. في حين يظهر ماغريت في رسومه باعتباره الشخصية التي تتمحور حولها الوقائع كلها، إذا لم يكن هو الواقعة بكل معانيها القاسية.
في واحدة من أجمل لوحاته، يكرر صورته واقفاً بلباس رسمي تقليدي عشرات المرات وبعشرات الاحجام وسط مدينة، تشبه أي مدينة أوربية أخرى، لكنها ليست مدينة في عينها. الإيقاع لا يخون، حين ينبعث سؤال من نوع: ما الذي يفعله هؤلاء الناس المتشابهون في هذه اللحظة من الزمن وفي هذا المكان الذي يمكنه أن يكون أي مكان آخر؟ ربما أراد ماغريت أن يخبرنا شيئاً عن قدرته على أن يتكرر، أن يتناسخ أو أن يكون الآخر (الآخرين) الذي يشبهه، غير أنه ليس هو بالذات.

روح الشعر

أمام رسوم ماغريت تذكرتُ غادة السمّان. لقد زيّنت الكاتبة السورية غلف عدد من كتبها بتلك الرسوم، فمن اصطاد الآخر؟ كان شغف السمّان بالكمال التصويري هو المسؤول عن "خطأ" من هذا النوع. فماغريت التي تقول لوحته كل شيء، لا يصلح أن يكون معبراً إلى الآخرين. رسومه التي تكاد تكون خالية من التفاصيل، تكتظ بالمعاني المطلقة، وهي معان تضع الشكل في أحيان كثيرة جانباً، لتخلص إلى الأفكار الذي تضرب مثل إبرة. بهذا تكون غادة السمّان قد قالت كل شيء، من خلال ماغريت، قبل أن يفتح القارئ كتابها. نظرة متأملة يلقيها المرء على واحدة من لوحات ماغريت، تكفي لكي يقتنع بأنه وقع ضحية مكيدة بصرية متكاملة الأبعاد، من غير أن تكون تلك المكيدة مسبوقة بما يمهّد لها.
فكل لوحة من تلك اللوحات عالم مكتفٍ بذاته، يقول معانيه من غير أن يكون مسبوقاً، وأيضاً من غير أن يوحي بمسؤوليته عما يلحق به. لذلك يشير التأثر بعوالم ماغريت إلى سذاجة من يستسلم إليه. ذلك لأن من يدخل إلى تلك العوالم لا يمكنه الخروج منها إلا مهشّماً أو يبقى فيها إلى الأبد. وكما أعتقد، فإن الطريق المثالية للرسّامين، ينبغي ألاّ تمرّ برسّام من نوع ماغريت، كان الكمال صنعته، وكانت المعاني جزءاً من لعبته غير البريئة، بالرغم مما يظهر عليها من مسحة طفولية. مع ذلك كان لماغريت أثر لا يستهان به على الكثير من الرسّامين (النحاتين أيضاً)، عبر العالم. فلو أخذنا لوحته التي يظهر فيها حذاءان بأصابع مثلا، لاكتشفنا ان تأثير تلك اللوحة كان قد تخطى الرسم والنحت إلى الشعر. لقد كتبت مئات القصائد في محاولة لاقتناص المعنى العميق الذي انطوت عليه لوحة ماغريت. شيء من روح الشعر يظل مقيماً في كل مفردة استعملها لتكون بمثابة خلاصة لوعيه الشقي. وهو وعي يضفي على المفردات المألوفة والميسرة كثافة مستلهَمة من خبرة ألم عميق.

النهار
14-6-2011

أقرأ أيضاً: